لاقى استحواذ أمازون في عام 2017 على هول فودز (Whole Foods) الكثير من التهليل؛ إذ من المفترض أن تتيح هذه الصفقة لأمازون التوسع عن مجال التجارة الإلكترونية، وبيع منتجات البقالة في مئات المتاجر وجمع بيانات كبيرة عن المتسوقين في ذات الوقت.

إضافة لذلك، أتاح ذلك لهول فودز خفض أسعارها (الأفوكادو العضوي مقابل 1,69 دولار فقط!)، واستئناف تسجيل النمو بعد أن كانت مبيعاتها وحصتها السوقية قد تراجعت قبل الصفقة. حتى أنّ جون ماكي، الرئيس التنفيذي للشركة، وصف تلك الشراكة بأنها "حب من النظرة الأولى".

ولكن بعد مرور عام على الاستحواذ، لم تعد هول فودز تتحدث عن الأمر بالقدر نفسه من التفاؤل؛ حيث انتشرت قصص عن موظفين يبكون حرفياً أثناء العمل بسبب التغييرات التي أدخلتها أمازون. فقد بدأت الشركة باستخدام بطاقات الإنجاز لقياس الامتثال مع نظام جرد جديد لمعاقبة وأحياناً صرف العاملين غير الملتزمين. واتخذت مجموعة من موظفي هول فودز مؤخراً خطوات لدراسة إمكانية تشكيل نقابة. حتى أن الزبائن – أصحاب المصلحة الذين يحظون بالأولوية لدى أمازون – باتوا يعبرون عن غضبهم لعدم العثور على طلباتهم في المتاجر.

فما الذي حل بذاك الحب؟

لقد كان من المتوقع تماماً نشوء مشكلات في العلاقة بين أمازون وهول فودز؛ فلربما رأت الشركتان قيمة في الاستفادة من نقاط القوة لدى كل منهما، لكنهما فشلتا في التحقق مُسبقاً من توافقهما الثقافي. وها هما تقفان الآن على "خط الصدع"، حيث غالباً ما يحدث التوتر وتندلع الاحتكاكات إثر عمليات الدمج. وخط الصدع هذا هو ما نسميه نحن "الشدة مقابل الرخاوة". فعندما تندمج ثقافتان، إحداهما صارمة والأخرى متساهلة، يكون احتمال حدوث صدام في ما بينهما كبير.

تثمن الشركات التي تنتهج ثقافة متشددة الاتساق والروتين، فهي لا تتساهل مع السلوك المتمرد، وتستخدم تشريعات وعمليات صارمة لتعزيز التقاليد الثقافية. أما الثقافة المتساهلة فهي أكثر سلاسة؛ إذ تتجنب عادة وضع القواعد، وتشجع الأفكار الجديدة، وتثمن قدرة الموظف على الحكم والتقدير. كما تتمتع الثقافات الصارمة بنظام عالي الكفاءة، ومتوقع إلى حد كبير، ولكنها من جهة أخرى أقل تكيفاً. وتميل الثقافات المتساهلة إلى أن تكون منفتحة وخلاقة، ولكنها تفتقر إلى التنظيم. فالأشخاص في الثقافات الفضفاضة يفضلون القادة أصحاب الرؤية والمتعاونين: أولئك الذين يدافعون عن التغيير وعن تمكين موظفيهم تماماً مثل ماكي، الرئيس التنفيذي لشركة هول فودز. في حين يميل الأشخاص في الثقافات المتشددة إلى العمل مع قادة يجسدون الاستقلالية والثقة القصوى، وعملية صنع القرار التراتبية من أعلى إلى أسفل. ويجسد أسلوب القيادة هذا الرئيس التنفيذي لشركة أمازون جيف بيزوس، المعروف عنه أنه يتوقع انضباطاً صارماً من قِبل العاملين لديه.

تعدّ الثقافة التي تعتمدها أمازون ثقافة متشددة تتميز بالهيكلية والدقة. وتجدر الإشارة إلى أن أمازون، التي لها جذور راسخة في الصناعة التحويلية، تعتمد عمليات محددة لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة، إذ يعمل موظفوها ضمن تسلسل هرمي ويدركون جيداً المبادئ التوجيهية التي تحكم سلوكهم. ووفقاً لمبادئ القيادة لدى أمازون، فإنّ لدى قادتها تعليمات "بتوظيف وتطوير الأفضل" و"الإصرار على تحقيق أعلى المعايير". هنا يخضع أداء الموظفين للقياس والمراجعة باستمرار – ويمكن للموظفين الإبلاغ عن بعضهم البعض إلى المراتب الأعلى بشكل سري من خلال خط هاتفي داخلي. حتى أن ضوابط السلوك أكثر تشدداً في مستودعات أمازون، حيث يتم الحفاظ على الدقة في مواعيد الإنتاج عبر تحديد الأهداف والمراقبة. تضمن هذه الثقافة المقيدة بتشريعات محددة أن يفهم جميع الموظفين أهداف الشركة وأن يعملوا باستمرار من أجل تحقيقها.

من جانبها، تعتمد هول فودز ثقافة أكثر مرونة، حيث أن المزيج الفريد من نوعه الذي تملكه بين المثالية، وهوامش الربح العالية، والنمو السريع الذي تحقق مع إدارة أول متجر كبير معتمد للمنتجات العضوية في الولايات المتحدة، وفر لمؤسسي الشركة مجالاً واسعاً لاعتماد أساليب مبتكرة وغير تقليدية في إدارة شركتهم. قبل الاندماج مع أمازون، كانت هيكلية الشركة تقوم على أساس المساواة وتنتظم على شكل فرق تدير نفسها بنفسها. منحت هذه الهيكلية الموظفين مساحة كبيرة لاتخاذ القرار، وكان التواصل المباشر بين العمال والبائعين والعملاء هو القاعدة، وكان بوسع المدراء إدارة متاجرهم باستقلالية وتوفير المنتجات وفق ما يفضله العملاء. كتب ماكي في تدوينة في 2010: "يجب أن يكون التمكين أكثر بكثير من مجرد شعار، ينبغي أن يكون ضمن الحمض النووي للشركة". إلا أن اللامركزية وغياب الهيكلية بهذا الشكل، ربما تكونا قد ساهمتا في نهاية المطاف في انعدام الكفاءة على مستوى الشركة، والذي أدى بالتالي إلى ارتفاع أسعار منتجاتها.

لفهم المزيد عن عمليات الاندماج التي تحصل بين الثقافات المتشددة والمتساهلة، جمعنا بيانات حول أكثر من 4,500 عملية اندماج دولية من 32 دولة مختلفة بين الأعوام 1989 و2013. أخذت الدراسة في الاعتبار عوامل مختلفة مثل حجم الصفقة، والمخاطرة المالية، وفئة النشاط التجاري، والمسافة الجغرافية، والتوافق الثقافي. ووجدنا أن عمليات الاندماج التي حدثت بين مؤسسات تتباين فيها الثقافات بين متساهلة ومتشددة حققت أداء أسوأ بشكل عام. وفي المتوسط​​، شهدت الشركات المستحوذة في عمليات الاندماج عندما كانت هناك فروق ثقافية بين التساهل أو التشدد بين الجانبين انخفاضاً في عائدات الأصول بمقدار 0,6 نقطة مئوية بعد ثلاث سنوات من الاندماج، أو 200 مليون دولار في صافي الدخل السنوي. أما تلك التي كان لديها اختلاف كبير وواضح في التوافق الثقافي مع الشركة التي استحوذت عليها، فانخفض صافي دخلها السنوي بأكثر من 600 مليون دولار.

لحسن الحظ، يمكن التعامل بنجاح مع الاحتكاكات التي تظهر في عمليات الدمج بين الثقافات المتشددة والرخوة عندما يتم تشخيصها مبكراً، حيث يتعين على الشركات القيام ببعض الأمور لزيادة فرص تحقيق الانسجام الثقافي فيما بينهما.

الاستعداد للتفاوض بشأن الثقافة. إضافة إلى التفاوض على الأسعار والشروط المالية الأخرى، تحتاج الشركات التي تتناقش بشأن الاندماج إلى التفاوض حول الثقافة. يجب أن يبدأ القادة بإجراء تقييم ثقافي لفهم كيف تتجلى الشدة والتساهل في سلوكيات الأشخاص وفي الممارسات والإدارة في كلا الشركتين. كما يجب أن يحددوا الإيجابيات والسلبيات لمستويات الصرامة والتساهل الحالية، وكذلك الفرص والتهديدات التي ستتأتى من الدمج بين الثقافتين. وكيف يمكن للتضحية ببعض التحكم الفردي بالقرار لصالح التراتبية الهيكلية، أو العكس، أن يفيد أو يلحق الضرر بكل من الشركتين. وعليهم قبل كل شيء، أن يحددوا مجالات التسوية: يجب على الشركات الأكثر صرامة أن تحدد المجالات التي يمكن أن تكون فيها أكثر تساهلاً، وعلى الشركات المتساهلة التفكير في كيفية تبني ببعض السمات الصارمة. نحن نسمي ذلك على التوالي "الصرامة المرنة" و"التساهل المنظم".

صياغة اتفاق مسبق. بعد أن يصبح لدى الشركات المقبلة على الاندماج فهماً أفضل لنقاط القوة والضعف في ثقافات شركاتها، يجب عليها تطوير خطة للتكامل الثقافي، توضح أي المجالات ستكون متساهلة وأيها ستكون صارمة. ويمكن ضمان النجاح على المدى الطويل من خلال مساهمة كلا الشركتين في المدخلات المتعلقة بالتغيرات التي ستطرأ على كل منهما، وصياغة عقد رسمي يوثق هذه التغييرات. عندما اشترت ديزني شركة بيكسار (Pixar) في عام 2006، وافق الرئيس التنفيذي لشركة ديزني روبرت إيغر على مجموعة من القواعد الأساسية لحماية ثقافة بيكسار الأكثر مرونة. فعلى سبيل المثال، لم يكن موظفو بيكسار ملزمين بتوقيع عقود عمل مع شركة ديزني، وكانوا أحراراً في اختيار ألقابهم على بطاقات العمل الخاصة بهم، وفي تزيين مكاتبهم ومقصوراتهم كما يشاؤون، والاستمرار في تنظيم مسابقتهم السنوية للطائرات الورقية.

احشد التأييد. يجب أن يتم إعلام الجميع في كلا الشركتين بخطة الدمج. ولن يكفي مجرد شرح التغييرات التي ستطرأ. يحتاج الناس إلى معرفة لماذا سيتم تنفيذ تلك التغييرات، حيث سيساعد التواصل بشكل علني والحصول على قبول تلك التغييرات على نطاق واسع في التقليل من التهديد الذي يشعر به الأشخاص إزاء الطرق الجديدة في العمل. فقد يشعر الأشخاص في المؤسسات ذات الثقافة الصارمة بأنهم يفقدون القدرة على التحكم، في حين قد يشعر من هم في المؤسسات ذات الثقافة المرنة بأن الأمر يهدد استقلاليتهم في العمل. ينبغي على القادة أن يتمكنوا من التعامل مع ثقافتين مختلفتين ببراعة، أي أن يظهروا أهمية أن تكون الشركة صارمة ومرنة في الوقت نفسه، وأن يعملوا على التعامل مع مخاوف الموظفين الكامنة من التغيير.

تقبل مفهوم التجربة والخطأ. وأخيراً، يجب على الشركات أن تكون مستعدة لإعادة النظر في استراتيجية الدمج الأصلية. ففي البدء، قد تبدو الخطة خالية من العيوب، إلا أنه لا بد من أن تنشأ بعض المشاكل. لقد كان لزيادة اتساق المعايير ومراقبة الموظفين التي اعتمدتها أمازون في شركة هول فودز نتائج إيجابية على الشركة؛ فقد انخفضت الأسعار بنسبة 40% على بعض الأصناف – ولكن الأمر كان شاقاً على ثقافة الشركة. ولدى أمازون الآن فرصة للتعلم من هذه النتائج وربما اعتماد  بعض العناصر الثقافية الأكثر مرونة التي يقدرها موظفو هول فودز؛ فيمكنها على سبيل المثال أن تحقق توازناً أفضل بين الوقت الذي يصرفه العاملون في جرد المخازن وتنظيم رفوف المتاجر، والوقت الذي يقضونه في التفاعل مع العملاء. وبالمثل، يمكن لشركة هول فودز أن تتخلى عن بعض ممارساتها التجارية غير المنظمة في أكثر من مجال. فعلى سبيل المثال، قد تستفيد هول فودز من خبرات أمازون في علوم البيانات واللوجستيات، في تكوين صورة أفضل عن العملاء وتزويدهم بخدمات مخصصة، ومتسقة مع أذواقهم.

إن التفاوض بشأن تطبيق الثقافات الصارمة والمرنة لدى الشركات يتطلب الكثير من الجهد، لكن الصبر والرغبة في التضحية يمكن أن يساعدا الشركات التي تخوض عملية الدمج في التغلب على التحديات الصعبة. هل ستُوفق الشراكة بين أمازون وهول فودز؟ لا زال من السابق لأوانه معرفة ذلك، ولكن سيساعدهم حتماً قضاء المزيد من الوقت في دمج ثقافتيهما.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!