كم مرة سمعت عن مدير أو مسؤول في شركة قرر أنه لا يجري مقابلات مع وسائل إعلام محلية أو ناطقة بالعربية؟

كم مرة سمعت أن الشركة الفلانية لا تفضل أن يظهر أفرادها في الإعلام حتى ولو كانوا من قيادات الشركة، وبدلاً من ذلك يفضلون أن يصدر التصريح باسم "الشركة" وليس باسم "المدير"؟

كم مرة فوجئت باختفاء المسؤولين والمتحدثين الرسميين لإحدى الشركات أو المؤسسات عن الإعلام في الوقت الذي يحتاجهم الجميع للتحدث حول أزمة معينة، أو منتج أثار ضجة؟

كم مسؤولاً رسمياً أو مسؤولاً في الشركات خضع فعلاً لدور تدريبية حول "متى وكيف يجب أن يظهر في وسائل الإعلام"؟

كم مرة سمعت أن شركات العلاقات العامة تقيس مدى نجاح الحملة الإعلامية والإعلانية بالأخبار التي تنشرها "كماً" وليس نوعاً؟

في حال كانت إجاباتك عن كل سؤال من الأسئلة السابقة، بـ "نعم، كثيراً!". فاعلم أنك قد اكتشفت مشهد الكارثة التي يعيشها قطاع العلاقات العامة والتواصل المؤسسي في منطقتنا. بل إنني أزيدك من الشعر أبياتاً حينما أخبرك أنك على وشك اكتشاف المزيد في السطور التالية.

إذا حاولت مبدئياً أن تكتشف السبب الذي جعل رئيساً لإحدى الشركات أو المؤسسات في منطقة الشرق الأوسط، يقرر عدم الظهور إلا في وسائل إعلام "عالمية" و"ناطقة بالإنجليزية"، فهنالك ثلاثة احتمالات لتحديد المسؤول عن هذا القرار الذي سأثبت لكم أنه خاطئ؛ فإما أن يكون المدير أو المسؤول نفسه، قرر بناء على رؤيته الخاصة وتقديره لذاته أن الظهور الإعلامي هو نوع من "البريستيج" الذي يحتاج منصة إعلامية أجنبية يمكن أن تعمل عملها في منح قوة أكثر للشخص الذي سيظهر، وتظهر أقواله على أنها أكثر موثوقية عبر مرورها بقناة أو منصة تسمى "عالمية". وإذا تساءلت "وماذا عن محتوى الرسالة؟" فإن الجواب لدى هذا الرئيس أو المدير هو أن الإعلام المحلي سيترجم لاحقاً ما نشر في وسيلة الإعلام العالمية ويعيد نشرها، وهكذا نكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد.

وقد تكون هذه المشورة جاءت لرئيس المؤسسة من مكتب الاتصال المؤسسي أو عبر ما يسمى "المستشار الإعلامي" في مؤسسته. ولكن من هو هذا الشخص الذي قرر ذلك في مكتب الاتصال المؤسسي؟ ومن هو ذلك المستشار الإعلامي؟ هل هو مختص بمعنى أنه "درس" هذا التخصص أكاديمياً، أو حتى خاض دورات تنفيذية تعليمية متخصصة؟ أو على الأقل قرأ لوحده كتباً متخصصة عن: علم نفس التأثير والتواصل، وعلم سيسولوجيا المجتمع والاتصال؟ والاتصال المؤسسي المعاصر في عالم وسائل التواصل الاجتماعي؟

وربما – وهو احتمال استبعده – أن تكون هذه الاستشارة "الخائبة" قد جاءت من وكالة العلاقات العامة التي تتعامل معها الشركة أو المؤسسة. لماذا استبعد ذلك؟ لأن ما تقوم به العديد من شركات العلاقات العامة الشهيرة في منطقتنا للأسف، لا يتعدى في كثير من الحالات دور الحمام الزاجل الذي يحضّر البيان الصحفي أو ما يسمى "بريس ريليس" بطريقة تقليدية مكررة، وإرساله لدائرة محددة من الإيميلات الجماعية والمؤسسات الإعلامية المحددة، وانتهى الأمر. لكن هل يتضمن دور وكالة العلاقات العامة عملياً في منطقتنا ما يخطر في بالك عندما تقول "أعطيت الخبز للخباز" بأن هذه الوكالة لديها مختصين في علم النفس الاتصالي للفرد والمجتمع وثقافته، ويعرفون التأثير السريع والبطيء، ويفهمون أهداف الشركة في نوع الولاء الذي تريد أن تحققه اجتماعياً أو نوع الرسالة التي تريد توجيهها لبعض المستثمرين أو روّراد الأعمال أو المساهمين، وتقرر بناء عليه أن تنصحك بنوع وسائل الإعلام التي يجب أن تظهر بها واللغات والدول والمواقيت، وتحضر لكل نوع من الوسائل والدول بيانات صحفية مختلفة أو مقابلات في موضوعات مختلفة، ثم تقيس بعد ذلك التأثير النوعي وليس الكمي فقط، بعد أسبوع وثلاثة أشهر وعام على صعيد التأثير الاجتماعي وصورة الشركة لدى المستثمرين أو عموم المجتمع في هذه الدولة والدول الأخرى المستهدفة في الحملة، كما تدرس انعكاسها على المبيعات.. إلخ. هل هذا ما يحصل؟

التواصل المتواصل

على الرغم من أن عصر "التواصل المتواصل" جعل العلاقة بين المنتج والمستهلك مباشرة، وألغى دور الوسيط التقليدي نظرياً والذي يمكن أن يكون وكالة للعلاقات العامة أو شركة للترويج، إلاّ أن بعض الشركات اختارت أن تعهد مهمة إدارة منصاتها للتواصل الاجتماعي إلى شركات متخصصة خارجية، تعتبر امتداداً لشركات العلاقات العامة وتسمى "شركات إدارة منصات التواصل الاجتماعي". وهكذا أصبح للكثير من الشركات وكيلان خارجيان يديران علاقتها بالجمهور والزبائن، أولها شركة العلاقات العامة، والثانية شركة إدارة منصات التواصل.

حسناً، من حيث المبدأ لا يعتبر إعطاء الخباز مهمة صناعة الخبز أمراً خاطئاً، بل هو أمر صحيح، ولاسيما حينما تتعقد أعمال الشركات وتتسع، وتتحول عملية إدارة علاقاتها العامة الإعلامية أو المتخصصة بالتواصل والسمعة أمراً يحتاج للمختصين الذين يفترض أنهم درسوا وتخصصوا في علم التواصل والاتصال والتأثير.

ومع تعدد منصات التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية والتقنيات الحديثة، فقد باتت عملية إدارة المؤسسة لعلاقاتها العامة وحساباتها على منصات التواصل الاجتماعي وبرامجها الإعلانية أمراً معقداً يحتاج "للمختصين"، وهو ما أدى إلى ظهور شركات العلاقات العامة وشركات إدارة التواصل الاجتماعي ووكالات الإعلانات، كما ظهرت شركات تجمع كل ما سبق في شركة واحدة.

والسؤال هو: لماذا لا ينعكس تولي شركات العلاقات العامة والتواصل المؤسسي المختصة إيجابياً على مشهد التواصل المؤسسي الحالي، والذي يشهد حالة من الفوضى وانحدار المهنية؟.

سأستعرض فيما يلي عدداً من النقاط التي تعتبر من مظاهر الانحراف في عمل شركات العلاقات العامة:

1- سوء فهم معادلة التأثير: 

فهم معادلة التأثير في الاتصال والتواصل هي قضية تناولها العلماء والباحثون قديماً وحديثاً، وهي تخضع للتطوير بشكل مستمر استناداً إلى نظريات علم النفس السلوكي، فمرة أنت بحاجة لتطبيق نظرية "البرهان الاجتماعي" (Social Poof) ومرة أنت بحاجة لتطبيق مبادىء علم النفس السلوكي، ومرة بحاجة لدراسة علم نفس الجمهور لتتعرف أكثر فأكثر على جمهورك وزبائنك، آخذاً بعين الاعتبار أن المعرفة العميقة لجمهورك وكيفية مخاطبته هي النقطة الفارقة التي يمكن أن تحدد مصير شركتك أمام الشركات العالمية المنافسة، ويمكنك الاطلاع على مقال هارفارد بزنس ريفيو "يمكن للمنصات المحلية أن تتغلب على المنصات العالمية الكبرى في بعض الحالات" لتكتشف أن تلك الحالات، هي التي تستطيع فيها مخاطبة جمهورك وزبائنك في بلدك والبلدان التي تعمل بها بلغتهم وثقافتهم، وتشرح لهم كيف أنك تقدم خدمة تتفهم ظروفهم أكثر من الشركات العالمية الكبرى، عندها ربما تكتشف أن ما تحتاجه شركتك هو الترويج الاتصالي للتوعية حول شركتك ضمن المجتمع المحلي.

وأذكر في هذا المجال أننا في هارفارد بزنس ريفيو العربية، طرحنا على أحد رؤساء الشركات الناشئة الكبرى في المنطقة أن يتحدث لقراء المنطقة العربية، فلم نجد اهتماماً من شركة العلاقات العامة ومكتب التواصل في الشركة بالتحدث لوسيلة إعلام ناطقة بالعربية، بينما كانت الشركة قد تأسست في دبي، وهي تسعى لكسب الجمهور العربي إلى صفها وخلق الولاء العميق لعلامتها التجارية، لتكتسب قيمة تنافسية مضافة أمام الشركة العالمية التي تنافسها في المجال نفسه. ثم حدث وتجاوزنا شركة العلاقات العامة ومكتب التواصل المؤسسي للشركة، وتحدثنا مباشرة إلى رئيس الشركة حول ضرورة ظهوره في وسائل إعلام محلية عربية ليتحدث للجمهور العربي. وعلى الرغم من أن الرجل ليس عربياً ولا يتحدث العربية، لكنه وافق على استحياء. ثم جرت المقابلة التي تحدث فيها رئيس الشركة عبر مقال كتبه في هارفارد بزنس ريفيو العربية عن تفاصيل تهم القارئ العربي؛ تفاصيل لا يمكن أن يكون مفيداً نشرها في وسيلة إعلام أميركية أو أوروبية أو حتى وسيلة إعلام في المنطقة العربية لكنها بلغة أخرى غير العربية. وأذكر أنني بعد نشر ذلك المقال في هارفارد بزنس ريفيو العربية، كنت أمام سيل لا ينقطع من الامتنان المتكرر الذي أبداه رئيس تلك الشركة، فلم أره بعدها في أي مناسبة أو مؤتمر إلا وذكر لي كيف تصله ردود الفعل الإيجابية حول أهمية مثل هذا المقال وتأثيره العميق.

2- الكم ليس مقياساً: 

ما زال المقياس الكمي هو الأساس وربما المقياس الوحيد الذي تعتمده شركات العلاقات العامة ومكاتب التواصل المؤسسي لقياس حجم التغطية والتأثير لحملة إعلامية أو إعلانية، وهذا ما تجده في طلبات المؤسسات من شركات العلاقات العامة: "نريد 20 خبراً صحفياً منشوراً خلال يوم واحد"، وبنهاية الحملة أو المؤتمر، "يجب أن يكون لدينا 100 خبر منشور عن الموضوع". ثم تقدم شركة العلاقات العامة تقريرها في نهاية الحدث "100 خبر، 10 آلاف زيارة وكذا لايك وإمبرشن". بعض شركات العلاقات العامة تعلم أن هذه الأرقام سخيفة ولا تعني شيئاً عملياً، لكن جوابهم "هذا ما يريده الزبون". حسناً، ومن هو هذا الزبون؟ ستكتشف بعد التحقق وتتبع المتسبب بهذه الخرافة، أنه موظف في قسم الاتصال أو مستشار إعلامي أخذ هذه الفكرة ربما من شركة علاقات عامة أخرى حاولت أن تُدهشه بالأرقام، فأعمت بصيرته أو بصيرتها عن قياس فعالية الحملات والتأثير.

اليوم وصلت تقنيات الذكاء الاصطناعي مع بعض الشركات التي بدأت تتولى إدارة وسائل التواصل الاجتماعي، إلى إمكانية تتبع عدد الإعجابات والزيارات والانطباعات ونوعية الجمهور الذي تابع هذا الخبر أو الإعلان واهتماماته، وأتاح لك فرصة استهداف الزبون المحتمل وتصميم الرسالة بما يناسبه ويتفاعل معه. ثم ماذا؟ بعض الشركات استطاعت أيضاً عبر أدوات ذكية الوصول لمرحلة قياس حجم المبيعات الناتج عن هذا الإعلان أو حتى هذا الخبر خلال فترات قصيرة قريبة من فترة نشر الخبر أو التقرير، لكن الأمر المهم والذي ما زال منسياً هو أن الشركات ووكالات العلاقات العامة ما زالت تتعامل مع قضية الظهور الإعلامي والترويج المحترف بعقلية "بائع الرصيف" الذي قد يهتم بمردود اليوم في هذه الزاوية من الشارع فقط، لأنه سينتقل غداً إلى بقعة أخرى. وقد أدت هذه العقلية لعدم تحضير الظهور الإعلامي للتأثير الطويل والبطيء والذي قد يؤدي تأثيره المتدرج إلى ترسيخ أقدام الشركة ومنتجاتها والولاء لها داخل المجتمع، بطريقة لا يمكن قياسها بعد أسبوع أو أسبوعين بل خلال عام أو أكثر ربما.

3- عدم الانخداع بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي:

استحوذت حالة الذهول من قوة وسائل التواصل الاجتماعي على الكثيرين بشكل أعمى بصائرهم، فقد أُخذوا بقدرتها على خلق "الإدمان" وتغيير الدماغ والسلوك البشري فيما يتعلق بالتواصل، لدرجة خُيّل إلى كثير من الناس أن "الإعجابات والمشاركات والانطباعات" في وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن تترجم بوضوح إلى "دولارات" أي إلى قرارات شراء. ويؤسفني أن أخبركم أن كل هذه الأفكار غير صحيحة. ففي دراسة أجراها مجموعة من الباحثين في كلية هارفارد للأعمال نشرت عام 2017، وشملت 18 ألف شخص لدراسة تأثير "زر الإعجاب" في فيسبوك على السلوك الشرائي للمستهلك، بينت ما يلي: "كانت النتائج واضحة جلية؛ لا تعمل منصات التواصل الاجتماعي على النحو الذي يظنه كثير من المسوقين. إن مجرد التعبير عن تأييد علامة تجارية لا يؤثر في سلوك المستهلك أو يزيد المشتريات، كما أنه لا يحث أصدقاءه على الشراء"، وقد تم تكرار التجربة 23 مرة وعلى مدى أربع سنوات فكانت النتيجة ذاتها.

ولكن بماذا أخطأت الشركات التي أنفقت ملايين الدولارات لتحقيق المبيعات والولاء لعلامتها التجارية عبر "لايكات" ومتابعات فيسبوك؟ ومن الذي قدم تلك المشورة التي دفعت الشركات لضخ الإعلانات الفيسبوكية؟ من قدم تلك المشورة هم في الغالب إما شركات التواصل والعلاقات العامة أو الموظفون الذين يسمون "قسم الاتصال المؤسسي" في الشركات، والذين يجلسون على أرائكهم يتصفحون الهواتف الذكية بإدمان دون قراءة أي محتوى قيم، وليس لديهم الوقت ولا الجلد للاطلاع على دراسة هارفارد هذه.

ماذا كان الخطأ الذي ارتكبوه والذي ما زالت شركات كبرى ترتكبه كل يوم؟ بينت دراسة هارفارد وتجاربها في هذا البحث على مدى أربع سنوات، أن ما أسمته الدراسة بـ "عبارات التأييد" والتي تتضمنها غالبية الحملات الإعلانية والإعلامية، لن تجدي نفعاً في تحقيق سلوك شرائي فعلي. لأن ما كان تفتقده تلك الحملات هو ما أسمته الدراسة "محتوى مميّز للعلامة التجارية" والذي وصفته بأنه "يمكن أن يحقق نتائج عظيمة". وبالطبع، فإن ما يسمى "التنافر المعرفي" لدى العاملين في شركات التواصل والعلاقات العامة سيجعلهم يعتقدون أنهم يقدمون "محتوى مميزاً"، لكنني أشك في ذلك لدى الكثيرين والذين اعتادوا ثقافة المحتوى السطحي السريع المحضر عبر نماذج مسبقة "Template".

4- دوامة المحتوى السطحي:

من الأخطاء الشائعة في عالم وكالات العلاقات العامة ومكاتب الاتصال والتواصل، أنها اعتادت على تحضير الرسائل من طرف واحد ووفقاً لنموذج محدد، فالموظف المختص بمتابعة أعمال هذه الشركة والذي يسمى "مدير الحساب"، يعتقد أنه أصبح خبيراً بالعلامة التجارية وكيفية تصميم رسالتها الإعلامية لكل وسيلة إعلامية ومنصة، لكن الذي يحدث في حالات كثيرة، أن مدير الحساب قد لا يكون خبيراً بأفضل الرسائل التي يمكن أن توجهها وسيلة إعلامية اقتصادية أو اجتماعية أو رياضية يمكن أن تكون مناسبة لتوصيل هذه الرسالة الخاصة بالشركة، وقد لا يكون مدير الحساب فاهماً للطريقة الأفضل التي يجب أن تظهر بها شخصية رئيس الشركة التي يمثلها. ما يفهمه هو شكلان تقليديان من التغطية الصحفية "خبر جاهز يعده مدير الحساب هذا، ويجب أن يناسب جميع وسائل الإعلام" كيف لا أعرف! والشكل الآخر هو "مقابلة جاهزة يكتبها أيضاً مسؤول العلاقات العامة أو مدير الحساب بالنيابة عن رئيس الشركة"، ولكم أن تتخيلوا سطحية المقابلة عندما يكتب إجاباتها موظف في شركة العلاقات العامة بدلاً من رئيس شركة، تخيلوا أن مثل هذه الشركات لا تخجل أن تجعل مسؤول العلاقات العامة يجيب عن أسئلة بدلاً من رئيس شركة متخصصة في موضوع معقد. ولكن ماذا عن الأسئلة العميقة والتي يريد الصحفي الإجابات عنها؟ بكل بساطة، لدى موظف العلاقات العامة "كتاب مرجعي" فيه نوع من الأسئلة المتكررة يجيب عنها بذات الطريقة كل مرة، وفي حال سألته سؤالاً متخصصاً وعميقاً، فإنه سيطلب منك حذف هذا السؤال، ببساطة لأنه لا يفهمه ولا يريد أن يحيد عن الطريقة التقليدية في الإجابة. أي عمق وأي احترام للجمهور يمكن أن يتحقق جراء هذا الظهور الإعلامي الذي يستخف بمن يقرأه. لا شك أن الأفضل في مثل هذه الحالات هو عدم الظهور الإعلامي بدلاً من هذا الظهور السخيف.

طبعاً، تعلمت بعد جهد جهيد بعض وكالات العلاقات العامة أن ثمة أنواعاً إعلامية أخرى، مثل أن يكتب رئيس الشركة أو مديرها مقالاً للرأي بدل المقابلة أو الخبر الصحفي، ولكن هل يتركه مسؤول العلاقات العامة يعبر عن رأيه؟ لا طبعاً! يأتيك المقال بسطحية لا تقل عن إجابات الرئيس التي كتبها هذا الموظف، وليست فقط هذه هي الكارثة، بل إنك إن قررت مراجعته أو مراجعتها بإضافة تعديلات أو تطوير المحتوى فقد أربكت حياته، لأنه معتاد على طريقة التواصل ذات الاتجاه الواحد، وليس مستعداً للعودة إلى المقال أو المقابلة والعمل عليها بعمق، والأخذ والرد الذي يتطلبه العمل الصحفي المحترف.

طبعاً، أكاد أسمع أصوات من يعملون في هذا المجال يقولون أن هذه الدوامة ليست صنيعتهم، بل هي بسبب طلب "الزبون" وأنهم ليسوا إلاّ جزءاً من سلسلة تطلب الكم والسرعة، ولا تعير اهتماماً للنوعية أو لقياس التأثير العميق للرسالة الإعلامية.

5- سوء الفهم لدور الصحفيين: 

تحتاج مكاتب الاتصال وشركات العلاقات العامة إلى فهم أعمق لدور الصحفيين، بدءاً بتقدير تخصصاتهم وتأثيرهم ومصداقيتهم، وصولاً إلى تقدير وقتهم، وبالتالي التواصل المركز مع عدد محدد من الصحفيين الذين يمكن أن يكونوا خير حامل لهذه الرسالة التي تود الشركة أو المنتج إيصالها. بالطبع، فإن الكثيرين من العاملين في حقل العلاقات العامة سيقولون إنهم يقومون بهذا العمل، فهم يختارون الصحفيين المناسبين للموضوع والرسالة والمؤثرين والموثوقين في قطاعهم، لكن هذه الاختيارات صحيحة؟ ما يحدث عملياً هو أن شركة العلاقات العامة تبني شبكة من العلاقات مع بعض الصحفيين، ربما تكون مناسبة لتغطية جميع الموضوعات، ويعتبر الأساس في بناء هذه الشبكة هو مدى سهولة التعامل مع هذا الصحفي وقبوله المحتوى الذي تقدمه وكالة العلاقات العامة دون كثير من النقاش ووجع الرأس، بينما الصحفي الحقيقي الذي يثق الناس بكتاباته ورأيه فغالباً ما يكون صعب المراس ولا يقبل إلا المحتوى الأصيل ولذلك فهو ليس مفضلاً لدى شركات العلاقات العامة والاتصال، بينما تتبع الشركات الكبرى الناجحة منهاج "التركيز" والتعامل مع الصحفيين الحقيقيين المؤثرين بحسب المدير السابق للاتصال في شركة آبل في مقال نشره في هارفارد بزنس ريفيو.

ما يحدث عملياً هو أن شركات العلاقات العامة والاتصال في الشركات في المنطقة، تعمل بطريقة المكنة التي لا تفكر، وهذا ما سيجعل هذا القطاع برأيي عرضة سهلة للزعزعة مع حلول الذكاء الاصطناعي، فالمكنات البشرية التي تعمل اليوم في هذا القطاع تكاد لا تفكر، فهي تؤرشف قوائم ضخمة من عناوين البريد الإلكتروني لمن يعتقدون أنهم يعملون في القطاع الإعلامي، ولا تخضع للتحديث ربما إلا بعد فترات طويلة، وهذا ما يجعل بعض الإيميلات تذهب لأشخاص غادروا أعمالهم منذ سنوات أو غادروا الحياة ربما. حيث تستهدف هذه الرسائل الإلكترونية الجميع برسائل واحدة محددة تركز على الحدث من وجهة نظر واحدة.

6- الخلط بين هدف المبيعات والهدف الاتصالي للمؤسسة:

تحول الهوس بالأرقام والفهم الخاطىء لمفهوم الربح إلى النظر إلى كل جهد في المؤسسة على أنه يجب أن يتحول مباشرة إلى دولارات، فاختفت غاية المؤسسة أو الشركة وأهدافها تحت أنقاض الأهداف الربحية المباشرة، بينما يتوجه الباحثون اليوم للتذكير بأن الهوس بالأرقام هو هدف مدمر للشركات والدول، فبدأت بعض الحكومات تنتبه لذلك، وباتت تكتشف مقاييس جديدة للنمو بما ينعكس على رفاه الشعوب بدلاً من مطاردة الأرقام العالية، وباتت كذلك بعض الشركات تقيس النمو والنجاح بمدى الدور الاجتماعي والتنموي الذي تؤديه والذي سينعكس في النهاية إلى "دولارات" لكن بطريقة أكثر إنسانية. وبسبب هذا الهوس بالربح المباشر والذي عززه ما يسمى "اقتصاد جذب الانتباه" على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اتجهت المنافسة بين المعلنين والمروجين لأفكارهم ومنتجاتهم للتنافس على حصة من "انتباه" المستخدمين سريعي الملل. وقد ظهر اعتقاد خاطيء لدى القائمين على والاتصال المؤسسي بأن علينا استغلال فرصتنا المحدودة حين نحظى بثوان من اهتمام المستخدم بأن نجعلها لهدف إعلاني ترويجي مباشر "عرض مبيعات"، دون أن نضيع تلك الفرصة في توجيه رسائل ذات أهداف توعوية حول أهمية الشركة ورسالتها ودورها في المجتمع.

لماذا تعتبر هذه الطريقة خاطئة بحسب البحث العلمي؟ لكي نبدأ الجواب علينا أن نعلم أولاً أنه وبحسب البحث العلمي المنشور في مقال "مخاطر التفكير التصنيفي" في هارفارد بزنس ريفيو: "وجد الباحثون أن الإعلانات الرقمية على الإنترنت لا تؤدي إلى زيادة احتمال الشراء إلا بجزء صغير من واحد في المائة. فإذا ما كان احتمال أن يشتري أحدهم منتجك دون رؤية إعلان هو 0.10%، فإن الاطلاع على الإعلان قد يرفع الاحتمال إلى 0.13%. قد يكون الأثر الإيجابي للإعلان أعلى بقليل بالنسبة للزبائن المستهدفين، لكنه في العديد من الحالات لن يعوّض التكلفة الإضافية لكل نقرة. لكن المسوقين يُصابون بالهوس تجاه زبائنهم المستهدفين".

والسبب الآخر هو ما بدأنا به ونختم به، وهو أن رسالة الاتصال المؤسسي الأهم في ترسيخ قيمة الشركة في المجتمع، عبر شرح ما تقدمه من فرص عمل أو عبر تقديم للمنتج بطريقة أخفض سعراً أو أفضل جودة بشكل علمي وعملي، أو عبر دورها في تقديم مبادرات المسؤولية الاجتماعية، أو عبر التحديات التي عانتها الشركة في سبيل البقاء عاملة في هذا السوق المحلي أو ذاك. كل ذلك لن ينتج "دولارات" بنقرة واحدة، لكنه هو أحد أقوى عوامل رسوخ العلامة التجارية للشركة واحتضان المجتمع المحيط لها والذي سينتج في النهاية تلك الدولارات المنشودة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!