إحدى أفضل قصص الابتكار التي سمعتها رواها لي أحد كبار المدراء التنفيذيين في شركة رائدة في مجال التكنولوجيا. فازت شركته على ما يبدو بعقد قيمته مليون دولار لتصميم جهاز استشعار يمكنه رصد الملوثات بتركيزات متدنية للغاية تحت الماء. كانت مشكلة غاية في التعقيد على نحو غير مألوف، لذا شكلت الشركة فريقاً من مصممي الرقائق الصغرى، وبدؤوا في تبادل الأفكار.

بعد حوالي 45 دقيقة من أول جلسة عمل، دخل عالم الأحياء البحرية العضو في الفريق يحمل كيساً من المحار (بلح البحر)، حيث وضعه على الطاولة. ورداً على النظرات المتسائلة لمصممي الرقائق، أوضح أن المحار يمكنه اكتشاف الملوثات في أجزاء قليلة فقط في المليون، وعندما يحدث ذلك، فإنه يفتح أصدافه.

وكما اتضح فيما بعد، لم تكن هناك الحاجة في الحقيقة إلى شريحة متطورة للكشف عن الملوثات وإنما مجرد شريحة بسيطة يمكنها تنبيه النظام إلى فتح المحار أصدافه. قال لي المسؤول التنفيذي: "لقد وفروا على الشركة 999 ألف دولار وتناولوا المحار على العشاء".

هذه هي في الجوهر قيمة الابتكار المفتوح. عندما تواجه مشكلة صعبة، غالباً ما يساعد في حلها توسيع مجالات المهارات المشاركة في الحل وعدم الاكتفاء بمتخصصين في حقل واحد. يعتقد الكثيرون أن هذا النوع من التوليفات غير المحتملة هو المفتاح لتحقيق الاختراقات. في الواقع، وجدت دراسة حللت 17,9 مليون ورقة علمية أن الأعمال البحثية الحاصلة على أعلى قدر من الاستشهادات تميل إلى أن يكون معظمها راسخاً في حقل تقليدي، مع بعض البصيرة من مجال غير تقليدي.

ولكن ماذا لو كانت المهمة هي ببساطة تركيب رقاقة أكثر كفاءة بنسبة 30%؟ في تلك الحالة، لن يقوم عالم الأحياء البحرية عندما يضع المحار على الطاولة سوى بإلهاء الباقين عن العمل. أو، ماذا لو كانت الشركة بحاجة لتحديد نموذج أعمال جديد؟ أو ماذا لو، كما هو الحال اليوم، تقترب تقنية الرقائق الحالية من حدودها النظرية، وهناك حاجة إلى تصور هندسة جديدة تماماً؟

خلال بحثي لدى تأليف كتابي، "رسم خارطة الابتكار" (Mapping Innovation)، وجدت أن كل استراتيجية ابتكار تفشل في نهاية المطاف لأن الابتكار في جوهره يتعلق بحل المشكلات، وعدد طرق الابتكار يوازي عدد أنواع المشكلات التي تحتاج لحلول. لا يوجد طريق "حقيقي" واحد يقود إلى الابتكار.

ومع ذلك، غالباً ما تتصرف الشركات كما لو كان هذا الطريق موجوداً بالفعل فتتقيد بنوع واحد من الاستراتيجية وتقول: "هذه هي الطريقة التي نبتكر بها". ينجح الأمر لفترة من الوقت ثم يصل بهم إلى طريق مسدود ويجدون أنفسهم محبوسين في مجموعة من الحلول التي لا تناسب المشاكل التي يحتاجون إلى حلها، فتتحول إلى شركات غير قادرة على مواكبة التطورات المحيطة بها وتفقد أهميتها.

نحتاج إلى البدء في التعامل مع الابتكار مثلما نتعامل مع التخصصات الأخرى في عالم الأعمال، أي بصفته مجموعة من الأدوات المصممة لتحقيق أهداف محددة. تماماً كما لا نعتمد على أسلوب تسويقي واحد أو مصدر تمويل واحد طوال حياة المؤسسة، نحتاج إلى إنشاء مجموعة من استراتيجيات الابتكار المصممة لمهام محددة.
من هذا المنطلق، صممت "مصفوفة الابتكار" لمساعدة القادة على تحديد النوع الصائب من الاستراتيجية لحل مشكلة ما، وذلك بطرح سؤالين: بأي قدر من الدقة يمكننا تحديد المشكلة؟ وبأي قدر من الدقة يمكننا تحديد مجال (مجالات) المهارات اللازمة لحلها؟

ابتكار مستدام. تحدث معظم الابتكارات هنا لأننا نسعى في معظم الأوقات إلى تحسين ما نفعله في الأصل. نريد تحسين القدرات الموجودة في الأسواق الحالية ولدينا فكرة واضحة تماماً عن المشكلات التي يجب حلها ومجالات المهارات المطلوبة لحلها.

بالنسبة لهذه الأنواع من المشكلات، تكون الاستراتيجيات التقليدية مثل خرائط الطرق الاستراتيجية ومختبرات البحث والتطوير التقليدية واستخدام عمليات الاستحواذ لجلب موارد ومجموعات مهارات جديدة إلى المؤسسة فعالة في العادة. يمكن لطرق التفكير التصميمي، مثل تلك التي روج لها ديفيد كيلي، مؤسس شركة التصميم إيديو (IDEO) وكلية دي سكول في جامعة ستانفورد أن تكون مفيدة للغاية إذا فُهمت جيداً كل من المشكلة والمهارات اللازمة لحلها.

ابتكار مذهل. في بعض الأحيان، كما كان الحال مع مثال رصد الملوثات تحت الماء، نواجه مشكلة محددة تماماً لكن حلها يبدو مستعصياً. في مثل هذه الحالات، نحتاج إلى استكشاف مجالات المهارات غير التقليدية، مثل إضافة عالم أحياء بحري إلى فريق مصممي الرقائق الصغرى. يمكن أن تكون استراتيجيات الابتكار المفتوح فعالة للغاية في هذا الصدد لأنها تساعد في عرض المشكلة على مجالات مهارات متنوعة.

كما أوضح توماس كون في كتابه "هيكل الثورات العلمية" (The Structure of Scientific Revolutions)، نتقدم في مجالات محددة من خلال إنشاء نماذج قد تجعل أحياناً من الصعب للغاية حل مشكلة داخل المجال الذي نشأت فيه، ولكن قد تُحل المشكلة بسهولة إلى حد ما داخل نموذج مجال محاذ.

ابتكار مزعزع. عندما طرح أستاذ كلية هارفارد لإدارة الأعمال كلايتون كريستنسن مفهوم الابتكار المزعزع في كتابه "معضلة المبتكر" (The Innovator’s Dilemma)، كان ذلك يشبه اكتشافاً ملهماً. في دراسته عن سبب فشل الشركات الجيدة، وجد أن ما يُعتبر عادة من أفضل الممارسات، مثل الاستماع إلى العملاء والاستثمار في التحسين المستمر والتركيز على النتيجة النهائية، يمكن أن يكون قاتلاً في بعض الحالات.

باختصار، ما اكتشفه هو أنه عندما يتغير أساس المنافسة بسبب التحولات التكنولوجية أو التغيرات الأخرى الطارئة على السوق، قد تجد الشركات نفسها تسجل تحسناً مضطرداً في أمور يقل احتياج الناس لها. عندما يحدث ذلك، لن يساعد ابتكار منتجاتك، عليك أن تكون مبتكراً في نموذج عملك.

في الآونة الأخيرة، طور ستيف بلانك أساليب بدء التشغيل الرشيقة وأنشأ أليكس أوستروالدر أدوات مثل مخططات نموذج الأعمال ومخططات عروض القيمة. هذه كلها عناصر أساسية لأي شخص يجد نفسه في الموقف الذي وصفه كريستنسن ولقد ثبت أنها فعالة في مجموعة متنوعة من السياقات.

أبحاث أساسية. الابتكارات الرائدة لا تصل جاهزة على الإطلاق، وإنما تبدأ دائماً مع اكتشاف ظاهرة جديدة. ما كان يمكن لأي كان أن يتخيل كيف ستؤثر اكتشافات أينشتاين على العالم، أو أن كمبيوتر آلان تورينغ العالمي سيصبح يوماً ما شيئاً حقيقياً. وكما قال عالم الفيزياء الفلكية نيل ديغراس تايسون لدى سؤاله عن تأثير الاكتشاف الكبير، "لا أعرف، لكن الأرجح أن نغرمه". ومن وجهة نظره، تلعب اكتشافات أينشتاين اليوم أدواراً أساسية في مجالات تكنولوجية عدة تتراوح من الطاقة النووية وتقنيات الكمبيوتر وأقمار نظام التموضع العالمي (GPS).

تمتلك بعض مجموعات الأعمال الكبيرة مثل آي بي إم وبروكتر وغامبل الموارد اللازمة للاستثمار في المختبرات لإجراء البحوث الأساسية. وتشجع أخرى مثل إكسبيريانز داتا لابس (Experian’s DataLabs) الباحثين والمهندسين على المشاركة في المؤتمرات وعقد ندوات داخلية حول ما يتعلمونه. تدعو جوجل حوالي 30 من كبار الباحثين إلى قضاء سنة تفرغ في الشركة وتمول 250 مشروعاً أكاديمياً سنوياً.

مع ذلك، فإن السؤال الذي لم يجد إجابة بعد هو كيفية تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم من الوصول إلى الأبحاث ذات المستوى العالمي. تمول الحكومة الفيدرالية الأميركية مجموعة متنوعة من البرامج، مثل شراكة هولنغس لتمديد التصنيع (Hollings Manufacturing Extension Partnership)، وهي سلسلة من مراكز التصنيع للمساعدة في تطوير التكنولوجيا المتقدمة، وأرغون ديزاين ووركس (Argonne Design Works). يمكن للجامعات المحلية الغنية بالمواهب العلمية أن تمثل مورداً قيماً.

اتخاذ خطوات للمشاركة في هذه الأنواع من البرامج يمكن أن يساعد الشركات الصغيرة على المنافسة في الأسواق التنافسية. على سبيل المثال، أخبرني مايك ويكسوم من نافيتاس (Navitas)، وهي شركة بطاريات عمرها أربع سنوات انضمت إلى المركز المشترك لأبحاث تخزين الطاقة (JCESR) كشركة منتسبة: "نحن نكافح كشركة صغيرة من أجل البقاء كل يوم. كوننا شركة منتسبة للمركز المشترك لأبحاث تخزين الطاقة يتيح لنا الاطلاع مبكراً على التكنولوجيا، ويتعين علينا إبداء ملاحظات حول أنواع المشكلات التي يحتمل أن تنشأ عن أي كيمياء معينة".

لذلك، من الواضح أن القدرة على التواصل مع العلماء الذين يعملون على أحدث التكنولوجيا يمكن أن تساعد في وضع خطة عمل للمستقبل، تماما كما يمكن للنهج الأخرى، مثل التفكير التصميمي والابتكار المفتوح وابتكار نماذج الأعمال وغيرها، أن تساعد في دفع العمل التجاري قدماً إذا طُبقت في السياق الصحيح. ولكن لا يوجد حل واحد يناسب جميع المشاكل.

إذا كانت استراتيجية الابتكار لديكم في حالة تخبط أو تعاني من الفشل، فكروا فيما إذا كان ذلك بسبب تقييد أنفسكم واتباعكم منهجاً وحيداً. هناك دائما مشاكل جديدة بحاجة لحلول؛ لذلك تعلموا كيفية تطبيق الحل الذي يناسب مشكلتكم الحالية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!