أسافر كثيراً من أجل العمل، وأرتاب من الرحلات الجوية التي تنطوي على أكثر من محطة عبور مثل الكثير من كثيري السفر. ولكن ذلك يختلف عندما تكون محطة العبور في دنفر أو تشارلوت، حيث يرسم احتمال الانتظار لساعة ابتسامة على وجهي ويسرّع من خطاي. لماذا هذه البهجة؟ لأنّني أعرف أنّني سأكون قادراً على قضاء بعض الوقت مع رجال ونساء "إكزاكيتيف شاين" (Executive Shine)، إحدى أكثر الشركات المفعمة بالعاطفة التي أعرفها.

احصل على الدليل الشامل للمبيعات من هارفارد بزنس ريفيو لتنهي صفقاتك بشكل رابح في كل مرة

من اسمها، يمكنك بسهولة تخمين نوع العمل الذي تضطلع به هذه الشركة: إنها توفر خدمة تلميع الأحذية للمسافرين الذين يسيرون على عجل في أروقة المطار وبين بواباته، ولكنك ستتفاجأ بالطريقة التي تعتمدها لإنجاز أعمالها. خلال رحلتي الأخيرة إلى دنفر، أدهشتني اللافتات المعلقة لدرجة أنني نشرت صوراً لها على وسائل التواصل الاجتماعي. تقول إحداها "كن ممتنّاً"، وتقول أخرى "افعلها بشغف"، فيما تخبرك ثالثة بأن "الحب يعيش هنا". عملية تلميع الحذاء المكونة من 12 خطوة عملية معقدة وسريعة وتنتهي بنتيجة رائعة: موقد صغير يسخن جلد الحذاء حتى يذوب الطلاء عليه. حتى أن العاملين في تلميع الأحذية تجد لديهم دائماً سؤالاً يسألونك إياه أو قصة طريفة يروونها لك، ما يجعل عملية التفاعل بينك وبينهم تجربة لا تُنسى. والأهم من ذلك كله أن السعر يكون "حسبما تراه مناسباً"، ما يعني أنني دائماً ما أشعر بالسعادة لدفع المزيد من المال لشركة "إكزاكيتيف شاين" أكثر مما كانت لتحلم به.

اعتقدت لسنوات بأن هذه الخدمة هي سرّي الصغير الذي أحتفظ به لنفسي، إحدى الامتيازات الغريبة على اعتباري كثير الأسفار والذي يشبه تفضيل إحدى استراحات المطار أو معرفة المخرج الأسرع في محطة مزدحمة. ولكن اتّضح فيما بعد أن الشركة أصبحت رمزاً للمسافرين من أجل العمل ومصدراً لإعجاب الكثير من المفكرين في مجال الأعمال. كتب أحد الاستشاريين موضوعاً حول ما تعلمه من "إكزاكيتيف شاين"، ونشرت صحيفة "ذا تشارلوت أوبزيرفر" (The Charlotte Observer) مقالة روت فيها عدة قصص عن المعجبين بالشركة. في إحدى المرات، أحضر أحد العملاء المحبين لهذه الخدمة حقيبة إضافية تختزن 49 زوجاً من الأحذية في رحلة إلى تشارلوت، حيث سلّمها إلى الشركة لكي تلمعها بينما ينجز أعماله خلال اليوم. أعجب رود روس، وهو من قدامى موظفي شركة "مايكروسوفت" لحوالي 18 عاماً، بتجربته مع المهاجر الأثيوبي غيتنت مارشا الذي يدير ثلاثة أكشاك لشركة "إكزاكيتيف شاين" في مطار تشارلوت، فدعاه للقاء مع الفريق القيادي لخدمات تكنولوجيا المعلومات. أثّر مارشا في المجتمعين إلى حد أدمع فيه أعينهم. وكما كان متوقعاً، عندما سأل روس مارشا عن الأجر الذي يطلبه مقابل الحديث، أجاب الأخير: "حسبما تراه مناسباً"، وطلب أن تحرر "مايكروسوفت" الشيك باسم الكنيسة الكائنة في محل إقامته. وفي مقالة صحيفة "ذا تشارلوت أوبزيرفر"، شرح مارشا بأنّ "الحب والرأفة هما الأساس فيما نفعله، ونحن نفعل ذلك من القلب. لا يأتي الناس إلينا لمجرد تلميع أحذيتهم، بل أيضاً لكي يتحدثوا معنا".

ربما حان الوقت لكي نفكر جميعاً في حكمة غيتنت مارشا وأداء "إكزاكيتيف شاين". تركز الكثير من ثقافات العمل على زعزعة السوق استراتيجياً والتحول الرقمي والصعود الهائل (والانحدار الكارثي) لدى شركات الـ "يونيكورن" (التي تزيد قيمتها عن مليار دولار أميركي) المدعومة من المستثمرين المغامرين. ماذا لو تمهلنا قليلاً وبدأنا بالتفكير على نطاق أصغر قليلاً والتصرف بتواضع أكبر من أجل الارتقاء بالتفاعلات بيننا كأفراد بما يقود إلى علاقات مجدية أكثر؟ من المؤكد أن الشركات والقادة الناجحين يفكرون بطريقة مختلفة عن الآخرين، ولكنهم يهتمون أيضاً أكثر من أي شخص آخر بالعملاء والزملاء وطريقة تصرف المؤسسة بأكملها عندما يكون أمامهم الكثير من الفرص لتدوير الزوايا والمساومة على القيم. ففي عالم تعيد التكنولوجيا تشكيله بالكامل (وتشويهه في أغلب الأحيان)، تشتد حاجة الناس إلى شعور أعمق بالإنسانية.

من القادة الذين يتبنون وجهة النظر هذه، شيلدون يلين، الرئيس التنفيذي لمجموعة "بلفور هولدينغز" (BELFOR Holdings)، وهي شركة خاصة للإنعاش والترميم بعد الكوارث نمت مبيعاتها من 5 ملايين دولار إلى أكثر من 1.5 مليار دولار سنوياً تحت قيادة يلين. يشرع موظفو "بلفور" بالعمل فور انتهاء طوفان أو إعصار أو حريق أو انهيار مبنى ما، وهي أعمال على قدر من الصعوبة والقذارة. وللتعبير عن تقدير الموظفين، يرسل يلين بطاقات عيد ميلاد مكتوبة بخط يده لكل موظف من موظفي الشركة سنوياً بحيث يصل عددها إلى نحو 9,200 بطاقة معايدة، بالإضافة إلى معايدات في مناسبات أخرى، وبطاقات شكر، ورسائل للتعبير عن الامتنان بعد كل عمل يُنجز على نحو جيد، ليصبح عدد الملاحظات المكتوبة بخط اليد حوالي 12,000 ملاحظة في السنة الواحدة. وعندما يسافر (في طائرة خاصة وليس مثلي في الطائرات التجارية) يحزم حقائب إضافية تمتلئ بالبطاقات والمغلفات المعنونة مسبقاً ويكتب بحبر أزرق حوالي 150 بطاقة في كل رحلة.

يبدو هاجس يلين لكتابة البطاقات مجنوناً وممتعاً في الوقت نفسه، كما هي حال "إكزاكيتيف شاين" ومارشا وتركيزهما على الحب والرأفة وسياسة "الدفع حسبما تراه مناسباً". يرى يلين أن العلاقات الشخصية ضرورية للحفاظ على مستوى التزام الموظفين الذي تحتاجه شركة "بلفور" لإنجاز عملها، ويشرح أن "القادة عندما يهملون العنصر البشري فإنّهم يعرقلون شركاتهم ويقيدون نجاح الآخرين". وعندما أجرت معه صحيفة "واشنطن بوست" (The Washington Post) مقابلة قبل فترة وجيزة حول طفرة روبوتات التواقيع المبرمجة لتقليد خط يد البشر وكتابة رسائل للعملاء والموردين وأبناء الرعية وحتى أفراد العائلة، أوضح أنّ "لا نيّة [لديه] لإيقاف" كتابة الرسائل بنفسه والاستعاضة عنها بالحل التكنولوجي الآلي، قائلاً إنّ "القيام بهذا ساعدنا على بناء ثقافة عائلية ملؤها الرأفة والاحترام". والدليل؟ عندما بلغ يلين الستين من عمره، تلقى الهدايا التي يحبها، وهي عبارة عن أكثر من 8,000 بطاقة معايدة مكتوبة بخط اليد أرسلها إليه موظفو شركة "بلفور" الذين أرادوا إظهار تقديرهم للتقليد الذي يتبعه رئيسهم التنفيذي.

يمكن للبوادر، سواء كانت لافتات أو خطابات أو لغة جسدية أو رسائل مكتوبة بخط اليد، أن تعبّر عنا وما نحن عليه وما يهمنا وأن تعبر كذلك عما نفعله ولماذا نفعله. وحتى في عصر الزعزعة الرقمية والتدمير الخلاق هذا، لا ينبغي لك أن تقلل أبداً من قوة خدمة تُنجز من القلب أو بطاقة معايدة تُصنع بإتقان. لا تدع التكنولوجيا تطغى على إنسانيتك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!