إذا لاحظت أن إحساسك بالإرهاق في نهاية يوم العمل يزداد سوءاً بمرور الوقت، فلست أول ولا آخر مَن يكتوي بنار هذه المشكلة، فخلال الأسابيع القليلة الماضية كثر الحديث عن ظاهرة "إجهاد الاجتماعات الافتراضية" على وسائل التواصل الاجتماعي وزادت عمليات البحث عن العبارة نفسها على محرك بحث "جوجل" بشكل مطرد منذ أوائل شهر مارس/آذار.

اشترك رقمياً اليوم ونحن نضمن لك تحقيق الفائدة، وإن لم تحقق الاستفادة المرجوة من اشتراكك، يمكن إلغاؤه في أي وقت واستعادة المبلغ للمدة المتبقية من الاشتراك.

لماذا نشعر بالإرهاق الشديد من مكالمات الفيديو؟ هناك عدة أسباب:

يرجع هذا جزئياً إلى أنها ترغمنا على توجيه قدر أكبر من التركيز على المحادثات من أجل استيعاب المعلومات. انظر إلى الأمر من هذه الزاوية: عندما تجلس في غرفة الاجتماعات، يمكنك الاعتماد على الأحاديث الجانبية الهامسة لتدارك ما فاتك من معلومات إذا تشتت ذهنك أو للإجابة بسرعة عن الأسئلة التوضيحية، لكن يستحيل القيام بذلك في أثناء إجراء مكالمات الفيديو ما لم تستخدم ميزة الدردشة الخاصة أو تحاول بوسيلة ما إيجاد لحظة لإلغاء كتم الصوت وتطلب من أحد الزملاء تكرار ما قاله.

وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب سهولة فقدان التركيز أكثر من أي وقت مضى عند إجراء مكالمات الفيديو، فما من أحد منا إلا ويثق في قدرته على الاستماع بتركيز وتصفح بريده الإلكتروني وإرسال رسالة نصية إلى صديق ونشر أيقونة وجه مبتسم على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي، كل ذلك خلال الثلاثين ثانية نفسها، والمحصلة النهائية أننا نعجز بالطبع عن الاستماع إلى كثير مما يقال بسبب تشتّت أذهاننا، الأدهى والأمر أن ظروف الكثيرين منا لا تساعد على العمل من المنزل، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على إجراء اجتماع أو اجتماعين افتراضيين، بل صرنا نعاني باستمرار جرّاء محاولة إيجاد طرق جديدة مهذبة لمطالبة أحبائنا بالكف عن إزعاجنا أو لعدم الانشغال بهم في أثناء زحفهم على الأرض لانتزاع سماعاتهم من طاولة الطعام. ومن هنا يمكن القول إن ثمة تحدياً خاصاً يواجه أولئك الذين لا يمتلكون أماكن مخصصة لمزاولة العمل من المنزل.

أخيراً، ينبع "إجهاد الاجتماعات الافتراضية" من أسلوب معالجة المعلومات عبر الفيديو، وذلك لأن النظر إلى الكاميرا هو الطريقة الوحيدة لإظهار اهتمامنا في مكالمات الفيديو، ولكن كم مرة وقفت على بعد تسعين سنتيمتراً من زملائك وحدقت إلى وجوههم في الحياة الواقعية؟ ولا مرة على الأرجح، ببساطة لأن الاضطرار إلى "التحديق المستمر" يُقلق راحتنا ويصيبنا بالسأم، كما يمتاز البشر بقدرتهم على استخدام خاصية الرؤية المحيطية لإلقاء نظرة على النافذة أو النظر إلى الآخرين في الغرفة، ولأننا جميعاً نجلس في منازل مختلفة عند إجراء مكالمات الفيديو، فقد نخشى أن يُفسَّر التفاتنا إلى النافذة على أنه نوع من عدم الاهتمام، ناهيك عن أن معظمنا يحدق أيضاً إلى نافذة صغيرة تظهر فيها صورتنا، ما يجعلنا حساسين لكل حركاتنا وسكناتنا والمعنى الذي قد تُفسَّر به، ودون وجود استراحات بصرية لاستعادة التركيز تصاب أدمغتنا بالإجهاد.

إذا بدا لك كل هذا مزعجاً، فلا تقنط، فلدينا خمس نصائح مستمدة من أبحاث علمية يمكن أن تسهم في جعل مكالمات الفيديو أقل إجهاداً.

تجنب العمل على أكثر من مهمة في آن واحد.

من السهل التفكير في إمكانية استغلال الفرصة لأداء عدد أكبر من المهمات في وقت أقل، بيد أن الأبحاث أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن محاولة القيام بأشياء متعددة في وقت واحد يؤثر بالسلب على مستوى الأداء، فنظراً لأن الإنسان يضطر إلى تعطيل وتشغيل أجزاء معينة من الدماغ بالتبادل عند أداء أنواع مختلفة من العمل، فقد يكبدك التبديل بين المهمات ما يصل إلى 40% من وقتك الإنتاجي، وقد توصل الباحثون في "جامعة ستانفورد" إلى أن الأشخاص الذين يؤدون مهمات متعددة يعجزون عن تذكر الأشياء بمستوى أقرانهم الذين يركزون على عمل واحد بين أيديهم، لذا يُنصَح بإغلاق أي علامات تبويب أو برامج قد تشتت انتباهك (مثل صندوق البريد الوارد أو برامج الدردشة) ووضع هاتفك بعيداً والتركيز بكل ذهنك عند إجراء محادثة فيديو. نعلم أن الأمر مغر، ولكن حاول تذكير نفسك أن الرسالة التي تلقيتها للتو عبر أي من برامج الدردشة يمكن أن تنتظر 15 دقيقة وأنك ستتمكن من صياغة رد أفضل وأنت غير مشغول بمحادثة فيديو.

خذ استراحات بينية.

خذ استراحات صغيرة من محادثات الفيديو في أثناء المكالمات المطولة من خلال تصغير النافذة أو نقلها إلى ما وراء التطبيقات المفتوحة أو الاكتفاء بالنظر بعيداً عن الكمبيوتر تماماً لبضع ثوان بين الحين والآخر، لقد اعتدنا الآن على الظهور على شاشة الفيديو (وعلى الضغوطات المصاحبة للظهور على الشاشة دون توقف)، وربما يتفهم زملاؤك الأمر أكثر مما تعتقد ويرون أنه لا بأس بالاستماع دون التحديق إلى الشاشة لمدة ثلاثين دقيقة كاملة، هذه ليست دعوة للقيام بشيء آخر في أثناء الاجتماع الافتراضي، ولكنها رسالة لتريح عينيك للحظة، لذا يُنصَح بقَصر وقت الاجتماعات على 25 أو 50 دقيقة (بدلاً من نصف ساعة وساعة كالمعتاد) لتمنح نفسك وقتاً كافياً بين الفينة والأخرى للنهوض والتمشية لبعض الوقت في الأيام التي لا تستطيع فيها تجنب المكالمات المتلاحقة، وإذا كنتم تجرون مكالمة فيديو لمدة ساعة، فلا بأس أن تطلب من المشاركين إيقاف كاميراتهم لبعض الوقت خلال المكالمة.

قلل من المحفزات التي تظهر على الشاشة.

أثبتت الأبحاث أن المتصلين يقضون معظم وقتهم في التحديق إلى وجوههم خلال ظهورهم على شاشة الفيديو، وهو ما يمكن تجنبه بسهولة عن طريق إخفاء صورتك من شاشتك، غير أن عوامل التشتيت على الشاشة لا تقتصر على صورتك وحدها، وقد تُفاجأ إذا علمت أننا لا نركز على وجوه الآخرين فقط في أثناء مكالمات الفيديو، بل نركز أيضاً على الخلفيات الظاهرة من حولهم أيضاً، فإذا كنت تجري مكالمة مع خمسة أشخاص، فقد تشعر وكأنك في خمس غرف مختلفة في وقت واحد، إذ يمكنك رؤية الأثاث والنباتات وورق الحائط في غرفهم، بل قد تبذل كل جهدك لتتعرف على الكتب المرصوصة على رفوفهم، ويجب على الدماغ معالجة كل هذه الإشارات البيئية المرئية في الوقت نفسه، ولمكافحة الإجهاد العقلي، احرص على تشجيع المشاركين على استخدام خلفيات بسيطة (مثل ملصق مشهد شاطئ هادئ) أو أخذ موافقة المجموعة على إلزام كل مَن لا يتحدث بإيقاف تشغيل الفيديو من عنده.

اجعل الفعاليات الاجتماعية الافتراضية اختيارية.

من الطبيعي أن تشعر بالإرهاق بعد يوم طويل من مكالمات الفيديو المتلاحقة، خاصة إذا كنت شخصية انطوائية، لذا يجب إبقاء الجلسات الاجتماعية الافتراضية اختيارية، بمعنى أن يوضح المسؤول عن الحدث أن الكل مرحب بهم ولكنهم ليسوا ملزمين بالحضور، يمكنك أيضاً تعيين منسّق إذا كنت تتوقع انضمام مجموعة كبيرة من المشاركين، كما يمكن لهذا الشخص أن يبدأ بطرح سؤال ومن ثم توضيح الترتيب الذي يجب أن يتحدث به المشاركون حتى يتمكن الجميع من الاستماع لبعضهم البعض دون أن يتحدث كل أفراد المجموعة في وقت واحد، فمن السهل أن نشعر بالإرهاق إذا لم نكن نعرف ما هو متوقع منا، أو إذا كنا نحاول باستمرار معرفة متى يجب علينا التحدث أو الإنصات.

استخدم المكالمات الهاتفية أو البريد الإلكتروني أيضاً.

تصفح جدول مواعيدك خلال الأيام القليلة المقبلة لمعرفة ما إذا كان به أي محادثات يمكن إجراؤها عبر تطبيق "سلاك" أو البريد الإلكتروني بدلاً من مكالمات الفيديو، وإذا كانت الساعة تقترب من الرابعة عصراً وكنت قد أنهيت للتو اجتماعاً افتراضياً ولكنك تنتظر محادثة ثنائية أخرى، فاطلب من الطرف الآخر إجراءها عبر مكالمة هاتفية أو اقترح عليه تأجيل المحادثة إلى وقت لاحق حتى تتمكن من تجديد حيويتك ونشاطك، قل له شيئاً على غرار: "أود أخذ استراحة من مكالمات الفيديو، فهل تمانع لو أجرينا محادثتنا عبر الهاتف؟" سيسعد الطرف الآخر على الأرجح أيضاً بتغيير وسيلة التواصل.

تجنب اعتياد الفيديو في المكالمات الخارجية، خاصة إذا كنتم لا تعرفون بعضكم معرفة جيدة.

يشعر الكثيرون الآن بميلهم للتعامل مع تقنية الفيديو باعتبارها التقنية الافتراضية لكافة عمليات التواصل، فقد تشعر مثلاً بأنك ملزم بإرسال رابط برنامج "زوم" المخصص لاتصالات الفيديو في المواقف التي تقدم فيها على التواصل مع أشخاص من خارج مؤسستك (كالعملاء والمورِّدين وشبكات المعارف.. وغيرهم) بدلاً من المكالمات الهاتفية التقليدية على الرغم من اعتيادك استخدام المكالمات الهاتفية في إجراء مثل هذه المحادثات، لكن مكالمات الفيديو تتصف بالحميمية إلى حد كبير وقد تنتهك خصوصية المتصلين في بعض المواقف، فإذا طُلب منك، على سبيل المثال، إجراء مكالمة لتقديم نصائح مهنية وكنت لا تعرف الشخص الذي تتحدث إليه، فإن التمسك باستخدام الهاتف غالباً ما يكون خياراً أكثر أماناً، وإذا اتصل العميل مستخدماً خاصية الفيديو دون سابق إنذار، فلا بأس بإبداء الرفض واقتراح إجراء مكالمة هاتفية بدلاً من ذلك.

قد يكون من الصعب اتباع بعض هذه النصائح في البداية (خاصة تلك المتعلقة بمقاومة الرغبة في تصفح علامات التبويب خلال مكالمة الفيديو التالية)، لكن اتخاذ هذه الخطوات يسهم في الوقاية من الشعور بالإرهاق الشديد لمجرد التفكير في محادثة فيديو أخرى، فمحاولة التكيف مع هذا الوضع الجديد متعبة بما يكفي، لذا يُنصح بتسهيل مكالمات الفيديو قليلاً على نفسك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!