باتت المملكة المتحدة تشبه سوقاً ناشئة في نظر شركات الأعمال، إذ يعبر عملاؤنا متعددو الجنسيات عن مخاوف بشأن التقلبات السياسية وحالة انعدام اليقين المهيمنة على السوق وعدم القدرة على التكهن بأسعار العملة المتقلبة ومسائل تتعلق بسلسلة التوريد، وهذه غالباً ما تكون المخاوف الرئيسية التي يعبر عنها المستثمرون حيال الاقتصادات الناشئة. وبغض النظر عما ستؤول إليه محادثات بريكست الجارية، فمن المرجح أن تظل هذه المسائل مطروحة بالنسبة للمملكة المتحدة لسنوات عدة.

ما الذي يحدث؟

تشهد المملكة المتحد اليوم عملية طلب المغفرة السياسية، إذ يشعر العديد من أعضاء البرلمان مع اقتراب موعد تنظيم الانتخابات المحلية في مايو/أيار المقبل، بالحاجة إلى النأي بالنفس عن نتيجة المحادثات التي يبدو أنها لن تكون مرضية. وهكذا، رأينا حزب المحافظين يطرح التصويت على حجب الثقة برئيسة الحكومة تيريزا ماي التي وإن تجاوزته بسهولة، فلقد سمح لأنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي أو مؤيدي بريكست، بأن يظهروا لناخبيهم أنهم حاولوا إنقاذ بريكست. في وقت لاحق رأينا مجلس العموم البريطاني يصوت بأغلبية ساحقة ضد اتفاق بريكست الذي توصلت إليه ماي مع الأوروبيين وهو ما ساعد النواب من مختلف الأحزاب في أن يظهروا في الجانب الأيمن المعارض لاقتراح لا يحظى بشعبية في الداخل. ثم دخل حزب العمل في اللعبة عن طريق طرح مذكرة بحجب الثقة عن حكومة تيريزا ماي إلا أنها فشلت بفارق ضئيل، لكنها ساعدت في تجنيبهم اللوم وسط فوضى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

مثل هذا التقلب السياسي يترك بطبيعة الحال بصماته على السوق ومن نتيجته تقلب الجنيه الإسترليني وتراجع ثقة المستثمرين والثقة بالاقتصاد وتعبير الشركات عن مخاوف كبرى إزاء طرق توريد وإمداد منتجاتها إلى السوق. منذ التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران في العام 2016، انخفضت قيمة الجنيه الإسترليني بصورة كبيرة، وهذا ساعد السياحة قليلاً من جهة، لكنه من جهة أخرى أدى إلى تسارع غير مسبوق في أسعار السلع الاستهلاكية في بيئة تنافسية عالية الكلفة بين شركات الأعمال. وتسبب الارتفاع الحاد في كلفة الاستهلاك والأعمال بأضرار دائمة على الشركات في مختلف القطاعات.

في المقام الأول، شهدت شركات السلع الاستهلاكية سريعة التداول ضغوطاً حادة على هامش أرباحها استجابةً لانخفاض قيمة الجنيه الإسترليني بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، فضلاً عن ارتفاع أسعار الإيجارات وتكاليف العمالة وأسعار الفائدة في السوق في عامي 2017 و2018. وقد زادت غالبية شركات السلع الاستهلاكية سريعة التداول الأسعار لتخفيف الضغوط على هامش الربح. ومع ذلك، وبالنظر إلى الانخفاض الملحوظ في ثقة المستهلك والتراجع المخيب للآمال في مبيعات التجزئة، فشلت الشركات في عكس التأثير السلبي على هوامش ربحها. فقد زادت معدلات إغلاق المتاجر في النصف الأول من العام 2018، بنسبة 30%. وعانت من جراء ذلك حتى متاجر الشوارع التجارية الرئيسية ولاسيما متاجر الملابس والأحذية، وأعلنت سلاسل تجارية مرموقة مثل "ماركس أند سبينسر" (Marks & Spencer) و"هاوس أوف فريزر" (House of Fraser) ومؤخراً "إتش إم في" (HMV) عن خطط واسعة لإعادة الهيكلة. واستناداً إلى تحليل مجموعة "فرونتير استراتيجي" (Frontier Strategy)، ستستمر حالات الإعسار المالي وعجز تجار التجزئة الكبار والصغار عن السداد والتأخير في المدفوعات في قطاع التجزئة في عام 2019، بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف الطلب وزيادة عدم اليقين الاقتصادي.

وعانت بالمثل شركات الأعمال للأعمال (B2B) فبعد التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أدى انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني إلى زيادة تكاليف استيراد المواد الخام والإنتاج بالنسبة للشركات المتعاملة مع شركات الأعمال. على الرغم من ارتفاع الصادرات في عام 2017 بفضل تحسن الطلب في منطقة اليورو وضعف الجنيه الإسترليني، تلاشت مكاسب التصدير المتأتية من انخفاض قيمة الجنيه بالكامل في عام 2018. ويتوقع أن تظل التكاليف مرتفعة في المستقبل. ومنذ يونيو/حزيران 2016، لم يبق عدم اليقين في قطاع الأعمال في الحيز السلبي فحسب، بل تدهور في الربع الأخير من عام 2018 والربع الأول من عام 2019 بسبب ضعف قطاعي التصنيع والبناء نظراً لعدم اتضاح مستقبل بريكست.

إنّ عدم القدرة على التنبؤ بما ستؤول إليه مفاوضات بريكست (هل ستكون المملكة المتحدة داخل أو خارج الاتحاد الجمركي؟) جعل الشركات تحجم عن المضي قدماً في توظيف استثمارات ضخمة. وهكذا، انكمشت الاستثمارات التجارية إلى حد كبير في عام 2018، فيما تبذل شركات (B2B) جهوداً متزايدة للتحضير لاحتمال تعطل سلسلة التوريد في سيناريو "عدم الاتفاق" الذي سيوقف التداول السلس للبضائع بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي (بما في ذلك إيرلندا) بما يعني ذلك من تأخير كبير في مواعيد التسليم. تقوم الشركات في معظم القطاعات بتخزين المنتجات والمواد المستخدمة في الإنتاج من أجل الإبقاء على مخزون احتياطي مؤقت في حالة خروج بريطانيا بدون اتفاق. ولقد سمعنا من بعض الشركات أنها في الأساس تضاعف حجم مخزوناتها تحسباً لتاريخ 29 مارس/آذار 2019.

إنّ عدم اليقين الناجم عن بريكست يؤثر كذلك على قطاع الرعاية الصحية، حيث عانت شركات الرعاية الصحية من ارتفاع تكاليف المواد الخام بعد التصويت لصالح بريكست. فضلاً عن ذلك، تراجعت صناعة الأدوية في عام 2018 في ظل تباطؤ الطلب المحلي وفي منطقة اليورو. وتبدي شركات الرعاية الصحية والشركات الصيدلانية والشركات الناشطة في مجال العلوم الحيوية وعلوم الحياة قلقاً إزاء انقطاع التمويل الذي كانت تتلقاه من الاتحاد الأوروبي لدعم أنشطة البحث والتطوير. لذا، عندما يتعلق الأمر بالتخطيط بالنسبة لشركات الرعاية الصحية، قد يصبح وجودها بحد ذاته مهدداً بسبب مشكلة في سلسلة التوريد وتغيير في التشريعات التنظيمية.

لقد رفعت معظم شركات الأدوية التي نعمل معها معايير خطة الطوارئ في مواجهة بريكست، حيث أنهت خططها بحلول مارس/آذار من العام الماضي. وقد فضلت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية في المملكة المتحدة التزام جانب الحيطة والحذر وأوصت منتجي الأدوية بتخزين كميات تكفي ستة أسابيع على الأقل من الأدوية لضمان سهولة توريد الأدوية التي يحتاجها النظام الصحي الوطني في حال الخروج بدون اتفاق. ستبقى المملكة المتحدة مركزاً استراتيجياً لصناعة الدواء، حيث يسهم قطاع الرعاية الصحية بحصة كبيرة في إجمالي الناتج المحلي البريطاني، ولكن السوق أصبحت أقل جاذبية لشركات الأدوية لممارسة الأعمال وفقاً لاستبانة أجرتها مؤسسة "غلوبال ديتا" (Global Data) في يناير/كانون الثاني.

قسم كبير من الشركات غير مستعد

بشكل عام، لم تستجب سوى أغلبية ضئيلة من الشركات ومعظمها تأخر كثيراً. ويقول اتحاد شركات الأعمال البريطاني (CBI): إنّ 60% فقط من الشركات وضعت خطط طوارئ و40% منها قامت بتفعيلها. ويعتبر هذا غير كاف.

وفي حين أنه من المستبعد إلى حد كبير الخروج بدون اتفاق (بات الأمر صراحة أقل احتمالاً في الأسابيع الأخيرة)، فإنّ الضرر الذي سيلحقه ذلك بالطلب والبيئة التشغيلية سيكون كبيراً. وهذا يتطلب التخطيط له. ومع ذلك، كان في الواقع الموعد النهائي لتنفيذ خطط الطوارئ هو الربع الأخير من العام 2018 (لمعظم القطاعات) لتكون جاهزة بصورة معقولة لحدوث انكماش حاد في السوق في أواخر مارس/آذار. لكن الغريب ألّا يؤخذ الأمر في الحسبان فاستعداد الشركات غير كاف لمواجهة بريكست مع أنّ 80% منها قالت أيضاً إن بريكست قد أثر بالفعل على قراراتها الاستثمارية.

قد يكون هناك تفسير لهذا. من واقع خبرتنا، في المتوسط، عملاؤنا الأكبر والأكثر عرضة للمخاطر هم عادة الأفضل استعداداً وهم كذلك منذ شهور، في حين أن الأقل تعرضاً أظهروا بشكل طبيعي قدراً أقل من الاستعداد. ومع ذلك، حتى بالنسبة لهذه الشركات الأخيرة فهي ترتكب خطأ لأن السوق ضخم على المستوى العالمي وفقدان مكانة الشركة في السوق في هذه الأوقات سيكون من الصعب استعادتها في ظل اقتصاد يتعافى بصورة تدريجية وببطء شديد.

تركز الشركات التي تخطط في المقام الأول على إدارة سلسلة الإمداد والمخزون، وبقدر أقل على الإنتاج ونقل الوظائف. وهذا يعني رسم خريطة تفصيلية لسلسلة التوريد وتحديد نقاط الخطر (على سبيل المثال، نقل المنتجات عبر الحدود الإيرلندية وكذلك عبر الحدود البرية لدول الاتحاد الأوروبي). بعد ذلك، تعمل الشركات على وضع خطط للاستعانة بمصادر إنتاج لمواد معينة قد تُفرض عليها تعريفات جمركية مرتفعة أو بدائل للخدمات اللوجستية ولنقل المنتجات في حالة بروز حواجز جمركية وغير جمركية (مثل تعبئة أوراق إضافية، وتكاليف إدارية، وما إلى ذلك). وفي مجال السلع الاستهلاكية سريعة التداول بشكل خاص، تبحث الشركات عن طرق لزيادة عمر منتجاتها، سواء عبر تسهيل عمليات الموافقة الداخلية التي تستغرق وقتاً طويلاً أو استبدال المكونات.

تنطوي هذه الخطوات على مزيد من التعقيدات. وتحتاج الشركات إلى تحديث أنظمة الإنتاج لتكون أكثر مرونة، واتخاذ تدابير لإدارة المخزون المتراكم، وأحيانا نقل وحدات العمل والإنتاج. وبصراحة، يمكن أن تتطلب هذه التعديلات وتعقيداتها استثمار الكثير من الوقت والطاقة والمال بالنسبة للمشاريع ذات الاستثمارات الصغيرة نسبياً في سوق المملكة المتحدة.

ماذا تريد الشركات من بريكست؟

كما هي الحال دائماً، تحتاج الشركات إلى القدرة على التكهن بما سيحدث. إنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يحدث تباطؤاً في السوق، ولكن الأسوأ من ذلك بكثير هو حالة انعدام اليقين المصاحبة له. يمكن للشركات أن تخطط على الأقل وتستعد لتدهور السوق؛ لكن لا يمكنها أن تخطط بشكل صحيح في ظل حالة انعدام اليقين. في النهاية، تريد الشركات الوصول إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي، مثلما كانت عليه الحال من قبل، واستمرارية التشريعات المنظمة. وهذا يتطلب في الحد الأدنى تجنب الخروج بدون اتفاق، لأن الشركات أعلنت أنها لا تعارض بريكست بحد ذاته، ولكنها تريد خروجاً سلساً (يشمل الوصول إلى الاتحاد الجمركي في الاتحاد الأوروبي) مع القليل من القدرة على التكهن بمسار الأحداث، على الأقل.

في الواقع، في ظل السيناريو الأكثر احتمالاً، سيتم تجنب الخروج بدون اتفاق؛ ومع ذلك، سيستمر انعدام اليقين مخيماً على قطاع الأعمال لفترة طويلة. ببساطة، لا يوجد مخرج سهل من محادثات بريكست ومن المرجح أن يُمنى المتفائلون بخيبة أمل كبيرة. فبخلاف بعض التعديلات الشكلية، من غير المحتمل أن يقدم الاتحاد الأوروبي أي تغييرات جوهرية على ما هو مذكور في الاتفاق الذي أبرمته تيريزا ماي من شأنها أن تجعل النواب يقرونه بسرور وبسرعة. ونتيجة لذلك، يتربص مزيد من عدم اليقين عند كل مفترق طرق حاملاً في طياته أياً من الإمكانات لتالية: تمديد العمل بالمادة 50 من معاهدة الاتحاد الأوروبي التي صيغت لتمكين أي دولة من الخروج من الاتحاد واستفتاء جديد وإجراء انتخابات مبكرة ومفاوضات محتملة حول اتفاق تجاري جديد خلال فترة الاتفاق الانتقالي المتوقع. وهذا كله من شأنه بطبيعة الحال خلق مزيد من انعدام اليقين وإضعاف ثقة قطاع الأعمال.

ما نراه الآن يقتصر على المدى القصير. التأثير الكامل لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم نلمسه بعد. يُحتمل ألا نعرف ما هي الآثار المترتبة على ذلك حتى عام 2022 على الأقل، بعد الاتفاق على اتفاقية تجارية نهائية جديدة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!