تلقيت مؤخراً اتصالاً من مدير موارد بشرية في شركة كبيرة تبحث عن مدرب تنفيذي لأحد كبار القادة والذي كان يوصف بأنه متعجرف وفظ ولا مبالي ومفتقر إلى التعاطف. وعلى الرغم من تلك النقائص في شخصيته، والتي لم تتحسن كثيراً على الرغم من خضوعه لتدريب سابق مكثف، لم تطرده الشركة لكونه أحد أكثر المهندسين ذكاء في مجاله، حيث كان مسؤولاً عن العديد من براءات الاختراع التي حققت للشركة أرباحاً كثيرة، الأمر الذي يمنع سماحها له بالرحيل ببساطة.

كيف تقوم بتدريب قائد يراه الآخرون حالة ميؤوس منها؟ قد لا تتمكن من ذلك أحياناً، فقد يتضح أنّ ذلك الشخص بكل بساطة أحمق وغير قادر على تغيير طرقه السامة. وهنا، يتوجب على الشركة طرده، إذ سيؤدي التسامح مع السلوك الهدام إلى إرسال رسالة مفادها أنه لا بأس بإساءة معاملة الآخرين طالما أنك تحقق نتائج جيدة. لكن في حالة عميلي، كما هي الحال غالباً، فإنّ من يُرى "حالة ميؤوس منها" هو عبارة عن شخص أسيء فهمه ونُظر إلى تصرفاته بشكل خاطئ.

وسواء أكنت مدرباً أم مديراً للموارد البشرية أو مسؤولاً تنفيذياً تحاول مساعدة أحد مرؤوسيك صعبي المراس، تعتمد مصداقيتك ومصداقية الشخص الذي تحاول مساعدته على الفهم الدقيق لما يحدث حقاً. وفيما يلي ثلاث طرق يمكنك التأكد فيها أنك تتعرف على مشكلة القائد صعب المراس بشكل صحيح وتعالجها بطريقة صائبة.

راقب افتراضاتك وأحكامك. غالباً ما يقوم مقدمو المشورة ممن يعملون على مساعدة الأخرين بإطلاق الأحكام انطلاقاً من تاريخهم الخاص من دون وعي. فنحن نضع افتراضات وأحكام بناء على تجاربنا الخاصة التي غالباً ما يكون لها صلة محدودة بالقائد الذي نقدّم الدعم له. لقد وجدت نفسي أشعر بالتوتر والرفض والنفور من ذاك الشخص قبل حتى أن ألتقيه وذلك بسبب ما قاله الآخرون عنه. وتخيلت كيف كنت سأستجيب لسلوكه المهين وما سيكون عليه ردي إن أدلى بتعليق مغرور. لكن لم يكن هناك مبرر لتفكيري ذاك، وثبت افتراضي بحمقه خطأه، إذ كان مشاركاً ومنفتحاً على التعلم وعلى استعداد لتقبل فكرة أن عليه التحسّن. وعندما سألته عن سبب رؤية الناس له بأنه قاس جداً تجاه الآخرين، بدت عليه الحيرة والقلق من وصف الآخرين له بتلك الطريقة.

سمعت من مدير الموارد البشرية بالشركة أنّ هذا المسؤول عامل زميلاً له بشكل قاس. فلماذا تصرف هكذا ضد شخص واحد فقط؟ وخلال محاولتنا معرفة السبب، عرفنا أنّ ما أثار غضب المدير التنفيذي وثورته ضد المهندس الأصغر عمراً كان سبباً مختلفاً؛ لقد كان الشاب يذكّر القائد بأخيه الأكبر ذي العلاقة المتوترة معه. ترعرع موكلي في عائلة تركز على الإنجازات بشكل مفرط، وصريحة إلى درجة قاسية، وكانت ترسل لموكلي بانتظام رسالة مفادها أنه أقل شأناً من باقي أفراد العائلة. وكان شقيقه الفتى المدلل في العائلة في حين لم يكن يُنظر إليه على أنه بالقدر نفسه من التميز. وكان المهندس الشاب بمثابة تذكير يومي للقائد بما عاناه في الماضي. صحيح أنّ تلك القصة لا تبرر سلوك القائد بأي حال من الأحوال، لكنها تفسره فضلاً عن أنها كشفت عن وجود إمكانية للتغيير. لكن كان علي أن أضع جانباً تحيزاتي وإطلاقي للأحكام المسبقة لكي أتمكن من بناء الثقة اللازمة الكفيلة بتحقيق هذه الأفكار الهامة.

تخطي الأعراض والنظر إلى التناقضات. يتطلب تحديد ما يكمن وراء السلوك التدميري النظر إلى ما هو أبعد من الأعراض. لقد أشار زملاء عميلي إلى أنه لئيم وغير حساس. وركز المدربون السابقون على تقنيات تعامل شخصي مختلفة، مثل كيفية تقديم ملاحظات بنّاءة، والعمل مع أنماط الشخصية المختلفة، والتفويض بكفاءة، إلا أنهم أهملوا النظر لما حدث مع ذاك المهندس. وإذا أردت تشخيص سلوك أحد القادة بدقة، عليك البحث عن الاستثناءات في الأنماط؛ مثلاً، هل هناك أشخاص محددين يعاملهم هذا الشخص بطريقة جيدة أو سيئة؟ هل هناك ظروف محددة يتألق فيها أو يتعثر؟ لن يتصرف الشخص بنفس الشكل طوال الوقت، بالتالي يمكن استخلاص الكثير عندما نفهم متى يتصرف بشكل مختلف عما اعتاد عليه. ففي حالة موكلي، كان تصرفه السلبي ضد شخص واحد نقطة مثيرة للانتباه. وعلمت لاحقاً أنّ خبرته الفنية التي تحظى بتقدير واسع من جهة وخلفيته العائلية من جهة أخرى جعلتاه يشعر بأنه مسؤول عن سمعة الشركة التقنية، الأمر الذي جعله يركز بشكل زائد على التفاصيل التقنية، ما أرهق أفراد فريقه مع رفضه لخبراتهم. ولو كنا نركز على هذه الأعراض فحسب، لم نكن لنحقق أي إنجاز هنا، إذ كان علينا محاولة فهم السبب الجذري لتلك التصرفات نظراً لأنه قد يتم أحياناً تشخيص سلوك القيادة السيئ بشكل غير دقيق، إذ وجدت دراسة أجرتها جامعة أريزونا أنه غالباً ما يتم الخلط بين السلوكيات القيادية السامة وبين تلك التي قد تعتبر طبيعية. ولتجنب الخلط بين الاختلاف في أنماط القيادة وبين السلوكيات السامة، من الضروري النظر لما هو أبعد من السطح.

امتلك طيف حلول واسع. يميل الكثير من العاملين في المجالات الاستشارية إلى تشخيص المشاكل التي يواجهونها اعتماداً على ما هو مألوف لديهم ومجال خبرتهم، ما يجعلهم يطبقون الحل ذاته على طيف واسع من المشاكل. فعلى سبيل المثال، لم أتفاجأ عندما رأيت بعض الخبراء الاستشاريين المتخصصين في بناء الفرق يقدمون نتائج وتوصيات تندرج جميعها في إطار تحسين ثقة الفريق بغض النظر عن المشكلة التي واجهوها. ويستخدم مدربو القادة الأدوات المفضلة لديهم لحل كل مشكلة، من الأداء المالي الضعيف إلى الروح المعنوية المنخفضة. من المهم أن تكون منفتحاً على الحلول الواقعة خارج نطاق خبرتك، إذ يمكن أن ينشأ السلوك القيادي السام من أمراض نفسية أو حتى من عدم توافق الشخص مع ثقافة المؤسسة. ويساعد وجود مجموعة أدوات وآليات مختلفة على تجنب مخاطر تطبيق حل واحد لجميع الحالات. ولا تخف من إحالة عملائك إلى أشخاص آخرين ذوي خبرات مختلفة قد يكونون قادرين على مساعدتهم بشكل أفضل في حالات معينة. ففي حالة موكلي، أوصيت بذهابه إلى معالج نفسي لمعالجة قلقه والقضايا الأسرية العالقة، ثم عملنا أنا وهو على طرق فعّالة أكثر لإشراك أفراد فريقه وتعليمهم وتمكينهم، مع معرفة الحالات التي قد يقوم فيها فرد ما بعرقلة عمل الفريق.

وتشير أبحاث علمية عديدة إلى أنه لا توجد طريقة عملية لقياس كفاءة من يقدمون المشورة للقادة. ويعتبر سوء تفسير سلوك شخص ما أو الإيمان بأنه لا يمكن مساعدته إحدى علامات قلة الكفاءة. فإذا لم تبحث عن التناقضات، وترى السبب الأساسي، وتوفر مجموعة حلول واسعة، فقد تحد من نمو الشخص عن غير قصد، أو تقوم بما هو أسوأ وتعيق مسيرته المهنية. ولكن إذا قمت بهذه الأشياء بعقل منفتح، فقد تكون قادراً على المساعدة في إنقاذ وظيفة قائد كان ربما ليُسرّح من عمله، الأمر الذي سيوفر أيضاً قيمة كبيرة لمن تقوم بخدمتهم.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!