تعمل تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات على أتمتة مهام العمل بشكل متزايد. لكن ما مقدار التهديد الذي تمثله الأتمتة على العمال؟ قدمت دراسة جديدة قام بها أحدنا وهو جيمس بيسن، إلى جانب مارتن غوس وآنا سالومونز وويلجان فان دن بيرج، أول دليل كمي واسع النطاق حول كيفية تأثير الأتمتة على العمال الأفراد وذلك باستخدام البيانات الحكومية من عام 2000 حتى عام 2016 والتي شملت 36.000 شركة في هولندا، تغطي حوالي 5 ملايين عامل كل عام.

وجدنا أن الأتمتة تؤثر بالفعل على العديد من العمال. يعمل كل عام حوالي 9% من العاملين في العينة ضمن الشركات التي تقوم باستثمارات كبيرة في مجال التشغيل الآلي. ويتأثر عدد قليل نسبياً بشكل سلبي، حيث تغادر نسبة 2% فقط من العمال الدائمين في شركات الأتمتة مجرد تفعيل الأتمتة وبسببها؛ وسيغادر بعد خمس سنوات 8.5% من العمال العمل بشكل تراكمي، لكن ليس بوسعنا التفريق بين أولئك الذين يختارون المغادرة بأنفسهم وأولئك الذين يجري التخلّي عنهم أو طردهم.

مع ذلك، يعاني أولئك الذين يغادرون العمل من تكاليف اقتصادية كبيرة، ويُعزى ذلك إلى البطالة عموماً. ويؤثر ذلك على كل من آفاقهم الاقتصادية ورفاههم العام. وعلى الرغم من تأطير برامج الرعاية الاجتماعية كوسيلة لمعالجة هذه التكاليف، مثل التأمين ضد البطالة، تؤكّد بياناتنا أنها لا تعوض عن الدخل الذي يفقده العمال.

وما يثير الدهشة: أن هذا العبء يقع في كثير من الأحيان على العمال ذوي التعليم العالي والأجور العالية. حيث من الأرجح أن يغادروا العمل نتيجة الأتمتة، على عكس المعتقد السائد، على الرغم من عثورهم على وظائف جديدة بشكل أسرع أيضاً. وبعبارة أخرى، عادة ما يتأثر العمال ذوي الأجور المرتفعة بالأتمتة، لكن الآثار تكون أشد على العمال الأقل أجوراً.

لفهم ما يحدث عندما تقوم الشركات بتفعيل الأتمتة على نطاق واسع، بحثت الدراسة في "طفرات الأتمتة"، التي نعرّفها أنها سنة تنفق فيها الشركة على الأتمتة ثلاثة أضعاف متوسط إنفاقها على الأتمتة في جميع السنوات الأخرى. إن مقارنة العمال الذين يشهدون هذا الارتفاع الحاد في سنة معينة مع مجموعة تحكم تشهد الارتفاعات في وقت لاحق يُمكّن من تحليل كيفية تأثير هذه الطفرات على العمال. وتدرس الورقة كلاً من العمال الدائمين العاملين لمدة ثلاث سنوات أو أكثر في الشركة والعمال الموظفين حديثاً.

على الرغم من ميل العديد من المعلقين إلى ربط إدخال الأتمتة في مكان العمل بالتسريح الجماعي أو إغلاق المصنع، تشير الدراسة إلى أن هذه المقارنة ليست ملائمة وأن هذه المخاوف مبالغ فيها. وتُظهر البيانات تعرّض العمال للخسارة في كل من الأرباح والعمل بعد الارتفاع الحاد في إنفاق الشركة. لكن هذه الخسائر أقل بكثير من تلك التي يتعرّض لها العمال بعد تسريح جماعي. وجدنا في العينة أن نسبة 0.7% فقط من جميع العمال في المتوسط يتركون أرباب عملهم كل عام بسبب الأتمتة.

في المقابل، يفقد حوالي 3.5 إلى 7.2% من العمال في هولندا وظائفهم كل عام خلال إجراءات التسريح الجماعي، والتي تُعرف بأنها تسريح 30% أو أكثر من القوى العاملة. وتصل المعدلات المماثلة إلى 4.4% في الولايات المتحدة. وبالتالي، يُعتبر خطر فقدان أي شخص عمله بسبب الأتمتة أقل بكثير من خطر التسريح الجماعي. علاوة على ذلك، في حين تأثير إغلاق المصانع أو التسريح الجماعي على عدد كبير من العمال في نفس الوقت، فإن تأثيرات الأتمتة تحدث بشكل تدريجي، ما يمنح العمال مزيداً من الوقت للتفاعل والتسوية.

ويكمن التأثير الحقيقي للأتمتة في الدخل والوقت الذي يقضيه العمال عاطلين عن العمل. وتشير البيانات إلى أنه بعد الارتفاع الحاد في الإنفاق، يخسر العمال الدائمين حوالي 3,800 يورو بشكل تراكمي في أرباح الأجور والرواتب على مدار 5 سنوات في المتوسط، أي حوالي 9% من دخل عام واحد. وتواجه التعيينات الحديثة أيضاً تأثيراً سلبياً، ولكن بمعدل 3% فقط من دخل عام واحد، ما قد يعكس قابليتهم للتكيف والمرونة كموظفين جدد. والسبب الرئيس لهذه الخسائر هو أن العمال الذين يغادرون الشركة يمضون مدة أطول في البطالة، حيث يعمل العمال الدائمين قيد المغادرة 43 يوماً أقل على مدار 5 سنوات منذ تفعيل الأتمتة. ويجري تعويض حوالي 12% فقط من هذه الخسائر عن طريق مدفوعات البطالة أو الرعاية الاجتماعية أو العجز، وهو يشبه ما يحصل عليه العمال بعد إجراء التسريح الجماعي. وتُعتبر هولندا أقل قليلاً من المتوسط بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في إجمالي إنفاقها الاجتماعي.

كيف يتغير دخل هؤلاء العمال الذين لا يتركون الشركة؟ وجدنا أن معدلات الأجور لا تتغير كثيراً بالنسبة للعمال الذين يبقون في الشركة أو لأولئك الذين يغادرون ويعاد توظيفهم في مكان آخر. تتركز تأثيرات الأتمتة على الدخل بين الموظفين الذين يفقدون وظائفهم أو يغادرون لأسباب أخرى.

وتبحث الدراسة أيضاً في الاختلافات بين الشركات والعمال ذوي الخصائص المختلفة. ويؤكد كل من كارل بنديكت فراي ومايكل أوسبورن من جامعة أوكسفورد في دراسة سابقة أن المهن ذات الأجور المنخفضة ستكون الأكثر تضرراً بالأتمتة المستقبلية. وترفض البيانات هذا الافتراض الشائع، لكننا نجد أن العمال ذوي الأجور المنخفضة يعانون من بطالة أطول بعد ترك العمل. لا يختلف احتمال ترك العمل اختلافاً كبيراً بين العمال الدائمين حسب العمر أو الجنس، أما بين الموظفين الجدد، من المرجح أن يترك العمال الأكبر سناً العمل. وفي حين أن الخسائر أكثر حدة في الصناعات التحويلية، تظهر التأثيرات في جميع قطاعات الصناعة التي أُجريت الأبحاث فيها.

تُبيّن الدراسة واقع الأتمتة اليوم الذي لا يدعم وجهات النظر الأكثر إثارة للقلق. إن العبء الذي تفرضه الأتمتة على العمال أقل من العبء الناجم عن تسريح العمال الجماعي وإغلاق المصانع الذي ينتج عن أشياء مثل انخفاض الطلب أو الإفلاس. ومع ذلك، فإن العبء الواقع على العمال المتأثرين كبير، ولا توفر برامج شبكة الأمان الحالية لهؤلاء العمال قدراً كبيراً من الأمن الاقتصادي. قد يتفاقم تأثير الأتمتة في المستقبل بالطبع. وستظهر الأبحاث الإضافية ما يحدث لصافي العمالة بعد الأتمتة، وللموظفين حديثاً بعد تفعيل الأتمتة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!