تجسدت إحدى الاستجابات لأزمة المناخ التي نعاني منها اليوم في الاعتقاد بأنّ الأسواق والابتكار المؤسسي سيوفران الحل المناسب. وكما أعلن عملاق الأعمال ريتشارد برانسون في العام 2012: "خيارنا الوحيد لوقف تغيّر المناخ هو في جعل الصناعة تكسب المال من هذا الأمر". لذلك، في حين أنّ الشركات هي المساهم الرئيسي في تصاعد انبعاثات الغازات الدفيئة، إلا أنها تقدم أيضاً طرقاً مبتكرة في تخليص اقتصادنا من الكربون. ولكن ما مدى الثقة التي يمكننا أن نوليها للشركات في مجال إنقاذنا من تغيّر المناخ؟

نستكشف في دراسة نُشرت ضمن "مجلة أكاديمية الإدارة"، كيف تترجم الشركات التجارية الكبرى التحدي الخطير لتغيّر المناخ إلى استراتيجيات وسياسات وممارسات على مدى فترة طويلة من الزمن. وشملت دراستنا تحليلاً مفصلاً شاملاً يعتمد على مقاطعة المعلومات لخمس شركات كبرى تعمل في أستراليا على مدى 10 سنوات، من العام 2005 إلى العام 2015. ومن خلال تحليل نوعي مفصّل، قمنا بفحص تقارير الشركات وحملاتها الإعلامية وبيانات سياساتها، كما حللنا أكثر من 70 مقابلة أجريت مع كبار المدراء من هذه الشركات. أصبح تغيّر المناخ خلال هذه الفترة قضية مركزية في النقاش السياسي والاقتصادي، ما أدى إلى مجموعة من المخاطر والفرص التنظيمية والتسويقية والمادية. وكانت كل من هذه الشركات الخمس في طليعة الشركات المشاركة في إيجاد حل لهذه المسألة.

على الرغم من العمل في مجالات صناعية مختلفة (الطاقة، والتصنيع، والخدمات المصرفية، والتأمين، ووسائل الإعلام)، وجدنا نمطاً مشتركاً من الاستجابة مع مرور الوقت: إذ تقلّصت البيانات الأولية للريادة في مجال حماية المناخ لتعود إلى الاهتمامات العادية المرتبطة بالنشاط التجاري التقليدي للشركة. وبعبارة أخرى، تحول الحديث عن معالجة تغيّر المناخ باعتباره الشيء الصحيح الذي يجب القيام به في نهاية المطاف إلى محادثة حول كيفية تأثير مبادرات تغيّر المناخ على النتيجة النهائية بالنسبة للشركات. وكانت الانتقادات المستمرة الموجهة من قبل المساهمين ووسائل الإعلام والحكومات وغيرها من الشركات والمدراء، من العوامل الرئيسية في هذا التدهور الذي طرأ على المبادرات البيئية للشركات. وكشف "انتقاد السوق" المتواصل هذا عن التوترات الكامنة بين ضرورات التخلص الجذري من الكربون وضرورات الأعمال الأكثر أهمية بالنسبة للربح وقيمة الأسهم.

وجد بحثنا أنّ الترجمة المؤسسية لتغير المناخ شملت ثلاث مراحل رئيسة. في مرحلة التأطير الأولى، قدّم كبار المدراء التنفيذيين تغيّر المناخ على الصعيدين الخارجي والداخلي على حد سواء باعتباره قضية تجارية ملحة اجتماعياً واستراتيجياً وحددوا كيف يمكن لشركاتهم تقديم الحلول. وهنا، ربط المدراء تغيّر المناخ بمعان محددة مثل "الابتكار" و"الفرصة" و"القيادة" و"النتائج المربحة للجانبين" مع استبعاد الفهم السلبي أو المهدد مثل "الهم والغم" و"التنظيم" و"التضحية". كما قال مدير الاستدامة العالمية في إحدى المؤسسات التي شملتها دراسة الحالة لدينا: "إننا نكشف اللثام عن زيف الخيار القائل بضرورة الاختيار بين الاقتصاد القوي والبيئة. نحن نبحث عن المنتجات التي سيكون لها تأثير إيجابي وقوي على البيئة والاقتصاد على حد سواء ".

وفي حين اعترفت بيانات النوايا العامة هذه بالتوتر بين المصالح المؤسسية والمصالح المناخية، إلا أنه لم يتم التوصل أبداً إلى إقناع أصحاب المصلحة بفوائد المبادرات المناخية. ووجدنا أنه استجابة لمرحلة التأطير هذه، ظهرت انتقادات بين أصحاب المصلحة والعملاء الذين شعروا أنّ الجهود البيئية للمؤسسات تفتقر إلى الإخلاص أو إلى الارتباط بالأعمال. وفي المرحلة الثانية إضفاء الطابع المحلي، سعى المدراء إلى جعل هذه الأطر الأولية ذات صلة مباشرة من خلال تنفيذ ممارسات تتميز بتحسين الكفاءة البيئية (مثل الحد من استهلاك الطاقة وإعادة تركيب الإضاءة واستخدام الطاقة المتجددة)، والاهتمام بالمنتجات والخدمات "الخضراء"، والترويج للحاجة إلى العمل على الصعيد المناخي. كما تم تطوير تدابير داخلية قيّمة بالنسبة للشركات لإظهار الحالة التجارية للاستجابات المناخية، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر التوفير الناجم عن انخفاض استهلاك الطاقة، وتدابير زيادة رضا الموظفين ومشاركتهم، وأرقام المبيعات من المنتجات والخدمات "الخضراء" الجديدة، وآليات تسعير الكربون. وسعت الشركات إلى شرح فوائد هذه التدابير للموظفين داخلياً من خلال مبادرات تغيير ثقافة الشركات، فضلاً عن الدعوة إلى اتخاذ إجراءات مناخية في ما يتعلق بأصحاب المصلحة الخارجيين مثل الزبائن والعملاء والمؤسسات غير الحكومية والأحزاب السياسية.

ومع ذلك، وجدنا أنّ هذه المبادرات جذبت على مدى سنوات انتقاداً متجدداً من مدراء ومساهمين ووسائل إعلام وسياسيين آخرين. وفي المرحلة الثالثة التطبيع، تراجعت في نهاية المطاف مبادرات تغيّر المناخ وأعطيت الأولوية لمسائل السوق. في هذه المرحلة، تم كسر التسوية المؤقتة بين مسائل السوق والشواغل الاجتماعية/البيئية، حيث سعى المدراء التنفيذيون للشركات لإعادة تنظيم المبادرات المناخية بحيث تتماشى مع منطق الشركات المهيمن في تعظيم قيمة الأسهم. وشملت المحفزات لهذا التغيير انخفاض ثروات الشركات، والرؤساء التنفيذيين الجدد الذين روجوا لاستراتيجية "العودة إلى الأساسيات"، وهو سياق سياسي متحول لا يركز على تدابير السياسة التي تركز على المناخ، والفرص التجارية الجديدة المتعلقة بالوقود الأحفوري، وتخفيف المبادرات المناخية في نطاق برامج أوسع وأقل تحديداً "للاستدامة" و"القدرة على الصمود". وقال أحد كبار المدراء في شركة تأمين كبرى: "انظر، كان كل هذا أمراً لطيفاً في أوقات الرخاء ولكننا الآن في أوقات عصيبة. علينا العودة إلى الأشياء الجوهرية".

تسلّط دراستنا الضوء على قيود السياسة التي تعتمد فقط على استجابات السوق لأزمة المناخ. فأولاً، تعمل الشركات اليوم على أهداف قصيرة الأجل لتعظيم الأرباح وعائدات الأسهم. وثانياً، يتطلب تجنب التغيّر الخطير للمناخ إزالة الكربون بصورة جذرية من الطاقة والنقل والتصنيع على نطاق لم يسبق له مثيل تاريخياً. وبسبب هاتين الحقيقتين، علينا تخيل مستقبلاً يتجاوز الافتراضات المريحة للتنظيم الذاتي للشركات و"حلول السوق" وبدلاً من ذلك علينا قبول الحاجة إلى فرض قيود تنظيمية على انبعاثات الكربون واستخلاص الوقود الأحفوري. كما يجب علينا أيضاً إعادة النظر في الغرض من الشركات وهيمنة قيمة الأسهم على المدى القصير باعتبارها المعايير البارزة في تقييم أداء الأعمال.

يمكنك القول إذاً أنّ بحثنا يسلّط الضوء على حقيقة غير مريحة بالنسبة للسياسيين ورجال الأعمال على حد سواء: ولا يمكننا الاعتماد ببساطة على الشركات والأسواق للتصدي لأحد أخطر التهديدات لمستقبلنا الجماعي.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!