حيادية الإنترنت هو مبدأ أساسي ولكنه ممتلئ بالثقوب على نحو ملحوظ مثل الاسفنج. هذا المبدأ يعني أنه لا يجب على مزودي الإنترنت ذات النطاق العريض حظر أية مواقع ويب أو خدمات عبر الإنترنت أو إبطاء سرعتها أو ممارسة تمييز ضدها على نحو غير عادل. وعلى الرغم من أن حيادية الإنترنت فكرة بسيطة، فقد تبين مدى صعوبة ترجمتها في واقع السياسات الأميركية. فهي تقف على نحو غير مريح عند تقاطع هندسة الإنترنت عالية التقنية ومبادئ القانون الإداري التي تتشابه معها في درجة تعقيدها. حتى أن مصطلح "حيادية الويب" بحد ذاته لم يصغه مهندس بل أكاديمي قانوني في عام 2003.

منذ انتخاب دونالد ترامب، زادت حدة الخطاب المنذر من الزوال الوشيك لحيادية الإنترنت، ومع كل إجراء يتخذه الرئيس الجديد للجنة الاتصالات الفدرالية (FCC) أجيت باي، يهب المدافعون عن حقوق المستهلكين للتحذير من موت الحيادية و"نهاية الإنترنت كما نعرفها". ويحذر هؤلاء الشركات والمستهلكين من أن المشرِّعين الجمهوريين متحدون في تصميمهم ليس فقط على تعديل قانون الإنترنت المفتوحة Open Internet Order الصادر عن لجنة الاتصالات الفدرالية في عام 2015، بل على "قتل" الإنترنت المفتوحة وحتى "تدميرها" و"تفكيكها" أو "إلغائها" في أقرب الآجال.

رغبة مني في استكشاف ومعاينة هذه المشكلات، جمعت بعض أهم الأسئلة حول حيادية الويب وقانون 2015 الذي رسخ قواعد لوائح وأنظمة المرافق العامة الصادرة في حقبة ثلاثينيات القرن الماضي. ولكي أكون واضحاً، علي أن أقول إنني أتفق مع ريد هايْستنغز الرئيس التنفيذي لشركة نتفليكس الذي أقر مؤخراً أن مبادئ حيادية الإنترنت كانت وستظل مطبقة بصرامة ليس بفضل الأنظمة واللوائح نفسها، وإنما بفعل القوى القوية المحركة للسوق. ووجهة نظري بسيطة للغاية: معظم الجهود التي تبذل لتنظيم الإنترنت تزيد الأمور سوءاً على المدى الطويل، أو في الحالة التي بين أيدينا، خلال فترة أقرب بكثير. هنا، تعد الجهود المبذولة لتحويل الشركة المزودة لخدمات الإنترنت إلى مرافق خدمية علاجاً أسوأ من المشكلة بكثير.

لنبدأ باستعراض اللاعبين الأساسيين. لدينا في البدء لجنة الاتصالات الفدرالية والتي تمثل إلى جانب هيئات أخرى منافِسة لها أحياناً، بما في ذلك لجنة التجارة الفدرالية، الهيئات الأميركية الرئيسية المنظِمة لاستخدام الإنترنت. وهناك الرئيس الذي يعيِّن أعضاء اللجان والكونغرس وهو المسؤول الوحيد عن تفويض سلطات تشريعية إليها.

ثم هناك الشركات في منظومة بيئة الإنترنت المتكاملة، وهي غالباً ما تنقسم إلى "مزوِّدي المحتوى" مثل جوجل وفيسبوك ونتفليكس وموفِّري "البنية التحتية" بما في ذلك المجموعات الهندسية ومزودي خدمات الإنترنت والشركات التي تدعم العمود الفقري للإنترنت. (يصبح التمييز بينها غير ذي معنى بمرور الوقت). وكما هي الحال مع القضايا الأخرى، هناك مجموعات مناصَرة مقرها واشنطن العاصمة، تدلي بصورة متكررة بتصريحات صحافية الكثير منها على صلة بتأييد اعتماد لوائح منظِّمة لشبكة الإنترنت أو رفضه.

ثانياً، من المهم فهم قانون الإنترنت المفتوحة لعام 2015. هذا القانون يتضمن اللوائح المنظمة الصادرة عن لجنة الاتصالات الفدرالية التي دافع عنها الرئيس أوباما وأرست أنظمة الحيادية الجديدة على أسس القوانين القديمة المنظمة للمرافق العامة التي وُضعت في الأصل لتنظيم احتكار شركة بيل Bell السابقة لخدمة الهاتف. مثَّل القانون المعتمد عام 2015 بصورة أساسية تحولاً جذرياً في السياسة العامة من الشبكات الخاصة المتنافسة إلى اعتبار الإنترنت ذات النطاق العريض من المرافق العامة، بمعنى "إعادة تصنيفها"، وشكلت سلطة إنفاذ حيادية الشبكة مجرد نتيجة جانبية له.

اعتُمد القانون في أوائل عام 2015، بغالبية 3 أصوات مؤيدة وصوتين معارضين، في تصويت جرى على أساس الانتماء الحزبي (وكان أجيت باي أحد المفوضين الذين صوتوا ضده، وهو ما سأتحدث عنه بمزيد من التفصيل لاحقاً.) في ذلك الوقت، أشاد المدافعون عن إعادة التصنيف على أساس أنه ضروري لحيادية الويب. لكن إعادة التصنيف، بمعزل عن قواعد حيادية الإنترنت، لم تحظ بتأييد كبير لدى مزودي النطاق العريض الذين كانوا إلى جانب مجموعات هندسة الإنترنت وشركات مثل جوجل ونتفليكس قلقين من أن تلجأ لجنة الاتصالات الفدرالية إلى استخدام سلطات المرافق العامة الواسعة التي منحتها لنفسها لتنظيم شبكة الإنترنت بما يتعدى السهر على حيادية الشبكة.

إذا راجعت لجنة الاتصالات الفدرالية أو الكونغرس أو حتى قلبا تصنيف المرفق العام، ألا يعني ذلك نهاية حيادية الإنترنت؟ لا. مبادئ الإنترنت المفتوحة (مثلما درجت لجنة الاتصالات الفدرالية على تسمية حيادية الويب) سابقة على قانون 2015. وعندما وجدت محكمة في عام 2010 أن لجنة الاتصالات الفدرالية تفتقر إلى السلطة اللازمة لإنفاذها، حولتها الهيئة إلى لوائح تنظيمية وأضفت عليها طابعاً رسمياً. لكن المحكمة نفسها رفضت هذا الإجراء في عام 2014 وخلصت إلى أن لجنة الاتصالات فشلت في تبيان حيازتها تفويضاً لممارسة السلطة القانونية من الكونغرس، الأمر الذي عجَّل في صدور قانون سنة 2015.

وبالتالي، لم تكن هناك خلال معظم تاريخ الإنترنت التجارية لوائح رسمية تنظم حيادية الشبكة. ومع ذلك، وخلال عقد من الشجار بين المؤسسات والهيئات الحكومية في العاصمة واشنطن، حددت لجنة الاتصالات الفدرالية مرة واحدة فقط انتهاكاً للمبادئ أمكن ربما منعه من خلال إنفاذ إحدى نسخ اللوائح التنظيمية المعتمدة.

قد يعود السبب في هذا إلى حد كبير، حتى بدون لجنة الاتصالات الفدرالية، إلى أن أنواع السلوك التي تحظرها حيادية الإنترنت إما أنها تؤدي إلى نتائج عكسية بالنسبة لمزودي الإنترنت ذات النطاق العريض في حال الإنخراط فيها أو أنها غير قانونية بالفعل بموجب قوانين مكافحة المنافسة التي تحرص لجنة التجارة الفدرالية على تنفيذها.

بما أن لجنة التجارة الفدرالية تتولى بالفعل دور "شرطي الإنترنت"، فما الذي تحتاج لجنة الاتصالات الفدرالية لتنظيمه؟

لطالما كانت معركة حيادية الإنترنت في جزء منها صراعاً على النفوذ بين الهيئات الفدرالية، وكل من لجنة التجارة ولجنة الاتصالات تسعى إلى إثبات حضورها وأهميتها من جديد في نظام بيئة الإنترنت الناشئة، ومع ذلك، فإن إحدى النتائج غير المقصودة لإعادة تصنيف النطاق العريض كمنفعة عامة هي أن لجنة الاتصالات الفدرالية قطعت صراحةً الطريق على لجنة التجارة الفدرالية وانتزعت منها سلطة الإشراف على المرافق. والعودة عن التصنيف مع الحفاظ على قواعد حيادية الإنترنت، وهو إجراء يُنظر فيه الآن في لجنة الاتصالات الفدرالية والكونغرس، من شأنه أن يعيد سلطة الإشراف لكلا الهيئتين.

لكن الإنترنت "خدمة حيوية"، أليس كذلك؟ لماذا لا يجب أن تكون مرفقاً عاماً؟ أصبحت البنية التحتية للنطاق العريض حيوية بلا شك بالنسبة إلى شركات الأعمال والمستهلكين على حد سواء كمصدر رئيسي للنمو الاقتصادي والإنتاجية. لكن التعريف القانوني لها بصفتها "منفعة عامة" هو أكثر من مجرد إقرار بهذه الأهمية. فعلى امتداد أكثر من قرن، دأب الاقتصاديون على التحذير من أن التعامل مع البنية التحتية على أنها احتكار شبه عام يجب أن يمثل فقط الملاذ الأخير للتغلب على الإخفاقات الشديدة في السوق.

ذلك لأن معالجة المرافق ذات تكلفة عالية. فالمنفعة الاحتكارية أو البلدية، لا تتنافس بحكم تعريفها مع أي كان، وهو ما يلغي الحوافز للاستثمار والابتكار وخدمة العملاء والصيانة. وأوضح دليل مؤلم على ذلك الحالة المحزنة لمعظم أنظمة الكهرباء والمياه والنقل الجماعي في الولايات المتحدة الأميركية.

بالمقارنة، أنفق مستثمرو القطاع الخاص ما يقرب من 1,5 تريليون دولار على شبكات النطاق العريض السلكية والجوالة المتنافسة على مدار العشرين عاماً الماضية، وهم على استعداد لتسريع جهودهم إذا تم إلغاء تصنيف المرفق العام. وعلى الرغم من أن المستهلكين في المناطق الريفية والجبلية ربما لم يحصلوا بعد على التدفق الأسرع للإنترنت، وعلى عكس ما يدعي أنصار المرافق العامة، يثير نشر انتشار خدمة النطاق العريض في الولايات المتحدة والتسعير حسد الكثير من سائر دول العالم.

إذن، إذا جرى التراجع عن قانون المنفعة العامة، كيف سيتم الحفاظ على حيادية الشبكة؟ هناك العديد من الخيارات. يمكن للجنة الاتصالات الفدرالية على سبيل المثال، مراجعة قانون 2015 انسجاماً مع قرار قضائي صدر في 2014 سماه حتى رئيس لجنة الاتصالات السابق توم ويلر في البداية "خارطة الطريق" على الرغم من أن ذلك لن يؤدي سوى إلى تأجيل إمكانية إعادة التصنيف حتى الإدارة القادمة. ومن شأن عدم الاتساق خفض استثمار الشركات، وهو أمر لا يرغب به أحد.

هناك حل أفضل وهو اعتماد قواعد حيادية الشبكة ضمن قانون فدرالي. وهذا هو بالضبط ما اقترحه الجمهوريون في مجلسي النواب والشيوخ في أواخر عام 2014. قدم رئيسا لجنتي التجارة بالكونغرس، تحت إشراف لجنة الاتصالات الفدرالية، مشروع قانون تعد لوائح حيادية الإنترنت التي يتضمنها أقوى بكثير حتى من تلك التي وافقت عليها لجنة الاتصالات الفدرالية في عام 2010. ومن شأن مشروع القانون الجمهوري على سبيل المثال أن يمنع مقدمي خدمات الإنترنت بشكل وقائي من حظر المواقع الإلكترونية أو إبطاء حركة تدفق المعلومات أو إعطاء أولوية للمحتوى كخدمة مدفوعة (في ما يُسمى "الممرات السريعة").

أوضح مشروع القانون ذاك أيضاً أن الكونغرس لم يقصد بتاتاً أن تكون لدى لجنة الاتصالات سلطة تقديرية لتحويل النطاق العريض إلى مرفق عام حسب رغبتها، وإخضاعه بذلك لتنظيم الأسعار وغيرها من أساليب الإدارة الجزئية. لكن بما أن الديمقراطيين كانوا يتوقعون الفوز بالبيت الأبيض في انتخابات 2016، فإنهم لم يبدوا أي اهتمام بتمرير مشروع القانون، واثقين من أن لجنة الاتصالات الفدرالية عندما تكون برئاسة شخص تختاره هيلاري كلينتون ستدعم قانون 2015. حتى بعد انتخاب ترامب، أوضح الجمهوريون أنهم لا يزالون مهتمين بالتوصل إلى تسوية بين الحزبين حول هذه المسألة.

لن يوافق مقدمو خدمات النطاق العريض على الإطلاق على مثل هذا القانون، أليس كذلك؟ بلى سيفعلون. مزودو خدمات الإنترنت، مثل أي شخص آخر، غير راضين عن حالة الإرباك التي لا تنتهي حول حيادية الإنترنت ويؤيدون التوصل إلى حل تشريعي دائم. وعلى الرغم من اعتراض بعض مقدمي الخدمات على صياغة بعض الأنظمة في الماضي، إلا أنهم لا يعترضون على حيادية الشبكة بحد ذاتها. لقد مارسوا ذلك في الواقع خلال ما يقرب من عقدين عندما لم يكن لدى لجنة الاتصالات الفدرالية أي قواعد تلزمهم بذلك.

كانت شركة فيريزون Verizon عملياً المزود الوحيد للنطاق العريض الذي تحدى اللوائح التنظيمية الصادرة في 2010، وذلك لأسباب قانونية تقنية للغاية. وفي التقاضي المستمر بشأن قانون المنفعة العامة لعام 2015، طعن مزودو خدمات الإنترنت الآخرون في جوهر عملية إعادة التصنيف ومجرياتها، ولكن، هنا أيضاً، لم يعترضوا على القواعد بحد ذاتها.

تدعم فيريزون التي تغير نموذج أعمالها بشكل كبير منذ عام 2010 اليوم بعض جوانب قانون 2015 التي اعترضت عليها حتى بعض مجموعات المناصرة. وتظل كل من كومكاست Comcast و"اي تي أند تي" AT&T خاضعتين لإصدارات مختلفة قليلاً من القواعد بغض النظر عما يحدث لقانون 2015، بعد أن التزمت بها كشرط لعمليات الدمج الأخيرة.

هذا يعيدنا إلى الرئيس ترامب: ألم يعد بإنهاء حيادية الإنترنت؟ ليس تماما. يستغل بعض الأشخاص تغريدة واحدة تعود لعام 2014، حتى قبل أن يصبح ترامب مرشحاً حين أشار إلى حيادية الإنترنت باعتبارها أداة بيد الرئيس أوباما "لانتزاع السلطة من أعلى إلى أسفل". هذا التعليق (وهو الوحيد الذي أعرفه حول هذا الموضوع) جاء بعد يوم من طلب البيت الأبيض الذي أدى إلى إعادة التصنيف التي جرت في 2015 والتي كانت السبب الفعلي لاعتراض ترامب. وهو لم يقل شيئاً منذ ذلك الحين.

موقف ترامب غير واضح في أحسن الأحوال، وكذلك مدى اهتمامه بحيادية الشبكة. والآن، بعد تعيين باي رئيساً جديداً للجنة الاتصالات الفدرالية، ليس لترامب تأثير كبير مباشر على اللجنة التي تعمل، بموجب القانون، كهيئة خبرة مستقلة. يعمل باي، الذي تعاون مع لجنة الاتصالات خلال معظم حياته المهنية، بالفعل من أجل تحسين شفافية الهيئة وجعل خطواتها مدروسة ومعروفة.

لكن الرئيس باي "عدو" لحيادية الإنترنت، أليس كذلك؟ اعترض باي بشدة على إعادة تصنيف الإنترنت كمنفعة عامة، لكنه أيد على الدوام مبادئ حيادية الشبكة. قبل تعيينه رئيسا للجنة وبعد ذلك، تعهد باي مراراً بحماية الأفكار الأساسية وراء حيادية الإنترنت، بما في ذلك، كما يصفها، "حرية الوصول إلى المحتوى المتماشي مع القانون وحرية استخدام التطبيقات وحرية ربط الأجهزة الشخصية بالشبكة وحرية الحصول على معلومات خطة الخدمة".

أما الوعد المقتبس خطأ وبصورة متكررة عن باي والذي قطعه في 2016 عندما قال إنه سيجتز "بقاطعة أعشاب" قواعد لجنة الاتصالات الفدرالية التي عفا عليها الزمن، فلم يكن له أي علاقة بحيادية الشبكة. لقد كان في الواقع يردد أوامر تنفيذية متعددة صادرة عن الرئيسين أوباما وكلينتون والتي تطالب رؤساء الهيئات الفدرالية بالتخلص من القواعد الفدرالية القديمة الواردة في النصوص الرسمية.

لقد صوّت باي ضد قانون 2015، لكن معارضته كانت بالكامل تقريباً تستهدف المخاطر القانونية والاقتصادية لإعادة تصنيف المرفق العام، فضلاً عن العملية غير النظامية التي استبدلت بها الوكالة خطة البيت الأبيض من أجل "خارطة طريق" ويلر الأصلية.

ألا يعتمد مزودو المحتوى مثل جوجل ونتفليكس وكذلك الشركات الناشئة على حيادية الإنترنت؟ ينشغل المدافعون عن توسيع أنظمة المرافق العامة لتنطبق على مزودي النطاق العريض باستحضار سيناريوهات أسوأ الحالات لأي تغيير قد يطرأ على قانون 2015، ويصرون على سبيل المثال على أن مقدمي خدمات الإنترنت سيبدأون على الفور في فرض رسوم على مزودي المحتوى مثل الرسوم التي تفرضها جوجل ونتفليكس لتوصيل المعلومات إلى المشتركين لديهما، وبعبارة أخرى القضاء على ساحة اللعب التي تضمن للمستهلكين فرصاً متساوية للحصول على خدمات الإنترنت.

هذه التنبؤات تتجاهل عن قصد الحقائق الفنية والتجارية والقانونية التي تجعل مع ذلك فرض مثل هذه الرسوم أمراً غير محتمل، إن لم يكن مستحيلاً. وذلك لسبب بسيط، هو أنه خلال العقدين الأخيرين، حين لم تكن هناك قواعد تنظم حيادية الشبكة، لم يجد مزودو خدمات الإنترنت سبباً تجارياً يدفعهم للضغط على نظام الإنترنت المفتوحة. وهذا في جزء منه نتيجة لضغط تنافسي مكثف بين مزودي خدمة الجوال وبشكل متزايد بين مزودي خدمات الإنترنت المتنقلة والسلكية. في النطاق العريض، يملك مزودو المحتوى نفوذاً على مزودي خدمات الإنترنت وليس العكس، وهو ما أقرت به نتفليكس مؤخراً بتجاهل المخاوف بشأن "إضعاف" قواعد الحيادية.

قد يكون هذا هو السبب في عدم استحسان جوجل ونتفليكس فكرة إعادة تصنيف الإنترنت كمرفق عام. عارض رئيس جوجل التنفيذي السابق إريك شميدت ذلك حينها، معبراً عن قلقه من أن تعني إعادة التصنيف "البدء في وضع لوائح منظمة لأشياء كثيرة على الإنترنت"، وهو قلق أبدته كذلك جمعية الإنترنت Internet Society وغيرها من المجموعات الهندسية غير الحزبية. وأعادت نتفليكس النظر في موقفها بعد صدور قانون 2015 بعد إدراكها أن تنظيم عمل خدمة النطاق العريض على أنها مرفق عام قد يمتد يوماً ليشمل سلوكها غير المحايد.

من النقاط التي يساء فهمها بشكل متكرر أن تدخل نتفليكس المتأخر في النزاع بشأن قانون 2015 لم يكن بشأن تجنب دفع رسوم في المستقبل على خدمة التوصيل المتكاملة لمحتواها. عوضاً عن ذلك، طلبت الشركة من لجنة الاتصالات الفدرالية أن تفرض مجانية ربط شركائها في حركة المرور بالجملة وشبكات توصيل المحتوى الخاصة بها المدمجة في جميع مرافق تزويد خدمة الإنترنت، وهو ما وصفته الشركة بشكل مربك بالحيادية "القوية" للإنترنت.

على الرغم من الادعاء بأن مزودي خدمة الإنترنت عمدوا إلى "خنق" حركة مرور محتوى نتفليكس، فقد تبين أن التباطؤ في حركة المرور في 2014 (الذي اكتسب مزيداً من الاهتمام بعد أن علا صوت الكوميدي الشهير جون أوليفر بالشكوى من المشكلة) سببه أحد مزودي خدمات النقل لدى نتفليكس نفسها. كان مزود خدمة النقل قد تجاوز السعة فخفض الخدمة في أوقات الذروة لعملاء الجملة مثل نتفليكس دون إشعار المعنيين. تدفع نتفليكس في الواقع سعراُ أدنى من سعر السوق للتوصيل البيني، وهي تكاليف متدنية جداً بحيث أنها لا تظهر حتى في البيانات المالية.

رفضت لجنة الاتصالات الفدرالية أن تشمل "الحيادية" جوهر الشبكة في قانون 2015، وسرعان ما فقدت نتفليكس الاهتمام في النقاش الدائر.

هل يتعين على قادة الأعمال التدخل للحفاظ على حيادية الإنترنت؟ هذا النوع من المقاومة الواسعة النطاق التي ينادي بها دعاة اعتبار الخدمة منفعة عامة في معركة الحيادية المتجددة سيكون مضللاً إلى حد كبير ويؤدي إلى نتائج عكسية، لا سيما إذا وُجهت سهامها إلى لجنة الاتصالات الفدرالية ورئيسها باي. ومثلما لوحظ، تستند الهيئة في قراراتها التنظيمية على التحليل الاقتصادي والتقني الفعلي وليس على حركات المناصرة، بغض النظر عن مدى حماستها ونشاطها. لا يمكن بالطبع القول أن الأمر كان كذلك على الدوام، وخصوصاً في السنوات القليلة الماضية، لكن باي التزم بأن تستعيد اللجنة حياديتها.

ما يمكن لقادة الأعمال داخل وخارج بيئة الإنترنت أن يفعلوه وما ينبغي عليهم فعله هو تشجيع الكونغرس على اتخاذ خطوات نهائية لحماية الإنترنت المفتوحة مع الحفاظ على بيئة استثمارية ضرورية لتوسيع النطاق العريض وتحسينه بصورة دائمة. من الصعب تخيل أن يختلف أحد مع هذا الهدف أو مع حل دائم لمشكلة ابتُلي بها المشرعون والقطاع على حد سواء لفترة طويلة.

يعمل الكونغرس ولجنة الاتصالات الفدرالية بالفعل على تحديد الخطوات الأكثر فاعلية للتراجع عن إعادة تصنيف المرفق العام ووضع مبادئ حيادية الإنترنت على أساس قانوني متين وإلى الأبد. ترقبوا ما ستفعله لجنة الاتصالات الفدرالية والتشريعات المنقحة التي من شأنها أن تفعل ذلك في وقت ما في الأشهر القليلة المقبلة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!