أصبحت "البيانات الضخمة" جملة شديدة الانتشار لدرجة تجعل الجميع في كافة وظائف الشركات يشعرون أنهم ملزمون بالتخطيط لكيفية استخدام هذه البيانات من أجل تطوير عملياتهم. وهذا ينطبق على أقسام الموارد البشرية التي تنفق الشركات فيها معظم أموالها وحيث تكمن القيمة الحقيقية للشركة كما نعتقد.

وأحد الأسباب الذي يدفعنا لإيلاء أهمية كبيرة للبيانات الضخمة في قسم الموارد البشرية هو الضغط الذي يتعرض له هذا القسم دائماً كي يزيد من استخدام التحليلات، وهناك ما يبرر هذا الأمر نوعاً ما. إذ يعتقد بعض المفكرين التواقين أن تطبيق تقنيات البيانات الضخمة سيخلص قسم الموارد البشرية بطريقة ما من بعض الصفات التي يبغضونها فيه، كإحساسهم أنه يركز على المسائل السهلة والبسيطة ولا يعطي تفاصيل العائد على الاستثمارات ذات الصلة بالموارد البشرية.

وكما هو حال في جميع الأمور التي تحظى بضجة واهتمام كبيرين لفترة معينة في عالم الأعمال، تتمتع البيانات الضخمة بأهمية كبيرة في بعض المجالات، ولكنها ليست على ذات القدر من الأهمية في مجالات أخرى. والموارد البشرية بتعريفها الحرفي لا تحتوي على بيانات ضخمة فعلياً، أو بدقة أكبر، تكاد لا تحتوي أي بيانات ضخمة على الإطلاق. تضمّ معظم الشركات آلاف الموظفين، وليس الملايين، ولا تزال مراقبة معظم الموظفين تتم بصورة سنوية. وفي الشركات من هذا الحجم ليس هناك أي سبب يدفع قسم الموارد البشرية لاستخدام البرامج والأدوات المخصصة للبيانات الضخمة.

وبالنسبة لمعظم الشركات، تكمن الصعوبة في قسم الموارد البشرية باستخدام البيانات أساساً، ويرجع ذلك لوجود البيانات الخاصة بمهامه المختلفة ضمن قواعد بيانات مختلفة، كالتوظيف وإدارة الأداء مثلاً، وإن لم نتمكن من جعل البيانات في هذه القواعد متسقة لن نجد أي طريقة لطرح الأسئلة حتى الأساسية منها، كأن نسأل عن صفات المتقدمين التي تساعد على توقع صاحب الأداء الجيد منهم. وباختصار، معظم الشركات لا تحتاج إلى علماء بيانات خارقين، بما فيها العديد من الشركات الكبيرة، بل تحتاج إلى مدراء لقواعد البيانات من أجل ترتيب البيانات، وهم بدورهم لا يحتاجون سوى إلى برامج بسيطة قد لا تتجاوز جداول إكسل التي تمكنهم من إجراء التحليلات اللازمة في أغلبية أقسام الموارد البشرية.

كما يوجد اختلاف كبير آخر في تحليلات الموارد البشرية وهو أن المسائل المهمة حقاً تبقى قيد الدراسة لوقت أطول من معظم المواضيع الأخرى في الشركة، كسؤال: "ما الذي يحدد المتقدم المناسب للتعيين؟"، الذي تتم دراسته منذ الحرب العالمية الأولى بنفس الأسلوب تقريباً. وبذلك تكاد تنعدم فكرة إدخال تقنيات استكشافية كتعلم الآلة من أجل تحليل بيانات الموارد البشرية لمحاولة التوصل إلى بيانات ضخمة لم نكن نعرفها من قبل.

فلننظر إلى الجهود بالغة الأهمية التي تبذلها جوجل منذ أعوام من أجل تحليل بيانات موظفيها، والتي تتمثل بمبادرات مثل "مشروع أوكسيجين"، وهو مشروع مستمر على مدى عدة أعوام تم تصميمه من أجل محاولة اكتشاف ما يتميز به المدير الجيد، وهو جهد حقيقي ومهم أكثر مما بذلته أي شركة أخرى.  فقد كانت معظم نتائج هذه الجهود المكثفة مماثلة للنتائج التي اكتشفتها الأبحاث منذ عقود مضت، والتي يمكن العثور عليها في الكتب. ولكن لا يعني ذلك أن هذه النتائج ليست جديرة بالجهود المبذولة لاختبار مفعول افتراضات الإدارة المعيارية تلك في مؤسساتنا. وإنما ببساطة، لا يمكننا توقع أن نجد فيها بيانات ضخمة وجديدة.

تفرض طبيعة بيانات الموارد البشرية بعض القيود الفريدة على التحليلات. فالشركات الموجودة في الاتحاد الأوروبي مثلاً تعلم أنه ليس من السهل نقل بيانات الموظفين بصورة قانونية عبر حدود الدول الأخرى، كما لا يمكن للشركات متعددة الجنسيات تفحص بيانات الموظفين بصورة قانونية في عدة دول في نفس الوقت. وفي الولايات المتحدة، نجد أن تحليلات بيانات الموظفين التي يمكنها كشف احتمال وجود تأثير سلبي على الفئات المحمية (تتقاضى موظفاتنا الإناث في هذه الوحدة أجوراً أقل من الذكور، مثلاً) تثير الحاجة إلى الاستجابة بإجراءات قانونية ثم إدارية لا يمكن القيام بها في أقسام أخرى من الشركة. ولذلك يجب أن يتوخى قسم الموارد البشرية الحذر من تسليم بياناته إلى أقسام أخرى لا تعي هذه القيود.

إذن، ما الذي يجب على قسم الموارد البشرية عمله بالبيانات بعد أن نرتب مجموعاتنا منها؟ سيكون من المجدي البدء بالأساسيات في كل مرة نقوم فيها بتحليل البيانات. أولاً، انظر إلى الصورة الكبيرة فقط، أي الرسومات البيانية التي ترسم النتائج في المؤسسة بأكملها ثم النتائج مع مرور الزمن: أين كانت ذروة الانقلابات؟ ومتى حدثت؟ هل هناك مواضع تتكرر فيها شكاوى الموظفين؟ ثانياً، تفحص كمية أكبر من هذه البيانات، مثلاً، سيكون من الجيد الاستعانة باستبانات الموظفين القصيرة والسريعة جداً، وحتى اليومية في بعض الأحيان (استبانات نبض الشركة)، بدلاً عن الاستبانات السنوية والاستبانات الأخلاقية المملة. فالشركات الذكية، كشركة آي بي إم، تجمّع البيانات التي يولدها الموظفون أنفسهم، على مواقع التواصل الاجتماعي التي ترعاها الشركة نفسها مثلاً، من أجل مراقبة حالتهم المعنوية والتعرف على المشاكل التي يواجهونها في مكان العمل.

وأخيراً، يجب أن يحلل قسم الموارد البشرية العلاقات بين البيانات. ابدأ بطرح سؤال عن كيفية ارتباط معايير التوظيف لديك بالأداء الفعلي. وهذا الأمر مهم لأن التوظيف هو أهم عمل تقوم به المؤسسة (ويعود جزء من أهميته إلى استمراريته)، ولأننا أيضاً مطالبون باستخدام معايير توظيف دون أي آثار سلبية على الفئات المحمية.

وفي نهاية المطاف، يبدأ كل شيء بجودة البيانات: فإن كنا لا نرى أن درجات تقييم أدائنا هي مقياس جيد للأداء الفعلي مثلاً، لن نستفيد عندئذ من أي تحليل يحاول توقع من سيكون موظفاً جيداً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!