كان توصيف معظم الوظائف في سوق العمل في بداية التسعينيات من القرن الماضي يعتبر "الخبرة في استخدام نظام ماكنتوش" أو "مهارات عالية في استخدام الكمبيوتر" مؤهلات مفضلة. وسرعان ما أصبحت تلك المهارات مطلباً أساسياً حتى للوظائف التي لا علاقة لها بالتقنية على الإطلاق، ما أجبر الموظفين في جميع القطاعات ومن جميع الأعمار على التأقلم مع تغيرات العصر، وإلا سيجازفون بالتخلف عن الركب.

واليوم، أصبح معيار الكفاءة في استخدام الكمبيوتر أعلى بكثير. فهناك طلب متزايد على الموظفين القادرين على استخدام البرامج للقيام بتحليلات قرارات الشركة اليومية وفهمها وصنعها بناء على البيانات. فعلوم البيانات أصبحت اليوم نظاماً سريع النمو يمنح الموظفين الذين يتمتعون بأي نوع من خبرات البيانات ميزة تنافسية هامة.

وتزداد قناعة قادة الشركات بالأثر الذي يملكه جمع البيانات وتحليلها بكفاءة على المحصلة النهائية، بدءاً من تتبع التقارير اليومية بشأن مؤشرات الأداء الأساسية من أجل اتخاذ قرارات مبنية على المعلومات بشأن مكان إنفاق أموال التسويق، وصولاً إلى مراقبة التواصل مع الزبائن وتقييمه من أجل تعديل عروض المنتج. يستثمر الكثيرون بكثافة في توظيف مواهب ذات الخبرة في البيانات وبناء كفاءة بيانات في المؤسسة بأكملها.

إن كنت تعتبر ذلك خطوة هامة في تقييم شركتك، فهناك الكثير من الأمور التي يمكنك فعلها لتطوير مهارات البيانات لدى موظفيك الحاليين دون إنفاق مبالغ طائلة على المستشارين ذوي الأجور الباهظة أو توظيف خبراء بيانات للعمل بدوام كامل. يبدأ كل ذلك بالتمعن في طريقة لتحفيز الموظفين وبناء أنظمة المكافآت المناسبة لتحقيق هدفك المنشود.

منذ سته أعوام، اشتهر جاك ويلش بإعلانه عن ثلاث طرق أساسية لتحفيز الموظفين: المكافآت المالية والتقدير والرسالة الواضحة. وعلى خلاف فترة 41 عاماً التي قضاها جاك ويلش في شركة جنرال إلكتريك، من المتوقع أن يعمل الموظفون اليوم في 10 وظائف وسطياً قبل بلوغ الأربعين من العمر. ولهذا يجب إضافة مبدأ تحفيز رابع، وهو النمو والتطوير الشخصيين.

كيف يمكن تطبيق كل واحد من هذه المبادئ الأربع في بناء مهارات البيانات في جميع الفرق؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نبدأ بالأساسيات. يتطلب استحداث أي نوع من التحول الثقافي التزاماً طويل الأجل، ويجب أن يكون هذا التوقع معداً منذ البدء لدى جميع الأطراف المعنية المهتمة بإدخال المؤسسة إلى عصر البيانات. وعلى ذلك، إن اتخذت الخطوات الصحيحة منذ البداية ستعدّ نفسك للنجاح في المستقبل، وهذا يبدأ بما يلي:

توجيه الشركة نحو الرسالة الجديدة

بما أن هذه المسؤولية تقع في المقام الأول على عاتق القيادة، يكون سعي المدراء المبكر لجعل شركتهم قائمة على البيانات هو أمر فائق الأهمية، إذ عليهم تشكيل القدوة التي يحتذي بها المشاركون من الفرق والأفراد من أجل اتباع عادات جديدة. وغالباً ما يؤدي أصغر تغيير إلى الأثر الأكبر.

خذ مثلاً اجتماع طواقم العمل الصباحي في بداية الأسبوع، فهو فرصة لمشاركة أهم التحديثات وتوضيح الأهداف قصيرة المدى وتحفيز الفريق للاستمرار بسعيه نحو تحقيق الرؤية الأساسية. هذه هي الفرصة المثالية لتغيير طريقة تواصلك مع الموظفين لكي تتمكن من تسليط الضوء بصورة أفضل على الاستراتيجية التي تتبعها من أجل التغيير.

هل قررت الشركة العمل في سوق أعمال رأسي جديد بناء على البيانات التي يجمعها فريق المبيعات في المجال؟ اغتنم هذه الفرصة لتعلّم الفرق الأخرى في المؤسسة عن طريق توضيح كيف استطاع فريقك النجاح في استخدام البيانات لتلبية الطلب في السوق الجديد، بدءاً من إجراء مقابلات مع الزبائن وصولاً إلى تسجيل الإجابات في جداول ومراجعتها ضمن الفريق.

يمكن لمجرد اتخاذ هذه الخطوة بمفردها تحفيز الآخرين في الشركة على التفكير بشأن طرق تمكّنهم من القيام بالمثل في وظائفهم، وعلى كل، يجب أن ينجح فريق المبيعات في أمر ما ليتميز أثناء اجتماع طواقم العمل.

كما يمكنك تشجيع قادة الفرق والمدراء ليزيدوا من حرصهم على تسليط الضوء على النتائج الناجحة لاستخدام البيانات.

إذا كان مدير مبيعات يقوم بمراقبة أداء جهود المبيعات في سوق رأسي جديد، عندئذ ينبغي أن يكون قادراً على جمع بيانات قيمة سريعاً كي تستفيد بقية المؤسسة من فهمها. قد يكون أحد الأمثلة الجيدة عن بدء تحقيق استخدام البيانات عائد أكبر للمؤسسة هو: "على مدى الأسبوع الماضي وبعد اختيار اثنين من أفضل مندوبي المبيعات لدينا للتركيز على طرح العروض على شريحة الزبائن الجديدة هذه، لاحظنا أن الوقت المستغرق لإنهاء الصفقة مع زبون جديد انخفض من خمسة أيام إلى يومين فقط، مع عقد بحجم 500 دولار وسطياً".

إن تسليط الضوء على الأرباح بهذه الطريقة يحقق عدة أشياء، فهو يبني الثقة لدى الموظفين الذين يرون الآن بوضوح أن الشركة حريصة في طرق صنع القرارات الهامة. كما أنه يحفز الموظفين على الاقتداء بزملائهم للحصول على فرصة بأن تشيد القيادة بهم في اجتماع طواقم العمل المقبل.

يجب أن تشجع القيادة رؤساء عدة أقسام لاتباع منهج مماثل في تواصلهم مع موظفيهم. يمكن الاستفادة من أي اجتماع أمام كامل الفريق من أجل مشاركة الفوائد. ربما وردت أخبار جديدة عن منافس كان قادراً على الاستفادة من أداة جديدة لتحسين قمع التسويق لديه. شارك دراسة هذه الحالات مع الفريق من أجل تشجيعه على التفكير بشأن كيف سيساعدهم تغيير إجراء ما أو أداة جديدة في أداء وظائفهم.

والطريقة الأخرى لجعل البيانات على قمة الاهتمامات هي عرضها في جميع أنحاء المكتب. ركب جهاز تلفاز واعرض عليه بعض تشريعات البيانات. هل تعتبر حركة الإنترنت الآنية مقياساً هاماً يجب أن يراقبه فريقك باستمرار؟ حمل تشريعات من موقع تحليلات جوجل (جوجل أناليتيكس) واعرضه بصورة دائمة. سيبدأ الموظفون بملاحظة التيارات، وصول الحركة إلى القمة أثناء اليوم مثلاً أو وقت وصول نشاط موقع اجتماعي إلى ذروته، وعندئذ سيتمكنون من القيام بنقاشات تبادل أفكار مرتجلة حول كيفية تحسين الأمور الممكنة.

وعندما يبدأ الموظفون بفهم أهمية النظر من خلال عدسة البيانات سيبدي بعضهم رغبة شخصية بتعلم مهارات جديدة في التعامل مع البيانات. وقد ثبت أن زيادة مستوى الاحتراف وتعلم مهارات صعبة جديدة يؤديان إلى رضا أكبر عن الوظيفة وهو السبب الذي يجعل إنشاء فرص التطوير المهني إحدى أفضل الطرق لتحفيز الموظفين.

التركيز على النمو الشخصي للموظفين

من المعروف أن جوجل ركزت على النمو الشخصي لموظفيها من خلال قاعدة 20%، حيث تسمح للموظفين بقضاء 20% من وقتهم في العمل على مشاريع شخصية. وكذلك يمكنك العمل مع مدرائك لإنشاء ثقافة في جميع أرجاء المؤسسة حيث يتم التشجيع على قضاء وقت في دراسة ذاتية حول اكتساب مهارات التعامل مع البيانات.

اطلب من الموظفين قراءة مواد عن كيفية استخدام البيانات في وظائفهم واستعن بتطبيق المحادثة المستخدم داخل الشركة لمشاركة ما يجده الموظفون خلال الأسبوع من مقالات هامة بهذا الشأن.

إن قام أحدهم ببحث معمق في حلّ معين، كتحليلات جوجل مثلاً أو ميكسبانل، امنحه الوقت الكافي أثناء الأسبوع كي يتقن هذه البرامج. كما يمكنك منح المدراء الحرية للموافقة على حلقات بحث ودورات على الإنترنت للموظفين المهتمين ولو كانت مكلفة، ليثبتوا بذلك أن الشركة تهتم حقاً بالاستثمار في موظفيها الموهوبين. وإذا أردت فعل المزيد، يمكنك عرض دفع نفقات الدروس المسائية أو دروس عطلة نهاية الأسبوع حول مواضيع كعلوم البيانات في حال رغب أي موظف أخذها.

ومع نمو الخبرات سيبدأ بعض أفراد الفرق بالمبادرة والتميز عن البقية. وهذه هي الفرصة المثلى للسماح للموظفين بالتعلم من بعضهم البعض.

إن ارتأيت أن أحد الموظفين يتقن التعامل مع البيانات للحصول على تحليلات جديدة أعطه الأدوات اللازمة ليقوم بتدريب زملائه، وبذلك تشجع تبادل المعارف ضمن الفرق وبين الأقسام. سيقدّر الموظفون تسليمهم مسؤوليات جديدة كهذه وسيمنحهم اعتبارهم خبراء في المجال شعوراً إيجابياً.

هناك وسيلة قوية أخرى للتأثير بكيفية شعور الموظفين وموضع جهودهم الإضافية، وهي التقدير الفردي.

التقدير العام والتقدير الخاص

من الضروري تضمين إجراءات لتقدير الموظفين على عملهم الرائع دائماً، وتطبيقها من خلال القنوات الموجودة أمر في غاية البساطة.

درب المدراء على التركيز على تقدير الموظفين الاستثنائيين على نحو شخصي. إذ تجري فرق المبيعات غالباًمقابلات فردية أسبوعية بين المدراء والموظفين لمناقشة التحديات وتقديم المساعدة. ويمكن اغتنام هذه اللقاءات وتخصيص الدقائق الأولى منها لتهنئة الموظف الذي يجتهد بصورة خاصة في تتبع البيانات، أو الذي يقدم التقارير الحيوية في الوقت المناسب.

ضع جائزة "خبير البيانات المثالي للأسبوع"، حيث تناقش قصص نجاح موظفين معينين أمام الشركة بأكملها خلال الاجتماعات أو عن طريق البريد الإلكتروني أو برنامج المحادثة المفضل في الشركة. كما يمكنك تقديم حافز مالي بسيط عن طريق الطلب من الموظفين ترشيح شخص آخر في الفريق وتقديم بطاقة هدية برصيد 200 دولار مثلاً للشخص الذي ينال عدد أصوات أكثر. هذا يساعد على منح الموظفين شعوراً بأن زملاءهم يقدّرونهم مع تشجيع مالي إضافي بسيط في الوقت ذاته.

كما تستطيع إن أمكن تقديم علاوات ربعية أو سنوية إضافية للموظفين الذين يحققون تغيراً حقيقياً في طريقة إنجاز بعض الأمور. إذا خصص فريق الهندسة لديك مثلاً وقتاً لتطبيق حلول جديدة لتتبع مقاييس إضافية عن المستخدم ضمن برنامجك وأصبحت هذه المعلومات حاسمة في فهمك لزبونك، كافئهم بمنحهم علاوات. وبذلك تكون قد أوحيت إلى الفرق الأخرى بالقيام بمبادرات مماثلة.

لا حصر للحالات التي تستخدم فيها البيانات من أجل بناء القيمة، لذلك من المؤكد أن أهمية البيانات ستتزايد باستمرار في أعمالنا اليومية. لقد أعطانا جاك ويلش خطة رائعة لتحفيز الموظفين كي يقوموا بأمور عظيمة، وتحفيز فريقك ليكتسب خبرة أكبر في التعامل مع البيانات هو إحدى الطرق التي تمكنك من الوصول إلى هذه العظمة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!