لفترة طويلة جداً، خيبت المنظومة التعليمية الأميركية آمال عدد كبير للغاية من الأطفال، بمن فيهم الأطفال الفقراء، دون انتباه كاف من عموم الناس أو مساءلة وافية عامة. ولمواجهة هذا الموقف، أيد القادة من كافة الانتماءات السياسية توظيف الاختبارات لقياس مدى التقدم المحرز وتحقيق نتائج أفضل. لقد أمسى القياس شائعاً جداً لدرجة أنه صار بوسعك الآن في المناطق التعليمية من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة أن تقع عيناك على "أيام مخصصة لتحليل البيانات" في الجدول الزمني لليوم الدراسي، إذ لا يتوقع فيها المعلمون قضاء وقت في التدريس بل في تحليل البيانات كاختبارات نهاية العام ومنتصف العام والتقييمات المؤقتة والدراسات العلمية والاجتماعية والاختبارات التي يضعها المدرسون والاختبارات المحوسبة والاستقصاءات وبيانات الحضور والملاحظات السلوكية. وظلت الحال على هذا النحو لأكثر من 30 سنة، وآن الأوان لتجربة نهج مختلف.

إنّ الأرقام الكبيرة ضرورية، غير أنها كلما انتشرت وتغلغلت، قَلت القيمة التي تضيفها. والأجوبة المستندة إلى البيانات تفضي إلى المزيد من الأسئلة المبنية على البيانات والمزيد من الاختبارات والتحليل. وتقتضي الطبيعة النفسية للقادة وصناع السياسات أن البحث عن البيانات يعرقل التعلم الفعلي. لقد عالج السعي وراء البيانات مشكلة حقيقية في ميدان التعليم، غير أن التفكير العقيم بخصوص الاختبارات واستعمال البيانات جعل دواء البيانات أسوأ من الداء نفسه.

كيف بلغنا هذا الوضع؟

في عام 2001، أقر الكونغرس الأميركي قانون "التعليم للأطفال كافة"، وهو تشريع أساسي ألزم إجراء اختبارات سنوية وأفضى إلى صناعة قرارات مدرسية مستندة إلى البيانات. كان هذا هو العام نفسه الذي بدأت فيه مشواري التدريسي. وعندما التحقت بمدرسة مستقلة في واشنطن العاصمة، كانت المدرسة قد شهدت توسعات حديثة. وكان على رأسها رئيس تنفيذي ذو شعبية طاغية وله سيرة حياة ملهمة. وأتم جميع طلبة المدرسة برامج تدريب داخلية، وجميع طلبة الصف النهائي وضعوا أطروحات عن السياسة العامة. وشكلت أفضل تلك الأطروحات قصصاً رائعة جديرة بأن تُقص على المتبرعين ومجلس الإشراف المستقل. غير أن البيانات – التي تتخذ شكل الاختبارات الموحدة المفروضة بموجب القانون الجديد – كشفت عن أنّ طلبتنا في المجمل يقرأون بشق الأنفس وبالكاد يحلون المسائل الرياضية التي تضمن لهم المستوى الأدنى من الدرجات وكانت نسبة التخرج كارثية.

وترتب على البيانات الجديدة أنه لن يكون بوسعنا تجاهل واقع أغلب الطلاب: ألا وهو أن جهود معلمينا تبوء بالفشل. وكما قالت ميشيل ري مستشارة المدارس العامة السابقة في واشنطن العاصمة: "عندما تولينا إدارة هذه المنطقة التعليمية في عام 2007، بلغ مستوى 8% من طلاب الصف الثامن الحد الأدنى المطلوب في مادة الرياضيات، تخيل 8% منهم فقط. ولو ألقيت نظرة على تقييمات أداء الموظفين الكبار في المنظومة التعليمية في الوقت عينه، لاكتشفت أنّ 95% منهم حصلوا على تقييم جيد. كيف يُعقل أن تكون لديك منظومة تعليمية أغلب البالغين فيها يعتقدون أنهم يقومون بعمل رائع في الوقت الذي تبلغ فيه نسبة نجاح الأطفال 8%؟".

من بين القيم الأساسية التي تؤمن بها ميشيل ري لمنظومة المدارس الحكومية "قرارتنا على جميع المستويات لا بد أن تسترشد ببيانات قوية" (لقد عملت مع ري خلال عامي 2009 و2010، وكنت مؤمناً بها إيماناً خالصاً). وانتشرت هذه الرسالة في مراحل التعليم الأساسي كلها. وتحت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، أوجب برنامج "السباق إلى القمة" الفيدرالي قياس أثر المعلم كجزء من التقييمات. واعتاد المعلمون وضع أهداف ذكية لدروسهم تكون "قابلة للقياس" وتعليق بيانات جدارية في قاعات الدرس. وألزم دليل لمدراء المدارس وضع الأهداف شريطة أن "يكون كل هدف قابل للقياس الكمي على شاكلة "ستحقق أنت ومدرستك أعلى درجات النجاح إذا كان بوسعك تحديد هدف وقياسه ببيانات موثقة". كما ألزم هؤلاء المدراء على قراءة كتاب آخر مشهور يُدعى ببساطة "الاسترشاد بالبيانات" (Driven by Data).

وبحلول الفترة التي شغلت فيها منصب مدير مدرسة إعدادية وثانوية، كان فيروس البيانات قد تغلغل في منهجيتنا بشدة حتى أننا عطلنا بالفعل العمل بالأنشطة غير المتعلقة بالاختبارات كلها لستة أيام خلال فصل الربيع لإجراء اختبارات الولاية. وفي فترة سابقة خلال العام، كان لدينا ستة أيام أخرى من الاختبارات للحكم على مستوى الطلاب المبدئي في مادتي المطالعة والرياضيات، ومدى تقدمهم وفقاً للمعايير المعمول بها على الصعيد القومي. وأمضينا ما يوازي يوماً كاملاً من التطوير المهني للمعلمين في توجيههم بخصوص كيفية إعطاء الطلبة الاختبارات وتفادي أي مظهر من مظاهر الغش. وكرس مساعد مدير المدرسة، إضافة إلى مدير التقييم، ما يوازي شهرين كاملين لحضور جلسات التدريب الضرورية، ووضع خطط الاختبارات واستكمال النماذج والجداول المتعلقة باختبارات الولاية.

وانتقلنا بسلاسة من سؤال منطقي وضروري ومباشر – ألا وهو "هل يُحصل الطلاب العلم؟" – إلى الوضع الراهن للقيادة في المجال التعليمي حيث يتوقع مدراء المدارس وصناع السياسة قدراً هائلاً جداً من البيانات ويغالون في اختبار الطلاب بما يضر بالتعلم نفسه، ويتيهون في سيل الأرقام.

القيادة عبر البيانات

إنّ القرار القيادي المعرض للخطر هو كمية البيانات الواجب جمعها. لقد سمعت تنويعات على عبارة "إننا نثق بالبيانات" في عدد لا حصر له من المؤتمرات وخطب بداية العام الدراسي. غير أنّ شعار "إننا نثق بالبيانات" ما هو في واقع الأمر إلا مختصر لشعار "نعتقد أن أفعالنا ينبغي أن تسترشد بأفضل البيانات المتاحة". في ميدان التعليم، يشير هذا الشعار غالباً إلى الاختبارات. وفي ميادين أخرى، تكون طبيعة العملية مختلفة، لكن المشكلة واحدة. وليس السؤال الجوهري "هل ستكون البيانات مفيدة؟" (بالطبع يمكن أن تكون كذلك)، أو "هل ستكون البيانات مثيرة للاهتمام؟" (أجل، مرة أخرى). السؤال اللائق الذي ينبغي على القادة طرحه هو: "هل ستساعدنا البيانات على اتخاذ قرارات أفضل بالقدر الكافي بحيث تستحق تكلفة استخلاصها واستخدامها؟". إلى الآن، ما زالت الإجابة عن هذا السؤال هي "لا".

توحي البيانات المستخلصة على الصعيد الوطني أنّ نمو التعليم المدرسي المسترشد بالبيانات لم يفلح حتى وفقاً لمبادئه الشخصية. يقول دانيال كوريتز الأستاذ بجامعة هارفارد: "التقييم الأمثل هو أنّ المساءلة المبنية على الاختبارات ربما تمخضت عن مكاسب متواضعة في مادة الرياضات في المدارس الابتدائية، غير أنها لم تحقق أي مكاسب قيمة في مادة لمُطالعة أو في مادة الرياضيات للمدارس الثانوية، ولو أنّ المطالعة والرياضيات كانتا ركيزتها الأساسية".

كان مرادنا أن تساعدنا البيانات على تجاوز مشكلة تحصيل عدد كبير جداً من الطلاب القدر اليسير جداً من العلم، لكن اتضح أن البيانات إجابة قاصرة بل حتى مضللة. ويُحتمل أن كل ما تعلمناه من إفراط في التركيز على البيانات هو أن التوجيه الأفضل لن ينبع من معلومات أكثر تفصيلاً، بل من تغيير ما يفعله الناس. وهذا هو ما يراد إنجازه بالطبع للإصلاح المسترشد بالبيانات، وهو إقناع المعلمين بالحاجة إلى التغيير والتركيز على الجوانب التي يتعين عليهم تغييرها.

ماذا نفعل بعد ذلك؟

نكرر مراراً وتكراراً أنّ البيانات مفيدة فائدة عظيمة جداً. في هذه المقالة، استخدمت البيانات المستخلصة عن أداء الطلاب وبراعة المعلمين من استقصاءات الطلاب حول تجربتهم. وسأكون أول من يقر بمدى اعتمادي على البيانات كمدير مدرسة. وما زال السؤال: "هل الطلاب يتعلمون؟" هو السؤال الأبرز على الإطلاق، ولا يجوز الإجابة عنه دون النظر إلى النتائج. غير أن إلقاء نظرة أعمق من ذي قبل وعلى نحو أكثر تواتراً لن يجعل الطلاب يتعلمون أكثر. كما أنّ محاولة تحويل المعلمين إلى محللي بيانات بدلاً من مساعدتهم على أن يكونوا أفضل هي وصفة لكارثة محققة.

ماذا نفعل بدلاً من ذلك إذاً؟

ثمة أسلوب أكثر مباشرة يقتضي تغيير ما نسيطر عليه، ألا وهو جودة التعليم في مدارسنا. في كل دليل توجيه مسترشد بالبيانات، تنص الخطوة الأخيرة، بعد التحليل كله، على التعليم الهادف إلى سد الفجوات لدى الطلاب. والحقيقة المؤسفة أن التعليم المبالغ فيه جداً ليس هو ما يفيد البحث بأنه الأكثر فعالية. على سبيل المثال، يوصي الاتحاد الأميركي للمعلمين بعشر استراتيجيات توجيهية مستندة إلى الأبحاث يتعين على جميع المعلمين استخدامها. ولكن، من واقع خبرتي الشخصية في مئات الفصول الدراسية، قليل جداً من المعلمين مثلاً "يطرحون عدداً كبيراً من الأسئلة ويتحققون من إجابات الطلبة جميعاً". وفي أحيان أكثر، يحصلون على الإجابة الصحيحة من طالب واحد ويمضون قدماً. والأمر نفسه ينطبق على الاستراتيجيات الأخرى في القائمة.

لن ينشأ التوجيه الأفضل من المعلومات الأكثر تفصيلاً، بل من تغيير ما ينجزه الناس. وهذا هو المراد من الإصلاح المسترشد بالبيانات بالطبع، أي إقناع المعلمين بالحاجة إلى التغيير والتركيز على المَواطن التي يتعين عليهم التغيير فيها. لكن التغيير في واقع الأمر هو الجانب الشاق، والجانب الوحيد المهم. لا تحاول جعل المعلمين محللي بيانات، وإنما حاول أن تساعدهم على أن يكونوا معلمين أفضل.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!