شهدت السنوات الأخيرة ظهور تقنيات رقمية جديدة مختلفة ذات إمكانات هائلة قادرة على إحداث تغيير جذري في حياة الناس، حيث ستغير التطورات في الذكاء الاصطناعي والسحابة وتقنيات الجيل الخامس والتحليلات المتقدمة والتكنولوجيا الفائقة والمركبات المستقلة والروبوتات وعلم الجينات مجتمعة ما نقوم به، وكيف نفكر وعلاقاتنا مع بعضنا البعض وكيف نعرّف أنفسنا كمجتمع، فضلاً عن أنها ستُحدث نقلات نوعية في طريقة قيامنا بالأعمال وسلاسل التوريد والمنتجات والخدمات وكيفية الابتكار والقدرة التنافسية للاقتصاد ككل.

سيتسبب اعتماد هذه التقنيات وتعميمها في تقديم فوائد هائلة، إذ يُقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي أن تلك التقنيات ستحقق فوائد تصل إلى 100 تريليون دولار على مدى السنوات القليلة القادمة حتى عام 2025، مع قيام التقنيات مثل الأجهزة المحمولة والسحابة والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار والتحليلات بتعزيز ومكاملة بعضها البعض. وبحسب تقديرات شركة ماكنزي فإن الذكاء الاصطناعي سيخلق لوحده 13 تريليون دولار في القيمة بحلول عام 2030.

ويجب على الحكومات في خضم التطورات التقنية المتسارعة والتبني الواسع لها تقييم تقدمها بدورها. بمعنى آخر، كيف يمكن لتلك الحكومات تمكين التقنيات الرقمية على المستوى الوطني وتسخيرها لصالح المواطنين والمجتمع والاقتصاد؟

لسوء الحظ، فإنّ أغلب الحكومات لا تزال تقف قاصرة فيما يتعلق بما سبق، فهي تكافح للتغلب على التعقيد المتزايد لتلك التقنيات، وفي بعض الأحيان تغمرها وتيرة التغيير والتطور الحاصل في تلك التقنيات وعلاقتها ببضعها، ما يجعلنا نرى نتيجة لذلك جهوداً غير طموحة أو سخيفة أو متكررة للاستفادة من التقنية؛ وبيئات تنظيمية لا معنى لها تعرقل التنمية وتكافح لكي تبقى فقط مناسبة للهدف الموضوعة له؛ وخدمات دون المستوى تقل كثيراً عن توقعات المواطنين المحنكين في المجال التقني؛ فضلاً عن تعاون جزئي أو محدود مع محركات الابتكار في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية.

لكن يعتبر وقتنا الحالي هو الوقت الذي يجب فيه على الحكومات استخدام "مجموعة الأدوات" الخاصة بها لتحفيز التحول الرقمي على نطاق وطني عبر القيام بأمور مثل التخطيط والتنظيم والتمويل وبناء البنية التحتية وتطوير القدرات البشرية واحتضان المشروعات وتقديمها. وسيؤدي عدم القيام بذلك إلى تعريض القدرة التنافسية للدولة وأمنها الوطني للخطر من ناحية، ومن ناحية أخرى أسوأ، قد يؤدي تراخي الحكومات في القيام بما سبق إلى انعزالها التدريجي وتقلّص قدرتها على التأثير في التقنيات المستقبلية وتطويرها ونشرها.

في الوقت نفسه، هناك بعض الأمثلة المشرقة قدمتها بلدان قررت اتباع نهج طموح واستراتيجي للتحول الرقمي، ولنا في إستونيا خير مثال على تلك الأمثلة المشرقة، إذ شرعت الحكومة الإستونية منذ 20 عاماً في تجميع كافة الخدمات الحكومية على منصة رقمية جديدة، ما أدى لتوفر 90% من الخدمات العامة لديها اليوم على الإنترنت طوال أيام الأسبوع. كما افتتحت البلاد مؤخراً أول "سفارة بيانات" في العالم والتي تعتبر مركزاً فائق التأمين في لوكسمبورغ والذي يخزّن نُسخاً من أكثر بيانات البلاد حيوية.

واستناداً إلى الدراسة التي قمنا بها حيال الإجراءات التي طبقتها بلدان متعددة حول العالم، نرى أن النهج الكفيل بإطلاق التحول الرقمي على النطاق الوطني يتطلب تصدي الحكومات لثلاثة مجالات واسعة في وقت واحد: القطاع العام (أنشطة الحكومة وعملياتها ونقاط تواصلها مع المواطنين)؛ والمجتمع (السلع العامة والخدمات الأوسع التي يعتمد عليها المجتمع)؛ والاقتصاد (القوى العاملة والبنية التحتية والمنظومة الأوسع التي تمكّن النمو الاقتصادي وتدفعه). وسنتناول كل واحدة منها بشكل أكثر تفصيلاً في الأسطر القليلة القادمة.

مجالات التحول الرقمي: القطاع العام والمجتمع والاقتصاد

1- القطاع العام

يتعلق التحول الرقمي هنا بتحسين جودة خدمات المعاملات وجعل نماذج التشغيل الحكومية أكثر ابتكاراً وإنتاجية وترشيداً في التكلفة. ويمكن لصانعي السياسة التركيز على ثلاثة أمور هي: خدمات المعاملات الرقمية وربط الجهات الحكومية ببعضها رقمياً والقدرات الرقمية.

خدمات المعاملات الرقمية

يكمن جوهر عمل الحكومات في تصميم خدمات معاملات تتمحور حول المستخدم، من التقدم للحصول على جواز سفر إلى تقديم وصية وصولاً بتسجيل معاملة عقارية جديدة. ويمكن تقديم كل ما سبق بالكامل عبر الإنترنت بطرق مبتكرة أكثر؛ فعلى سبيل المثال، في عام 2009، خصصت الهند أرقاماً تعريفية فريدة مكونة من 12 خانة لجميع السكان اعتماداً على بياناتهم الحيوية في برنامج يعتبر أكبر نظام معرّف بيولوجي في العالم مع ما يقرب من 1.2 مليار عضو مسجل. وتعتبر البطاقة التي تضم الرقم الوطني ذاك إلزامية للوصول إلى طيف واسع من الخدمات من فتح الحسابات المصرفية مروراً بالتحقق من ملكية أرقام الهواتف الخليوية وانتهاء بالوصول إلى الدعم المحلي للوقود والحصص التموينية. وفي عام 2017، أطلقت الهند نظاماً يستخدم تلك الأرقام التعريفية مع المصارف وأطلقت تطبيقاً مصرفياً على الهاتف للتجار والمستهلكين، ما سمح بإمكانية إجراء تعاملات غير نقدية من حساب شخص ما في المصرف لآخر مع استخدام بصمات الأصابع للتحقق الأمني. ويتمثل الهدف هنا في جعل الخدمات الحكومية أكثر كفاءة وشمولية، والحد من الاحتيال وسرقة الهوية.

ربط الجهات الحكومية ببعضها رقمياً

بالإضافة إلى خدمات المعاملات، يحاول صانعو السياسات التأكد من استخدام جميع الهيئات الحكومية لمنصات أجهزة وبرامج مشتركة والتواصل باستخدام الأدوات الرقمية، حيث ينبغي على الجهات الحكومية تبادل البيانات مع بعضها من ناحية، ومن ناحية أخرى إتاحتها عبر الإنترنت لتعزيز الكفاءة والشفافية والابتكار.

ففي إستونيا، على سبيل المثال، يمكن للمسعفين الوصول على الفور إلى التاريخ الطبي للمريض وبياناته الأخرى من المستشفيات أثناء حالات الطوارئ، كما حددت حكومة المملكة المتحدة بشكل مماثل رؤية تسمى "الحكومة كمنصة" (GaaP) تهدف إلى جعل الهيئات الحكومية تتبادل البيانات المشتركة والأكواد البرمجية وخدمات استضافة الويب وحلول الدفع وبروتوكولات الأمان فيما بينها وتعيد استخدامها. وبحلول مارس/آذار 2018، كان هناك حوالي 200 خدمة حكومية متاحة من خلال منصات مشتركة مع تلقي نظام الدفع المركزي في البلاد تحويلات زادت قيمتها عن 53 مليون دولار. كما أنشأت المملكة المتحدة إضافة لما سبق منصة استضافة قائمة على السحابة للهيئات الحكومية التي تطلق خدمات جديدة.

القدرات الرقمية

سيتطلب تحول الحكومات إلى الرقمنة مجموعة مهارات غير تقليدية في جانب كبير منه، مثل تصميم تجربة المستخدم والبرمجة والتعلم الآلي والأمن السيبراني. بالتالي، ستحتاج الجهات الحكومية إلى الاعتماد على المتخصصين والمدراء الرقميين والخبراء التقنيين.

وتقوم الحكومية الأميركية بإطلاق برامج توظيف جديدة بهدف تطوير هذه الأنواع من القدرات الرقمية، حيث تعمل تلك البرامج على جذب أفضل الأشخاص والرواد في مجال التقنيات الرقمية إلى القطاع العام. وقد قامت الحكومة على وجه التحديد بتطوير برنامج التوظيف الخاص بها بشكل منهجي ليضم أفضل الممارسات الموجودة لدى شركات التقنية في القطاع الخاص، فضلاً عن قيامها بإنشاء فريق جديد من الموظفين الرقميين ذوي الخبرة لإجراء التوعية المستهدفة وتحديد مجموعة متنوعة من المتقدمين المؤهلين. وتركز عملية التوظيف على إنشاء تجربة عالية الجودة للمتقدمين قادرة على منافسة القطاع الخاص من حيث سرعة التوظيف والتقدم وإيصال حالة طلب الوظيفة بشكل سهل لمقدم الطلب. كما تؤكد حكومة الولايات المتحدة على الأثر الاجتماعي لموظفي التقنيات الرقمية في الحكومة الأميركية بغرض اجتذاب المتقدمين البارزين لتحقق في عام 2017 هدفها المتمثل في توظيف 200 خبير رقمي قبل الموعد النهائي الأصلي بوقت طويل.

2- المجتمع

أما المجال الثاني المتصل بالتحول الرقمي فيتمثل في المجتمع، إذ يمكن التحول الرقمي الأفراد من إنشاء مجتمعات جديدة واستنباط حلول للمشاكل الاجتماعية الملحة، مثل الجمود الاجتماعي وعدم المساواة، حيث يمكن أن تصبح الخدمات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم والنقل والعدالة أكثر تخصيصاً وكفاءة، ما سيؤدي إلى تحسين الرفاه ونوعية الحياة. وفي إمكان صانعي السياسة هنا التركيز على ثلاثة أمور هي كل من: الأفراد المتصلين رقمياً والأفراد المحميين رقمياً والخدمات المجتمعية الرقمية.

الأفراد المتصلين رقمياً

يتعين على الحكومات، إذا ما أرادت إنشاء مجتمع رقمي، ضمان تمتع جميع المواطنين بإمكانية الوصول الميسور التكلفة إلى التقنيات الرئيسة وفهم المحتوى الرقمي والتنقل في العالم الرقمي. وتعد البنية الأساسية المادية – مثل النطاق العريض وشبكات الإنترنت اللاسلكية والخليوي وشبكات الأقمار الصناعية ومراكز البيانات – العوامل الرئيسة للاتصال الرقمي. وتقوم بعض الدول بإنشاء شركات تابعة للدولة تحتكر الاستثمار في البنية التحتية المادية اللازمة، في حين تتبع بلدان أخرى نهجاً أكثر اعتماداً على السوق يتألف غالباً من شركات من القطاعين العام والخاص.

وقد أنشأ الاتحاد الأوروبي أواخر العام 2016 صندوقاً للبنية التحتية للنطاق العريض بقيمة 500 مليون يورو كجزء من أجندة رقمية أوسع تهدف إلى ضمان توفير اتصال واسع النطاق "بسرعة فائقة" تصل إلى 30 ميجابت في الثانية لجميع المنازل بحلول عام 2020، إلا أنّ ذاك المبلغ لم يكن سوى جزء يسير من المبلغ الإجمالي اللازم لتحقيق ذاك الهدف والمقدر بحوالي 500 مليار يورو. وتعمل الحكومات حالياً على فحص تشريعات الاتصالات الخاصة بها عن كثب لزيادة استثمارات القطاع الخاص في هذا المجال.

وتعمل سنغافورة بشكل مشابه على توسعة شبكتها من محطات الإنترنت اللاسلكي العامة والتي تقدم إنترنت بسرعة 5 ميجابت في الثانية للمشتركين في الأماكن العامة مثل محطات القطار والمكتبات ومراكز التسوق والمطاعم. كما تسعى إلى دمج الخطوط الثابتة الحالية وشبكات الهاتف المحمول وشبكات الإنترنت اللاسلكي العامة بشكل أكبر على نحو فعال في هدف يتمثل في إنشاء سيناريو يستخدم فيه المواطنون أفضل اتصال متاح في وقت معين، بغض النظر عن مصدره، ما يؤدي في النهاية إلى توفير التكاليف على مزودي الخدمة (والمستهلكين بدورهم).

الأفراد المحميون رقمياً

تحاول الحكومات حماية الأفراد من التهديدات الرقمية بأفضل شكل ممكن عبر الحفاظ على بياناتهم آمنة ومعالجة المشاكل الناشئة، مثل الجريمة الإلكترونية والمضايقات الإلكترونية بهدف التأكد من رقمنة المجتمع بطريقة آمنة. وتعتبر التشريعات إحدى أبرز العناصر الرئيسة في تحقيق ما سبق، إذ تعمل على تسهيل ظهور خدمات جديدة مبتكرة من ناحية، ومن ناحية أخرى ضمان سلامة البيانات الشخصية وتوفير الشفافية حول كيفية استخدامها.

وقد سنّت مدينة دبي في عام 2015 قانون بيانات يهدف إلى دعم الابتكار والتنمية الاقتصادية وتعزيز المنافسة ومساعدة دبي على تحقيق رؤيتها في أن تصبح "مدينة ذكية". ويفرض التشريع العام الجديد لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي (GDRP) التزامات أكثر صرامة على الشركات والمؤسسات الأخرى التي تقوم بتخزين البيانات، إلى جانب مجموعة واسعة من القوانين التي تعطي للأفراد الحق في حماية خصوصية بياناتهم، مثل الحق في إزالة بياناتهم من الإنترنت (المعروف باسم "حق النسيان")، والحق في قابلية نقل البيانات والحق في عدم إنشاء الجهات لملف شخصي عن المستخدم. ولا يستهدف هذا التشريع الشركات فحسب، بل يتضمن أيضاً أحكام تنظّم معالجة مؤسسات ووكالات الاتحاد الأوروبي للبيانات الشخصية، ومشاركتها لها، فضلاً عن فرضه غرامات باهظة حيال الانتهاكات.

الخدمات الاجتماعية الرقمية

من إحدى المجالات التي تنطوي على إمكانات تحول رقمي واضحة هي تقديم الخدمات المجتمعية الأساسية، لاسيما التعليم والرعاية الصحية والنقل والعدالة. فعلى سبيل المثال، تهدف مبادرات الصحة الرقمية عادة إلى زيادة فرص المناطق التي تعاني من نقص الخدمات في الحصول على الرعاية مع تقديم خدمات أكثر شخصية الطابع وأكثر استهدافاً وترشيداً من حيث التكلفة.  

ويعتبر التطبيب عن بعد أحد مجالات التركيز هذه، إذ يتم استخدام التقنيات لتقديم الرعاية الصحية عن بعد، من خلال القيام مثلاً بمراقبة المرضى عن بعد وتقديم الاستشارات الطبية عن بعد، لكن لا يزال استخدام التطبيب عن بعد منخفضاً في معظم البلدان على الرغم من الوعود التي يحملها. وتهدف حكومة نيو ساوث ويلز في أستراليا إلى جعل الرعاية الصحية عن بعد جزءاً أساسياً من مجموعة خدمات الرعاية الصحية الخاصة بالولاية بحلول عام 2021، حيث تحدد الاستراتيجية المجالات ذات الأولوية التي ستقوم بشكل منهجي بإزالة العوائق التي تحول دون استخدام التطبيب عن بعد، مثل القوانين الحالية وأنظمة الدفع التي كانت مصممة للتواصل وجهاً لوجه فضلاً عن موضوع الحفاظ على سرية بيانات المرضى.

كما يعد مجال النقل أيضاً من المجالات الجاهزة للتحول الرقمي كما في حالة استراتيجية ألمانيا الاستشرافية للمركبات الآلية (AVs) والتي ترسم خطة تصبح فيها البلاد المورد الرئيسي للمركبات الآلية والمتصلة في العالم والسوق الأول لها. وفيما يتعلق بالصعيد المجتمعي، تحدد الاستراتيجية أهداف استخدام المركبات الآلية لخفض الانبعاثات وتحسين السلامة على الطرقات وتقليل الازدحام وتحسين جودة وسائل النقل العام في المجمل. وتشمل الأهداف الرئيسة للاستراتيجية تصميم الطريق السريع الذكي، ومعايير المركبات الجديدة المتعلقة بالأمن السيبراني وحماية البيانات والقواعد الجديدة لاختبار السائقين وأمور أخرى غيرها.

3- الاقتصاد

قد يؤدي التحول الرقمي للاقتصاد (آخر مجال لدينا هنا) إلى دخول منتجات وخدمات وصناعات ونماذج تشغيل جديدة ومبتكرة، ما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية ونمو الناتج المحلي الإجمالي ورضا المستهلك. ولتحقيق ذلك، يجب على صانعي السياسات التركيز على كل من: القوى العاملة الرقمية والبنية التحتية الرقمية والمؤسسات الرقمية.

القوى العاملة الرقمية

يريد صناع السياسة التأكد من قدرة الشركات على الاعتماد على قوة عاملة غنية بالمهارات الرقمية الواسعة والمتخصصة لإنشاء اقتصاد رقمي، كما يحاول صانعو السياسة أيضاً دعم الشركات التي ترغب في تجربة نماذج توظيف جديدة – مثل تلك التي رأيناها في اقتصاد الأعمال المستقلة – مع القيام في الوقت ذاته بحماية المستهلكين مما قد يحمله السوق من سلبيات.

وقد أطلقت كل من فنلندا وهولندا والسويد في الاتحاد الأوروبي استراتيجيات خاصة بالمهارات الرقمية تركز بشكل متزايد على "المهارات الفنية" مثل العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، فضلاً عن "المهارات الشخصية" مثل التفكير النقدي والاتصال والتواصل والتعاون.

وتعمل بلدان أخرى على تحسين المهارات الرقمية بين القوى العاملة التي لديها. ففي عام 2016، أنشأت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر منصة يستطيع من خلالها أي مواطن مصري الوصول إلى درجات جامعية وتدريب مهني في مجالات محددة مقدمة من كبرى الجامعات العالمية والشركات الخاصة (بما في ذلك آي بي إم وأوداستي Udacity وكروسيرا). وتهدف تلك المبادرة إلى إنشاء جيل جديد من المبرمجين ومهندسي تجربة المستخدم وعلماء البيانات وخبراء الأمن السيبراني ومدراء المشاريع وغيرهم الكثير. ويقدم البرنامج حالياً 40 دورة فضلاً عن التدريب والتوجيه، ويضم 1,109 طالباً يتلقون جميعهم منحاً لتغطية تكاليف الدورة مع تخرج 1,181 طالباً آخر من تلك الجامعات.

البنية التحتية الرقمية

وتحاول الحكومات بهدف رقمنة الاقتصاد تزويد الشركات ببنية تحتية مادية متطورة لدعم عملياتها، مثل النطاق العريض عالي السرعة وشبكات الجيل الخامس القادمة ومراكز البيانات الكبيرة الحجم، مع ضمان أن تكون البنية التحتية هذه آمنة وموثوقة ومعقولة التكلفة. وتستثمر الحكومات في بعض البلدان في البنية التحتية الرقمية المتقدمة، بينما ينصب التركيز في بلدان أخرى على البحث والاختبار لتطبيقات محددة.

فعلى سبيل المثال، يسمح مختبر "5 جي فيلد لاب" في هولندا للشركات والباحثين اختبار تطبيقات الجيل الخامس في قطاعات الطاقة والنقل والزراعة، مثل التطبيقات التي يمكنها مراقبة الأمراض في المحاصيل أثناء نموها، حيث تتطلب تلك المهام إرسال كميات هائلة من البيانات عبر شبكات الجيل الخامس عالية السرعة لتحليلها بسرعة. وقد منحت حكومة المملكة المتحدة مؤخراً في أوائل العام 2018 ستة مشاريع القدرة على اختبار طيف الجيل الخامس عبر مجموعة من التطبيقات، بما في ذلك الزراعة الذكية مع الطائرات بدون طيار واستخدام "إنترنت الأشياء" لتحسين الرعاية الصحية في المنزل وزيادة إنتاجية الصناعة وزيادة الفوائد المستقبلية للسيارات ذاتية القيادة.

الشركات الرقمية

وبينما يعتبر القطاع الخاص مسؤولاً في نهاية المطاف عن تصميم منتجات وخدمات ونماذج تشغيل رقمية جديدة، يمكن للحكومات بدورها إنشاء منظومة داعمة للاقتصاد الرقمي؛ بمعنى آخر، بيئة تجمع بين مجموعة من العناصر المترابطة، وبالتالي تشجع المؤسسات والأفكار الرقمية المبتكرة على الازدهار. وتتضمن هذه المكونات تنظيمات واضحة وحوافز للعمل مع الأكاديميين والباحثين ودعماً تمويلياً.

وقد أطلق مجلس الدولة الصيني في العام 2015 استراتيجية "صنع في الصين 2025″، بهدف جعل الصين رائدة عالمياً في مجال التصنيع المتقدم. وقد حددت الاستراتيجية 10 قطاعات ذات أولوية، على الرغم من أن الاستراتيجية تركز على الصناعة ككل. ومن بين تلك القطاعات كانت الروبوتات والشحن عالي التقنية والصيدلة الحيوية. وتدرك الاستراتيجية عدم قدرة المصنعين الحاليين على مواجهة ما تحدثه الثورة الرقمية من خلل واسع النطاق، حيث تعمل على دعم تلك الشركات فضلاً عن تقديم الرعاية والدعم أيضاً للشركات الناشئة. وقد تمكنت الصين من خلال هذا البرنامج وعدة برامج أخرى مماثلة في سد "فجوة الرقمنة" مع الدول الأخرى الرائدة في التصنيع.

الخلاصة:

تسلط دراستنا الضوء على العديد من الأمثلة الطموحة حول كيفية سعي الحكومات لتحفيز التحول الرقمي على المستوى الوطني. ويمكن أن يُنظر إلى المشهد الإجمالي الخاص بنطاقات التركيز ومجالاته، والموضحة بالأمثلة أعلاه، على أنه دليل عمل لأي حكومة بهدف تقييم جهودها الحالية وتحديد فرصها المستقبلية في هذا الصدد.

ونلاحظ هنا أن اختيارات كل بلد كانت تبعاً لظروفه الخاصة، إلا أنه يمكننا القول في الوقت ذاته بأن الحكومات الأكثر طموحاً سعت بوضوح للتأثير على التحول الرقمي وتوجيهه بشكل استباقي واستراتيجي من خلال تطبيق مجموعة كاملة من الأدوات المتاحة لها عبر مجالات متعددة. ونعتقد بدورنا أن هذا النهج يمثل علامة مميزة على إدراك هذه الحكومات وجود حاجة إلى تحفيز التحول الرقمي على المستوى الوطني وأيضاً مؤشر على نجاحها المحتمل في المستقبل.

أما في منطقة الشرق الأوسط، فلم تُطلق سوى النذر اليسير من إمكاناتها الرقمية، وتتمتع دول مجلس التعاون الخليجي عموماً باقتصاديات رقمية أكثر تطوراً من جيرانها، حيث وضعت برامج تحويل رقمي جديدة في قلب خططها الوطنية. وتعتبر الإمارات العربية المتحدة الدولة الرائدة في المنطقة والتي تتبنى النهج الأكثر شمولية تجاه التحول الرقمي. وقد تم تصنيف الإمارات من بين أفضل 20 دولة في مؤشر التنافسية الرقمية، وفقاً لتقرير صدر في عام 2018 من قبل مركز "آي إم دي وولد كومباتيتيفنس" نظراً لاستثماراتها المتزايدة في القطاع الرقمي واعتمادها لاستراتيجيات رقمية وتطويرها لمبادرات تهدف إلى تشجيع الابتكار.

وتواصل دولة الإمارات العربية المتحدة الانتقال من المبادرات الرقمية التي تركز على الحكومة الإلكترونية إلى تطوير الاقتصاد الرقمي ككل، حيث تُظهر قصص النجاح التي حققتها المؤسسات الرقمية المحلية، مثل كريم وسوق.كوم وبربرتي فايندر التي ازدهرت في نظام بيئي رقمي ممكّن وبيئة تنظيمية داعمة، كيف أن لدى الشرق الأوسط طاقات كامنة كثيرة لم تظهر بعد. وستكون الدول التي تتبنى الثورة الصناعية الرابعة مع موازنة التأثيرات التخريبية (مثل الجريمة الإلكترونية وعدم المساواة) وتنظيمها مستقبل المنطقة. على الجانب الآخر، ستواجه الدول غير القادرة على تطوير نهج شامل بسياسات رقمية بعيدة النظر خطر فقدان الموجة التالية من النمو.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!