ظهرت أول شركة طيران منخفضة التكلفة في العام 1971 بالولايات المتحدة الأميركية، وتمثلت بشركة ساوث ويست (Southwest Airlines). أما في أوروبا، فالمؤسستان الرائدتان هما الإيرلندية راين إير (Rayanair) التي تنشط منذ العام 1991، والبريطانية إيزي جيت (Eeasyjet) التي تنشط منذ العام 1991، أما في الشرق الأوسط، فتعتبر فلاي دبي من أهم الخطوط الجوية منخفضة التكلفة في المنطقة وتنشط منذ عام 2009. 

يمكن تعريف الخطوط الجوية منخفضة التكلفة من خلال مقولة مايكل أوليري الرئيس التنفيذي لشركة راين إير: "إنّ الخدمات المقدمة لعملائنا هي الأكثر وضوحاً وتحديداً في العالم، حيث نضمن لهم أرخص تذكرة سفر، ونضمن رحلة آمنة وفي الموعد المحدد"، لذلك ولقاء هذه الخدمات الأساسية والعوامل التي سنتطرق إليها لاحقاً في هذا المقال، يمكن أن يكون سعر تذكرة السفر أرخص بنسبة 60% مقارنة بالخطوط الجوية كاملة الخدمات أي "الكلاسيكية". 

فيما يلي، سنتطرق إلى أهم الممارسات التي تلجأ إليها هذه الشركات لتخفيض سعر تذكرة الطيران.

المطارات المستهدفة: عادة ما تستخدم الخطوط الجوية منخفضة التكلفة مطارات "ثانوية" ذات موقع بعيد نسبياً عن وسط المدن الرئيسة وبتجهيزات أقل مقارنة بالمطارات الكبرى، وهو ما يؤدي لتسديد تكاليف أقل، وتنقسم هذه التكاليف إلى مجموعة من الضرائب والرسوم كالآتي: ضريبة المطار أو الأمن وضريبة الطيران المدني وضريبة الإزعاج الصوتي للطائرات، أما الرسوم فتتعلق برسم هبوط الطائرة ورسم موقف الطائرة ورسم مطبق على كل مسافر بالإضافة الى رسم التزود بالكيروسين. وكمثال توضيحي، إنّ متوسط ثمن التذكرة لرحلة مداها ألف كم هو 58 يورو من مطار ثانوي بينما يكون في حدود 125 يورو من مطار رئيس، ويعود ذلك إلى الضرائب المذكورة، حيث تقدر بحوالي 2 يورو لكل مسافر من مطار ثانوي بينما تكون في حدود 28 يورور  لكل مسافر من مطار رئيس أي أغلى بأربع عشرة مرة.

من جهة أخرى، عادة ما تكون المطارات الثانوية أقل ازدحاماً ما يوفر ميزة أخرى، حيث إنّ هذه الاستراتيجية تقضي بتقليل الوقت الذي تقضيه الطائرة على الأرض أقصى قدر ممكن (من لحظة هبوط الطائرة إلى غاية تحليقها للرحلة التالية)، حيث تعتبر هذه المطارات أكثر كفاءة في تسيير الحركة الجوية نظراً للعدد المحدد من الرحلات، وهو ما يمكّن من الحفاظ على وتيرة عالية من التناوب (rotation) مع ضمان دقة مواعيد الرحلات. وعادة ما تقضي طائرات الخطوط الجوية منخفضة التكلفة ما معدله 25 دقيقة على الأرض من أجل تجهيزها والتزود بالكيروسين مقابل 45 دقيقة على الأقل تقضيها طائرات الخطوط الكلاسيكية لنفس الغرض، وهو ما يمكّن من القيام بضعف عدد الرحلات اليومية تقريباً، كما أنه في الكثير من الأحيان ما تبرمج الرحلات في أوقات لا تكون فيها رحلات كثيرة مثل الصباح الباكر أو في الليل.

اعتماد نظام الطيران المباشر (Direct-route): لا تتجاوز مدة جل الرحلات ثلاث ساعات أي متوسط 800 كيلومتر، وهو المدى القصير غالباً والمتوسط في بعض الأحيان. هنا نجد أن هذا النظام يوفر ميزتين أساسيتين: أولاً يسمح بتقليص مصاريف إقامة طاقم الطائرة (التقني والتجاري) لأنهم يعودون دائماً لقاعدتهم الأصلية مع نهاية اليوم، ويوفر أيضاً تكاليف مبيت الطائرة في مطار أجنبي (overnight charges)، ثانياً: يساعد هذا النظام على تقليص وقت التوقف بين رحلتين، حيث لا توجد رحلات تتخللها محطات توقف وما يترتب عن ذلك من وقت لازم لتحويل المسافرين والأمتعة من طائرة لأخرى.

على النقيض من ذلك، تعتمد الخطوط الجوية الكلاسيكية نظام "المحور" (hub and spoke-system) وهو نظام معقد يتعارض مع فكرة البساطة التي تتميز بها الخطوط الجوية منخفضة التكلفة، حيث يعتمد على مطار أو قاعدة رئيسة تمر منها معظم رحلاتها (لاسيما تلك التي تتم بين القارات) مثل مطار دبي الدولي بالنسبة لطيران الإمارات أو مطار فرانكفورت بالنسبة للوفتانزا. 

استخدام صنف واحد من الطائرات: تعمل الخطوط الجوية منخفضة التكلفة على اقتناء أسطول متجانس، حيث يتكون عادة من نوع واحد من الطائرات ذات الممر الواحد (single aisle) مثل إيرباص آي 320 (Airbus A320) أو بوينغ 737 (Boeing 737)، في هذا السياق قام مكتب الدراسات المتخصص في النقل الجوي "سي آيتش أفيايشن" (ch-aviation) بنشر دراسة في العام 2013 حول استراتيجية الخطوط الجوية منخفضة التكلفة في اقتناء أساطيلها الجوية، وخلص إلى أنها تحصل على حسومات كبرى بسبب طلبياتها الكبيرة، ثم تعيد بيع هذه الطائرات بعد فترة وجيزة من الاستعمال، ما يدرّ عليها أرباحاً كبيرة بالإضافة إلى الفعالية في استهلاك الكيروسين لأن الطائرات الجديدة تستهلك أقل. علاوة على هذه الميزة، توجد مزايا أخرى لهذا الخيار مثل تخفيض تكاليف الصيانة على المستوى التقني والإداري بفعل أثر التعلم، وتخفيض تكاليف التدريب وتأهيل طاقم الطائرة، حيث يكفي برنامج وفريق واحد من المكونين لكافة الطواقم. من جهة أخرى تستغل هذه الشركات ظروف سوق تصنيع الطائرات من أجل الحصول على حسومات هامة، فمثلا أكبر طلبية قامت بها شركة راين إير كانت بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، حينها كانت الكثير من الخطوط الجوية على حافة الإفلاس.

في نفس الوقت، يتم زيادة عدد المقاعد داخل الطائرة بهدف توزيع التكاليف الثابتة على أكبر عدد ممكن من المسافرين، وذلك باستبدال المكان المخصص للدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال بمقاعد من الدرجة الاقتصادية، ثم العمل على تقليص المساحة المتاحة بين المقاعد، وتصنيعها بمواد خفيفة نسبيا. على سبيل المثال، تكون مساحة المقعد في حدود 76 سم لدى بريتيش إيرويز، بينما تكون في حدود 66 سم لدي إيزي جيت، معنى ذلك أنّ طائرة من نوع إيرباص آي 319 تتسع لـ 156 مقعداً لدى إيزي جيت، و142 لدى بريتيش إيرويز أي بزيادة قدرها حوالي 10%.

عرض منمط: على الرغم من ظهور بعض التذاكر المشابهة للدرجة الاقتصادية، إلا أنّ الدرجة الاقتصادية تبقى الخدمة الأساسية التي تقدمها الخطوط الجوية منخفضة التكلفة، وبالتالي فإنّ السعر يكون حسب درجة امتلاء الطائرة ووقت الحجز، إذ إنه كلما كان هذا الأخير مبكراً والأماكن شاغرة، كان السعر أرخص، والعكس صحيح بالنسبة للمتغيرين، وهو ما يُسمى بالتسعير حسب الوقت الحالي، كما أنّ استخدام الإنترنت يعتبر عاملاً هاماً في تخفيض تكاليف الحجوزات، فمثلا يتم الحجز في إيزي جيت بنسبة 95% عن طريق الإنترنت، ما يوفر العمولة التي تتلقاها عادة وكالات السفر، ويوفر التكاليف المتعلقة بالتذاكر مثل طباعتها لأن الزبائن يتلقونها عن طريق البريد الإلكتروني، ويوفر أيضاً تكاليف الوكالات الخاصة مثل الكراء وأجور العمال.

لا توجد خدمات أو وجبات مجانية داخل الطائرة (no frills): عادة ما تتيح تذكرة الطائرة أمتعة مقصورة فقط تتمثل في حقيبة لا يتعدى وزنها 10 كغ ومحددة الأبعاد بحوالي (55.5*45*22.5 سم)، أي خدمة ما عدا ذلك هي غير مجانية مثل الوجبات أو المشروبات داخل الطائرة والجريدة والأمتعة الإضافية واختيار مكان المقعد، كما أنّ بعض الشركات مثل راين إير تفوتر بطاقة صعود الطائرة للعميل الذي يريد الحصول عليها على مستوى المطار (لم يطبعها بنفسه)، تصل هذه التكاليف إلى غاية 30% من سعر تذكرة كلاسيكية.

الاستغلال المكثف للموارد البشرية: يتم استخدام الحد الأدنى من الموارد البشرية خلال الرحلة، ويكون العمال خلال الرحلة مكلفين بالقيام بعدة مهام، فمثلا الطاقم التجاري هو نفسه الذي يشرف على عملية صعود ونزول الركاب في المطار ويسهر على سلامتهم، ثم يقدم الخدمات (غير المجانية) خلال الرحلة، ويقوم بتنظيف وتجهيز الطائرة للرحلة التالية، كما أن معظم الخطوط الجوية منخفضة التكلفة لا تقبل الموظفين المنخرطين في النقابات العمالية.

تُدفع الأجور بحسب ساعات التحليق فقط، أي أنه لا توجد عطل مدفوعة الأجر، على سبيل المثال: طيارو راين إير يحلقون 800 ساعة سنوياً، مقارنة بـ 600 ساعة لدى إير فرانس، أما بالنسبة للطاقم التجاري فجزء كبير من راتبه (قد يصل إلى 50%) خاضع لأهداف الإنتاجية، أي العلاوات على المبيعات المحققة من الخدمات أثناء الرحلة.

ممارسات مبتكرة: ذهبت بعض الشركات إلى أبعد الحدود في الممارسات المتعلقة بضغط التكاليف. راين إير الرائدة في هذا المجال تفرض على طيّاريها تناول وجباتهم أثناء الرحلة للحفاظ على الوقت، كما أن كمية الورق المخصص لطباعة حالة الطقس محددة، ويمنع أيضاً على طاقم الطائرة شحن هواتفهم المحمولة داخل الطائرة حفاظاً على الطاقة. قامت نفس الشركة بتعويض مكان المرحاض (في الطائرات التي تحوي أكثر من واحد) بعدد من المقاعد الاضافية، كما أنها في صدد دراسة جعل استعمال المرحاض غير مجاني وحتى السفر من دون مقاعد أي وقوفاً. إضافة إلى ذلك إنّ برنامج تأهيل الموارد البشرية لديها غير مجاني كما أنها تطالب في الكثير من الحالات موظفيها بدفع ثمن الزي الموحد، وتفرض على الطيارين دفع تكاليف شهادات التأهيل في حالة اقتناء طائرة جديدة تتطلب ذلك. تتلقى راين إير مبالغ معتبرة من السلطات المحلية التي تقع فيها المطارات التي تستخدمها، وذلك على شكل إعانات تسويقية نظير تنشيط السياحة في المنطقة وما يترتب عنه من فوائد اقتصادية، ثم تحول جزءاً كبيراً من هذه الاعانات والأرباح إلى بنوك تقع في بلدان تعتبر ملاذات ضريبية (tax heaven) مثل جزيرة جيرزي (Jersey) أو جزيرة مان (Isle of Man) البريطانيتين.

توظف الشركة الهندية جو إير (Go Air) الإناث فقط لطاقم رحلاتها منذ العام 2013 (ما عدا الطيارين)، لأن هذا يوفر لها حوالي 500 ألف دولار سنوياً من استهلاك الكيروسين، وذلك بسبب أنّ الإناث يزن أقل من الذكور بحوالي 20 كغ في المتوسط، ونفس الاتجاه ذهبت فيه ساموا إيرلينز (Samoa Airlines)، حيث تعتبر أول خطوط جوية في العالم تسعّر التذاكر حسب وزن المسافر.

إيزي جيت من جهتها لجأت إلى التكنولوجيا الحديثة من أجل ابتكار طرق جديدة تساهم في خفض التكاليف والوقت، إذ إنها في صدد استخدام طائرات صغيرة بدون طيار(drone) من أجل فحص ومعاينة الطائرات خلال حصص الصيانة، وتقوم هذه الآلات الصغيرة بالتحليق حول الطائرة والكشف بواسطة ماسحات ضوئية ثلاثية الأبعاد (scanner) عن أي نقائص يجب معالجتها، وتتم هذه العملية خلال أقل من 30 دقيقة، وهو ما يقوم به عادة عمال الصيانة خلال 10 ساعات على الأقل، ثم استعمال الطابعات ثلاثية الأبعاد من أجل إنتاج قطع الغيار التي يجب تغييرها.

نلاحظ من خلال مختلف هذه الممارسات أنّ التكلفة هي المحرك الأساسي لكافة نشاطات هذا النوع من الخطوط الجوية، وذلك بهدف استهداف فئة معينة من العملاء حساسة للسعر، عكس الخطوط الجوية الكلاسيكية التي تحاول أن تتميز عن طريق مختلف الخدمات التي تهدف لإرضاء عملائها، حتى ولو على حساب تكاليف إضافية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!