تتمثل إحدى أحدث المعضلات التي تواجه القادة في عصر الذكاء الاصطناعي في وقت وكيفية استخدام الخوارزميات في إدارة الأفراد والفرق. حيث قد تتيح لنا تقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والأتمتة إدارة المزيد من الموظفين على نطاق واسع، ولكن هذا لا يعني أنها ستجعلنا قادة أفضل. في الواقع، قد يكون العكس صحيحاً تماماً، إذ تمتلك التكنولوجيا القدرة على إخراج أسوأ ما فينا.

وقد تسفر الدراسة غير المتأنية في جعل مكان العمل المستقبلي القائم على الخوارزميات يصطدم بواقع مرير مستند إلى البيانات. وتوجد الملايين من الطرق التي تجعل ضرر هذه الخوارزميات أكثر من نفعها عند استحواذ مدراء سيئين عليها: ماذا عن استخدام خوارزمية لتحديد قوائم عمل الموظفين بحيث يصبح عدد ساعات عملك أقل بقليل من الحد القانوني للعمل بدوام كامل؟ أو إرسال رسائل البريد الإلكتروني تلقائياً إلى الموظفين عندما يتأخرون عن العمل أكثر من خمس دقائق؟ أو دفع الموظفين إلى العمل خلال الوقت الذي يقضونه عادة مع أسرهم من خلال تقديم الحوافز؟ أو استخدام أجهزة استشعار لمراقبة عمال المستودعات وتحذيرهم عندما يستغرقون وقتاً طويلاً في تكديس أحد أرفف المستودع؟ أو ضبط درجة حرارة لون الإضاءة في مكتبك باستمرار بهدف خداع ساعة الموظف البيولوجية أن الوقت المتأخر بعد الظهر لا يزال باكراً.

ألا تعتقد أنه من الممكن اتباع هذه الأساليب؟ إنها تحدث بالفعل في بعض المؤسسات. على سبيل المثال، حصلت "أمازون" على براءتي اختراع لابتكار سوار معصم مصمم لتوجيه تحركات عمال المستودعات باستخدام الاهتزازات لدفعهم إلى أن يكونوا أكثر كفاءة. كما تقدمت شركة "آي بي إم" بطلب للحصول على براءة اختراع لابتكار نظام يراقب قواها العاملة بواسطة أجهزة استشعار يمكنها تتبع اتساع حدقة العين وتعبيرات الوجه، ثم استخدام البيانات المتعلقة بجودة نوم الموظفين وجدول اجتماعاتهم لنشر طائرات دون طيار وتزويدهم بسائل يحتوي على جرعة من الكافيين حتى لا يتعطل يوم عمل الموظف باستراحة قهوة.

لقد عاصرنا هذه الأفكار بالفعل في الماضي. إذ شهد العالم منذ حوالي مائة عام ثورة في مجال الإدارة العلمية، المعروفة أيضاً باسم منهج تايلور. كان لدى المهندس الصناعي الأميركي فريدريك وينسلو تايلور الكثير من الأفكار حول كيفية دمج الشركات بين الآلات والعمال بهدف تحقيق أقصى قدر من الكفاءة، ودوّن جميع هذه الأفكار في كتاب نشره في عام 1911 يحمل عنوان "مبادئ الإدارة العلمية" (The Principles of Scientific Management).

ويجري إحياء العديد من مبادئ منهج تايلور اليوم عبر التطور الرقمي أو التطور القائم على الذكاء الاصطناعي. تأمل هذه القائمة من الأفكار المستقاة مباشرة منها: جمع البيانات التجريبية، وتحليل العملية، والكفاءة، والقضاء على الهدر، وتوحيد أفضل الممارسات، وازدراء التقاليد، والإنتاج الشامل والنطاق، ونقل المعرفة بين العمال ومن العمال إلى الأدوات، والعمليات، والتوثيق. قد تبدو هذه الأفكار بمثابة خطة للتحول الرقمي في القرن الحادي والعشرين، إلا أنها أفكار حملها تايلور كل تلك العقود الماضية، لكن التعمق في دراسة هذه الأفكار، أو وضعها موضع التطبيق مع إيلاء القليل من الاعتبار للموظفين الذين يقومون بتنفيذها قد يسفر عن نتيجة تنطوي على النفور والانسحاب.

وقد يفضي الاعتماد على إدارة الخوارزميات إلى إثارة القلق في مكان العمل والاضطرابات الاجتماعية الأوسع نطاقاً، تماماً كما حدث مع منهج تايلور. وقد ينمو العمل الصناعي أيضاً، وهو ما يفرض تدخل الهيئات الرقابية. وستشكل الأتمتة بحد ذاتها تحديات خطيرة بالنسبة إلى طبيعة العمل وهويتنا وكيفية تفكير الأفراد في هدفهم. وستحتاج مؤسستك إلى اتخاذ قرار صعب: هل من الأفضل تقليل دور البشر عن طريق توجيه تصرفاتهم بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، أم استخدام الذكاء الاصطناعي بهدف التنسيق بين الفرق الموزعة والمستقلة؟

وتعتمد الإجابة على هذا السؤال على طبيعة المشكلات التي تحاول شركتك حلها. إن الخوارزميات ليست سيئة بطبيعتها. كما أن أتمتت المعاملات والمهمات المتكررة يجب أن تدفع الموظفين إلى تأدية أعمال أكثر أهمية وجدوى. وبالنسبة إلى القرارات الدقيقة والمعقدة التي تتطلب السياق الإنساني ودقته، ثمة فرصة تتمثل في تسخير الخوارزميات لزيادة فاعلية العمال من خلال تحسين مواهبهم المشتركة، بدلاً من تعظيم مساهماتهم الفردية. بمعنى آخر، بدلاً من استخدام الخوارزميات كسلاح للمراقبة في مكان العمل، يمكن استخدامها كحافز يدفع الموظفين إلى التكيف مع ثقافة العمل والهيكل التنظيمي.

وأحد الأمثلة الرائعة لهذه الفكرة التي لا تزال قيد التنفيذ هو البنك الهولندي "آي إن جي" (ING) الذي استلهم أفكاره من شركات مثل "جوجل" و"نتفلكس" و"سبوتيفاي"، وأعاد تنظيم أقسامه التقليدية إلى فرق ومجموعات رشيقة ومتحدة تسعى إلى تحقيق هدف مشترك، مثل أقسام التسويق وإدارة المنتجات وإدارة القنوات وقسم تطوير تكنولوجيا المعلومات. وعندما قابلت بيتر جاكوبس، كبير موظفي المعلومات في مصرف "آي إن جي" وأحد المهندسين الأصليين لبرنامج التحول الخاص بالبنك، أوضح أن الموظفين في الشركات الكبيرة يفقدون الإحساس بالهدف عند تقسيم المشروعات المعقدة إلى عناصر أصغر وتحويل العملية أساساً إلى خط تجميع افتراضي، وهو ما يمنع الموظفين من اكتساب شعور بالمسؤولية أو الملكية على الهدف النهائي.

وسنشهد توظيف المزيد من المطابقة الخوارزمية للمواهب مع المحترفين والخبراء، وليس فقط مع سائقي شركة أوبر وموظفي توصيل الطلبيات. وقد بدأت شركة التسويق متعددة الجنسيات بوبليسيس (Publicis) بالفعل في استخدام خوارزميات لتنظيم وتعيين موظفيها البالغ عددهم 80,000 موظف، من بينهم مدراء حسابات ومبرمجين ومصممي الرسومات ومؤلفي الإعلانات، فأصبحت عندما تحصل الشركة على مشروع جديد أو عميل جديد، توصي الخوارزمية بالمجموعة المناسبة من المواهب للتوصل إلى أفضل نتيجة ممكنة. وقد بدأت التقنيات الناشئة تساعد في المطابقة الآلية للمهارات والمشاريع فيما يتجاوز أقسام التسويق حتى.

وأصبحت منصات المواهب جنباً إلى جنب مع تقنيات الأتمتة بمثابة استراتيجية تمكِّن الشركات من تحقيق المكاسب دون أن تفقد رشاقتها. وتقوم "وول مارت" بدراسة طرق لتوسيع نطاق استخدامها للعاملين في مجال اقتصاد الأعمال المستقلة، في محاولة للتنافس بشكل أكثر فاعلية مع "أمازون". وفي خطوة من المحتمل أن تعلن عن نهاية تركيب الأفراد لخزائن الكتب بأنفسهم في المنزل، اشترت شركة "إيكيا" منصة تاسك رابيت (Task Rabbit) وهي عبارة عن منصة مواهب مستقلة تؤمّن التواصل مع حرفيين هواة لحل المشكلات اليومية البسيطة من تركيب الخزائن أو طلاء الجدران. في الواقع، يتبنى العديد من أرباب العمل في العالم الكبار اليوم سياسة استئجار العمال بدلاً من بيع الخدمات.

إن تصميم منصات المواهب ليس بمنأى عن التلاعب وسوء الاستخدام بالطبع. حيث تعرَّض بعض بائعي التجزئة إلى وابل من الانتقادات لجداول العمل غير المنتظمة وغير العادلة التي أنشأتها أنظمة البرمجيات الآلية. وقد تكون جدولة الأعمال المؤتمتة أداة قوية لمساعدة الشركات في إدارة تكاليفها، سواء كان ذلك يعني إرسال العمال إلى منازلهم عندما تنخفض المبيعات، أو تعيين موظفين بسرعة عندما يتحسن الاقتصاد أو في أوقات الترقيات الموسمية. ومن الممكن أيضاً هيكلة استراتيجية جدولة الأعمال المؤتمتة لمساعدة المؤسسة في تجنب التزامات معينة. على سبيل المثال، في شهر أغسطس/ آب عام 2013، بعد أقل من أسبوعين من عقد سلسلة أزياء سن المراهقة "فوريفر 21" ( Forever 21) شراكة مع منصة "كرونوس" (Kronos) المتخصصة في تحسين القوة العاملة، تلقى المئات من العاملين بدوام كامل إخطاراً يقتضي بتحويلهم إلى عاملين بدوام جزئي وإيقاف الإعانات الصحية المقدمة لهم كجزء من خطوة تهدف إلى خفض التكاليف وتقليل الالتزامات. وليس من المستغرب أن تلا تلك الخطوة رفع الكثير من الدعاوى القضائية.

إنَّ أعدل طريقة لتصميم منصة المواهب التي تشتمل على كامل التسلسل الهرمي لشركتك، بدءاً من مناصب الموظفين المبتدئين وحتى كبار القادة، هي أن يخضع جميع أفراد الشركة من أعلى منصب وحتى أدنى عامل إلى نفس المبادئ. كان هناك تجربة أُطلق "ستار الجهل" وهي تجربة فكرية اقترحها الفيلسوف الأميركي جون راولز في عام 1971. حيث اقترح نظرية تنطوي على أن أفضل طريقة تمكّن الأفراد من اتخاذ قرارات سياسية أو اجتماعية ذات تأثير بعيد المدى هي أن يتخيلوا شعورهم حيال تلك القرارات إذا استيقظوا في صباح اليوم التالي ووجدوا أنهم كانوا أحد الأشخاص الذين تأثروا بشكل مباشر فيها ولم يكن لديهم أي يد في اتخاذها. ويجب أن يتبع قادة الخوارزميات النهج نفسه عند بناء الأنظمة التي تدير فرقهم وموظفيهم.

فتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات توفر ثروة من الفرص لتصميم طرق أكثر مرونة وتلبية للعمل. لكن فاعلية هذه الطرق تتوقف على إدارة مواهبك ومطابقتها مع نفس الخوارزميات التي تتوقع أن يتبعها الأشخاص الآخرون.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!