بحسب ماكنزي:

يمكن للشركات حديثة العهد في هذا المجال أن تتعلم الكثير من المستخدمين الأوائل من الشركات التي استثمرت مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي، وقد بدأت الآن تجني مجموعة من المكاسب.

بعد عقود من الوعود المبالغ فيها والإحباطات المخيبة للآمال، بدأ الذكاء الاصطناعي أخيراً بتحقيق فوائد ملموسة للشركات الأولى التي اعتمدت استخدامه. إذ يعتمد تجار التجزئة في القطاع الرقمي على الروبوتات المسيرة بالذكاء الاصطناعي في تشغيل مستودعاتهم، وحتى في إصدار طلبات الشراء بشكل آلي عند انخفاض المخزون. كما أنّ شركات المرافق العامة تستخدم الذكاء الاصطناعي في توقع حجم الطلب على الكهرباء، في حين تستخدم الشركات المصنعة للسيارات هذه التكنولوجيا في السيارات ذاتية القيادة.

هناك مجموعة من التطورات المتضافرة التي تقود هذه الموجة من تطور الذكاء الاصطناعي. فالقدرات الحاسوبية مستمرة في النمو، والخوارزميات ونماذج الذكاء الاصطناعي تزداد تطوراً أكثر فأكثر، والأهم من ذلك كله ربما هو أنّ العالم يشكل مصدراً غنياً يزود الذكاء الاصطناعي بكميات يصعب تصورها من البيانات. فهناك بيانات تقدر بمليارات الجيجابايت التي تجمعها الأجهزة المتصلة بالشبكات الحاسوبية (بما فيها الإنترنت) كل يوم، بدءاً بمتصفحات الويب وانتهاء بأجهزة استشعار العنفات التوربينية.

وقد قامت مشاريع الأعمال الريادية التي أطلقتها هذه التطورات بجذب ما يعادل ثلاثة أضعاف الاستثمارات في 2016 –  حيث تراوحت بين 26 مليار و39 مليار دولار –  مقارنة بما جذبته قبل ذلك بثلاث سنوات. ويتكون معظم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من الإنفاق الداخلي على البحث والتطوير الذي تنفقه الشركات الرقمية الكبرى الثرية مثل أمازون وبايدو وجوجل.

على الرغم من كل هذه الاستثمارات، إلا أنّ الكثير من عمليات استخدام الذكاء الاصطناعي التي تجري خارج قطاع التكنولوجيا ما زالت في مراحلها التجريبية الأولى، حيث قامت شركات قليلة باستخدامه على نطاق واسع.

في ورقة مناقشة أُعدت في معهد ماكنزي العالمي حملت عنوان "الذكاء الاصطناعي: ما هي الحدود الرقمية التالية؟"، والتي تتضمن دراسة استقصائية لأكثر من 3,000 شركة خبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي حول العالم، نجد أنّ أولى الشركات التي استخدمت الذكاء الاصطناعي غالباً ما تكون أقرب إلى المجال الرقمي، وهي من بين أكبر الشركات العاملة ضمن قطاعاتها، وتنشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف المجموعات التكنولوجية، وتستخدم الذكاء الاصطناعي في الجزء الأكثر جوهرية من سلسلة القيمة، وتعتمد على الذكاء الاصطناعي في زيادة الإيرادات إلى جانب الحد من التكاليف، وتحظى بالدعم الكامل من قياداتها التنفيذية.

إنّ الشركات التي لم تتبنى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بعد على نطاق واسع، أو ضمن جزء أساسي من أعمالها التجارية؛ ليست واثقة من الجدوى التجارية للذكاء الاصطناعي، أو من العائدات التي يمكن أن تتوقعها على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، تشير الدلائل المبكرة إلى وجود جدوى تجارية يمكن تحقيقها، وأنه يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعود بالفوائد الحقيقة على الشركات الراغبة باستخدامه في جميع العمليات وضمن أعمالها الأساسية. في دراستنا الاستقصائية، تبيّن أنّ الشركات السبّاقة التي تبنت الذكاء الاصطناعي – والتي تجمع بين الإمكانات الرقمية القوية والاستراتيجيات الاستباقية –  لديها هوامش ربح أعلى، كما أنها تتوقع اتساع الفجوة التي تفصلها في الأداء عن الشركات الأخرى في السنوات الثلاث القادمة.

هذا النمط من التبني يعمل على توسيع الفجوة القائمة بين الشركات السبّاقة المرقمنة وغيرها من الشركات. كما أنّ القطاعات التي تتصدر الترتيب وفق مؤشر معهد ماكنزي العالمي للرقمنة الصناعية، مثل التكنولوجيا المتقدمة والاتصالات أو الخدمات المالية، هي أيضاً رائدة بدورها في اعتماد الذكاء الاصطناعي، ولديها الخطط الأكثر طموحاً للاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

هذه القطاعات الرائدة تستخدم تقنيات متعددة عبر وظائف متعددة، أو تستخدم الذكاء الاصطناعي في جوهر أعمالها. فالشركات الصانعة للسيارات على سبيل المثال، تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين عملياتها إلى جانب تطوير السيارات ذاتية القيادة، في حين تستخدمه شركات الخدمات المالية في وظائف تجربة العملاء. وبما أنّ هذه الشركات توسع نطاق اعتمادها على الذكاء الاصطناعي، وتحوز على المزيد من البيانات، فإنّ الشركات المتقاعسة سوف تجد صعوبة أكبر في اللحاق بالركب.

كما يجدر بالحكومات أن تمضي قدماً في هذا التغيير، من خلال اعتماد قوانين ناظمة تشجع العدالة من دون أن تعرقل الابتكار، وتحديد الوظائف التي يرجّح أنّ تصبح مؤتمتة، والتأكد من توفر برامج إعادة التأهيل للأشخاص ذوي مصادر الرزق المعرضة للخطر جراء الأتمتة المدارة بالذكاء بالاصطناعي. هؤلاء الأفراد بحاجة إلى اكتساب المهارات التي تعمل جنباً إلى جنب مع الآلات، ولا تنافسها.

سيكون مستقبل الذكاء الاصطناعي مفعماً بالابتكار، ولكنه قد لا يكون متاحاً للجميع على نحو متكافئ. فالشركات التي تمتلك مقرات في الولايات المتحدة استحوذت على 66% من جميع الاستثمارات الخارجية في شركات الذكاء الاصطناعي في العام 2016، وذلك بحسب الاستعراض الشامل الذي أجريناه؛ في حين حلت الصين ثانياً بنسبة 17% وهي تحقق نمواً سريعاً.

وقد شهد كلا البلدين (الولايات المتحدة والصين) نمو الأنظمة البيئية القائمة على الذكاء الاصطناعي – مجموعات من رواد الأعمال والممولين ومستخدمي الذكاء الاصطناعي – كما أصدرا خططاً استراتيجية وطنية منذ بداية العام 2016 تضمنت أبعاداً هامة على صعيد الذكاء الاصطناعي، مدعومة في بعض الحالات بمليارات الدولارات من مبادرات التمويل الخاصة بالذكاء الاصطناعي. وقد أصدرت كوريا الجنوبية والمملكة المتحدة خططاً استراتيجية مماثلة بدورهما. أما بالنسبة للدول الأخرى التي ترغب في أن تصبح أطرافاً فاعلة هامة في الذكاء الاصطناعي، فسيكون من الحكمة لها أن تسير على خطى هذه الدول الرائدة.

هناك مكاسب كبيرة في انتظار من يقتنصها، وهذا يعني بالنسبة للعديد من الشركات أنّ عليها أن تسرّع خطاها على طريق التحول الرقمي. لن يسمح الذكاء الاصطناعي للشركات بأن تتجاوز مسألة تحقيق الأساسيات الرقمية بالشكل الصحيح، حيث سيتعين عليها امتلاك ما يلزم من الأصول والمهارات الرقمية الصحيحة لكي تتمكن من استخدام الذكاء الاصطناعي على نحو فعال.

كتب هذه المقالة: جاكس بوجين، إيريك هازان، سري راماسوامي، مايكل تشوي، تيرا آلاس، بيتر داهلستروم، نيكولاس هينك ومونيكا ترنتش من معهد ماكنزي العالمي.

error: المحتوى محمي !!