يُعتبر التفاوض حول الراتب إحدى أكثر المهام التي تواجهها ترويعاً عندما تدخل سوق العمل (خصوصاً في المرة الأولى)، إذ لا تبدو المحادثة منصفة في أغلب الأحيان بسبب عدم وضوح المعلومات. كما أن الشخص الذي يتفاوض معك يعرف ما تدفعه الشركة لموظفيها في العموم ويمتلك في الغالب خبرة أكبر منك في إجراء مثل هذا النوع من المحادثات.

ثمة عامل بسيط له أثر كبير على المفاوضات حول الراتب: المَرَاجع. فقد أثبت البحث الريادي الذي أُجري بمعرفة دانييل كانمان وأموس تفيرسكي أنه عندما يريد الناس إضفاء القيمة على شيء ما (كالوظيفة مثلاً) فإنهم يبدؤون بالبحث عن رقم بارز في البيئة المحيطة واستخدامه كمرجع يستندون إليه. ثم يجرون تعديلات على هذا الرقم استناداً إلى عوامل أخرى. على سبيل المثال ربما تعلن إحدى الشركات أن راتب وظيفة ما يتراوح بين 36,000 إلى 48,000 دولار. وربما تبدأ مفاوضاتك بالتمسك بالحدود العليا لذلك النطاق. أو تدرك أنك ربما تحصل على راتب أقل من الحد الأعلى، فتختار رقماً أقل بقليل، وتستخدمه كراتب مستهدف خلال التفاوض.

قد يُساعدك فهم كيفية عمل المراجع كثيراً خلال التفاوض، خصوصاً عندما لا تملك الكثير من المعلومات، لأن هناك رقماً تريد الوصول إليه. رغم ذلك يجب أن تأخذ حذرك من كيفية استخدامها، لأنها قد تأتي بنتائج عكسية، وهو ما قد يصيبك بالإحباط، أو يؤدي إلى حصولك على راتب أقل مما كان من الممكن أن تحصل عليه.

يريد معظم الناس الحصول على أفضل راتب ممكن، لذا لن يترددوا في استخدام الحد الأعلى للراتب المعلن عنه كمؤشر لمقدار الراتب الذي يمكنهم الحصول عليه. وإذا حصلوا على عرض قريب من الحد الأدنى للراتب، تنتابهم حالة من الشعور بالضيق، لأنهم كانوا يتوقعون الحصول على راتب أعلى. وهو ما قد يؤدي بدوره إلى شعورهم بالاستياء من الشركة والموظفين الذين تفاوضوا معهم قبل حتى أن يبدؤوا العمل.

في الحقيقة، إذا كنت تفتقر إلى الخبرات المهنية في المجالات ذات الصلة بالوظيفة التي تقدمت إليها، فيفضل أن تختار الحد الأدنى للراتب. فأحد أسباب وضع حدين: أعلى وأدنى للراتب هو مساعدة المتقدمين الأكثر خبرة على تحديد ما إذا كانت الوظيفة تناسبهم أم لا. في بعض الأحيان قد يكون من الصعب تقييم مستوى وظيفة معينة استناداً إلى المسمى الوظيفي والمؤهلات المطلوبة. فإن كان نطاق الراتب أقل بكثير مما يحصل عليه أحدهم فعلياً، فهذا يُعتبر مؤشراً جيداً على أن الوظيفة لا تناسبه. كما أن نطاق الراتب يُعبر أيضاً عن الحد الأعلى للراتب الذي ستحصل عليه في تلك الوظيفة، لتعرف الوقت الذي يجب أن تتطلع فيه إلى الترقية.

ثمة مصدر مرجعي آخر في التفاوض حول الراتب قد يأتي من العروض الوظيفية المتوافرة أمامك. إذ تشير البحوث إلى أن وجود عرض أمام المرشحين لشغل وظيفة معينة يدفعهم إلى استخدام ذلك العرض في محاولة الحصول على راتب أعلى في شركة أخرى. هذه فكرة رائعة، ولكن يجب عليك إجراء بعض الأبحاث حول الرواتب لدى جهة التوظيف المستهدفة، وحول الراتب التي تستعد لدفعه فعلياً. على سبيل المثال، ربما يُغريك الأمر بتقديم عرض أعلى من العرض الوظيفي المتاح أمامك. ولكن من المحتمل أيضاً أن تكون الشركة الجديدة مستعدة لدفع راتب أكبر، مما يعني أنك استخدمت رقماً مرجعياً منخفضاً للغاية، وحصلت دون قصد على صفقة أسوأ من التي كان يمكنك الحصول عليها لو لم تستخدم ذلك العرض خلال تفاوضك.

قد يكون استخدام رقم مرجعي اعتماداً على المعلومات الأولية المتاحة على الإعلان الوظيفي أو المستقاة من خبراتك أمراً خادعاً. لذا يفضَّل إجراء بعض الأبحاث أولاً. وتُقدم العديد من مواقع التوظيف الإلكترونية معلومات حول الرواتب التي تدفعها شركات معينة في أماكن محددة. تستند هذه المعلومات إلى حقائق أكثر واقعية، ويمكنك استخدامها كمرجع محتمل خلال تفاوضك.

قم أيضاً بإجراء تقييم واقعي لنفقاتك المعيشية في المكان الذي تخطط للعمل فيه. وعدّل أي مرجع تعتمد عليه، ليتناسب مع المبالغ المالية التي ستحتاج إليها من أجل المعيشة. ورغم تحقق مصلحة الشركات في خفض تكاليف أجور الموظفين، فإن التدني الشديد لهيكل الرواتب يثير حالة من السخط بين العاملين، ويؤدي إلى زيادة معدل دوران الموظفين، وهذان أمران يكلفان الشركات الكثير من المال. ربما تكون قادراً على تقديم حجج مقنعة تعزز دعواك للحصول على راتب أعلى قليلاً، اعتماداً على تقديرات منطقية لتكاليف المعيشة.

في النهاية، ورغم أهمية الراتب، انتبه إلى الجوانب الأخرى في العرض. فالعمل في وظيفة تحبها قد يساوي الكثير. ويجب عليك عدم إغفال رسالة الشركة أو غيرها من المزايا، مثل تعويضات رسوم التعليم، أو الإجازات…الخ. ورغم أهمية الرقم فإنه ليس الشيء الوحيد المهم عند محاولة تقرير ما إذا كان يجب عليك قبول الوظيفة أم لا.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!