تنشأ السياحة العلاجية عندما يسافر المرضى عبر الحدود الدولية من أجل الحصول على الرعاية الصحية التي تُحفّزها تكاليف العلاج المنخفضة وانخفاض فترات الانتظار للاستفادة من الخدمات والتكنولوجيا والخدمات المحسنة غير المتوفرة في أوطانهم. وكانت هذه السياحة موجودة منذ آلاف السنين. ففي الواقع، تشير الأدلة الأثرية التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد إلى أن الناس في بلاد ما بين النهرين القديمة سافروا إلى معبد الإله أو الآلهة الشافية في تل براق في سورية لعلاج الاختلالات البصرية. وتطورت السياحة العلاجية لتصبح قطاعاً ناشئاً بسرعة مدفوعة بعولمة الرعاية الصحية وإضفاء الصبغة التجارية عليها. وتحتل الهند وماليزيا وتايلاند – التي تُركّز بشكل كبير على مجالات العلاج المطلوبة بكثرة كالجراحة التجميلية وعلاج الأسنان وعلاجات الخصوبة – مركز الصدارة في قائمة السياحة العلاجية، بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2015.

وفي الواقع، تُظهر الأدلة غير الموثّقة أن قيمة سوق السياحة العلاجية العالمية  قُدّرت عام 2017 بـ 15.5 مليار دولار أميركي ومن المتوقع أن تنمو بمعدل نمو سنوي مركب (CAGR) تناهز نسبته 8.8% بين عامي 2018 و2024، لتولد بالتالي إيرادات بقيمة 28 مليار دولار أميركي في عام 2024، بحسب شركة زيون لأبحاث السوق (Zion Market Research). وقُدّرت قيمتها في دبي بـ 381 مليون دولار أميركي، بينما بلغت في الهند ثلاثة مليارات دولار أميركي، ومن المتوقع أن تصل إلى تسعة مليارات دولار أميركي بحلول عام 2020، بحسب تقرير شركة صدقات (Sadaqat) لعام 2018. ومن الواضح أن مستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا القطاع يبدو إيجابياً. 

علاوة على ذلك، تُشكّل السياحة العلاجية نمواً اقتصادياً إيجابياً في البلدان المقصودة. ومع توافر ينابيع المياه الحارة والمياه المعدنية والتقنيات الطبية المتطورة، فإن إمكانات تحقيق النمو في دولة الإمارات العربية المتحدة كبيرة لأن معظم الدول لا تزال تسعى لزيادة هذه الفرص. ووفقاً لهيئة الصحة بدبي (DHA)، ستساهم السياحة العلاجية بحوالي 708 مليون دولار أميركي في عام 2020، من خلال نمو في العائدات بنسبة 13% سنوياً. وتستعد الدولة لاستقبال 500,000 سائح طبي سنوياً، ولهذا يُمثّل التركيز على السياحة العلاجية قراراً يساعد على توليد العائدات.

وجهات السياحة العلاجية 

منذ أوائل السبعينات، تبوّأت تايلاند مكانتها باعتبارها وجهة للسياحة العلاجية، كما دُعمت سمعة الخدمات الطبية في تايلاند بوساطة عدة حملات ترويجية ترعاها الحكومة؛ من أبرزها حملة "تايلاند الرائعة" التي تسلّط الضوء على عوامل الجذب المتمثلة في منتجعات المياه المعدنية والمستشفيات والمنتجات العشبية. وتشتهر تايلاند بأنها وجهة مفضّلة لإجراء الجراحة التجميلية. ويُشكّل سكان الشرق الأوسط حالياً، لاسيما سكان دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، حوالي 20% من السواح الطبيين في تايلاند. وبغية تلبية احتياجات سكان الشرق الأوسط، تحتوي العديد من المستشفيات حالياً على غرف للصلاة وقنوات تلفزيونية عربية ووجبات طعام حلال. وهناك مترجمون للغة العربية حالياً في مختلف المستشفيات. وتُقدّم للسياح أيضاً بطاقة ائتمان تدعى بطاقة تايلاند العجيبة (Miracle Thailand Card)، التي تتيح تغطية تأمينية وتغطية تأمين على الحياة في حالة وقوع حادث.

تّمثل الهند الوجهة الرئيسية التالية في آسيا، وتحتوي على مجموعة كبيرة من العروض بدءاً من العلاج بالأيورفيدا وصولاً إلى عمليات مجازة القلب الأورطية والجراحة التجميلية. وسهّلت سياسات التحرير والخصخصة والعولمة (LPG) في الهند التي تعود إلى فترة التسعينات من القرن الماضي على المستشفيات الخاصة استقدام التقنيات والبنى التحتية. وشَهدت رواتب الأطباء العائدين من الخارج زيادة ملحوظة بهدف جذبهم للعمل في الهند والعيش فيها. وتشمل عدّة مبادرات أخرى في الهند تأشيرات الدخول الإلكترونية للمرضى، بالإضافة إلى تأشيرات دخول للمرافقين تصل مدتها إلى ستة أشهر؛ وألا يُلزم المرضى بالتسجيل بشكل شخصي لدى المكاتب الإقليمية المعنيّة بتسجيل الأجانب (Foreigner Regional Registration Offices)؛ وبوابة رعاية صحية عمليّة مُعزّزة بمعلومات شاملة حول مؤسسات الرعاية الصحية المعتمدة بمختلف اللغات. 

في الدول الأخرى، تعاظمت أهمية الجراحة التجميلية في جنوب أفريقيا في السنوات الأخيرة نظراً إلى أن تكلفتها تبلغ الضعف في الولايات المتحدة. كما تزايد اهتمام الأرجنتين بالجراحة التجميلية مؤخراً، إذ أوجدَت علامة تجارية قوية من خلال التسويق لمزايا الدولة شبه الأوروبية المشهورة أصلاً بجمالها الطبيعي إلى جانب الطب التجميلي رفيع المستوى. تُجرى الجراحات التجميلية في الأرجنتين في محيط مألوف بالنسبة إلى الأجانب ليشعروا أنهم في موطنهم. أما المناطق الكاريبية فتسوّق لطابعها الفريد القائم على علاجات الطب البديل والمنتجعات البيئية في الغابات الاستوائية التي تمكّن من اختبار مغامرات جريئة. وتُقدّم جامايكا أماكن إقامة صحية وصديقة للبيئة كما نصبت باربادوس نفسها باعتبارها سوقاً مزدهرة للصحة الإنجابية. وبناء على ما سبق، فالسؤال الوجيه الذي يستحق أن يُطرَح هو: "ما الذي ينقص دولة الإمارات العربية المتحدة وكيف يمكنها أن تحتلّ مكانة مهمة في سوق السياحة العلاجية؟".

السياحة العلاجية كسبيل للنمو في دولة الإمارات العربية المتحدة

من الواضح أنه ثمة طلب متزايد على مختلف الخدمات الطبية، إذ ثمة العديد منها مما لا تُلبيه الدول الغربية ضمن إطار الخدمات الصحية العامة، ويُدرج المرضى على قوائم انتظار طويلة لأنهم يعجزون عن الاستفادة من خدمات الرعاية الصحية الخاصة المكلفة للغاية أيضاً. ومع ذلك، ينتمي نصف الأشخاص الذين يزورون الهند تقريباً إلى الشرق الأوسط، بينما يقصد 70% من الأشخاص الذين يسافرون من دولة الإمارات العربية المتحدة لأغراض العلاج سنغافورة والهند. وتُعتبر علاجات الخصوبة والإنجاب مفضّلة على نطاق واسع في دولة الإمارات العربية المتحدة. ويشير هذا إلى أن السياحة العلاجية قد تمثّل هدف القرن الواحد والعشرين بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة كي تجذبَ المزيد من السياح الطبيين وتُقلّل عدد المرضى المسافرين إلى الخارج. 

أما جغرافياً، فتتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة بوضع جيد يُمكّنها من جذب السياح من بلدان أخرى في مجلس التعاون الخليجي والسياح المسافرين إلى الدول الآسيوية الأخرى نتيجة قربها. بالإضافة إلى ذلك، تُمثّل الدولة بأكملها ودبي تحديداً، على عكس وجهات السياحة العلاجية الأخرى، وجهة منخفضة المخاطر تتمتع باستقرار سياسي وخدمات رفيعة المستوى وأمان. ونتيجة لذلك، تستطيع دولة الإمارات العربية المتحدة الاستفادة من الترويج الوطني الناجح لعلامتها التجارية وقيمتها الفريدة، لأن التكاليف المنخفضة للعلاج لم تعُد وحدها تُشكّل دافعاً للمرضى بعد الآن، إذ يتأثرون أيضاً بمجموعة من عوامل الجذب الأخرى. 

فهم عملية صنع القرار التي يقوم بها المستهلكون

لفهم هذه الظاهرة، يمكن تطبيق نموذج سلوكي طوّره رونالد أندرسن عام 1968، والذي يُحدّد ثلاثة عوامل شخصية وظرفيّة رئيسة لاستخدام الخدمات الصحية هي:

1-  العوامل المساعدة: تشمل هذه العوامل الشخصية عوامل متعلقة بالتركيبة السكانية وعوامل اجتماعية (كالتعليم والمهنة وغيرها) والعلاقات والمعتقدات الصحية. وتشمل العوامل الظرفية والقيم المجتمعية والمعايير الثقافية والمعتقدات السياسية وغيرها. 

2- عوامل تمكينية: تشمل العوامل الاقتصادية مثل الدخل والثروة المتوفرة لدى الأفراد والعوامل التنظيمية مثل وسائل النقل وفترات الانتظار للحصول على الخدمات الصحية. 

3-  العوامل المتعلقة بالحاجات: تشمل الحاجة الملحوظة لدى الشخص بالاستناد إلى الأعراض ويتعيّن أن تنشأ عن تقييمات محترفة. 

تشير الأدلة إلى أن حوالي 500 ألف أميركي سافر إلى الخارج من أجل العلاج في عام 2005، ويعود ذلك بشكل رئيس إلى الوفورات في التكاليف. مثلاً، يتقاضى مستشفى أبولو (Apollo) في الهند 4,000 دولار أميركي مقابل الجراحة القلبية بالمقارنة مع 30 ألف دولار أميركي في أميركا. ومع ذلك، لا يتأثر قرار الشخص بالسفر بالتكلفة وحدها بل بالظروف الاقتصادية والأجواء السياسية والسياسات التنظيمية أيضاً. 

قد يسافر الأشخاص إلى الخارج للحصول على علاجات غير مشمولة ببوليصات التأمين الخاصة بهم. ويتأثر قرار السفر أيضاً بقوائم الانتظار الطويلة في بعض الدول وعدم توافر بعض العلاجات في الخدمات الصحية الوطنية. عموماً، ينصّ هذا النموذج بوضوح على أن القرار الذي يتخذه الشخص بالسفر من أجل العلاج يتأثر بعدة عوامل شخصية وموضوعية وعوامل متعلقة بالحاجة. ويساعد هذا النموذج في تحديد التخطيط الشخصي لمواصفات السوق المستهدفة وعملية صنع قراراتها. يقدم الشكل الأول إطار عمل هيكلي يمكن استخدامه في مجال السياحة العلاجية بوصفه نموذج صنع قرار ليقدّم مساعدة إضافية للممارسين في استراتيجيات تواصلهم؛ وتحديد الجمهور المستهدف وصياغة الرسالة الرئيسية.

إليكم بضع ملاحظات جديرة بالذكر يمكن تطبيقها لمساعدة الممارسين في هذا القطاع:

  1. التأمين الطبي: بالنظر إلى أن تغطية التأمين الطبي هي أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل الناس يختارون السفر من أجل أسباب علاجية، فمن المهم بالتالي تقديم تغطية تأمينية شاملة أثناء فترة الإقامة. ويُعدّ الأسلوب الذي تنتهجه تايلاند في تقديم بطاقة ائتمان ذات مزايا تأمينية أثناء فترة الإقامة مثالاً جيداً على كيفية تنفيذ هذا الأمر.  
  2. رعاية لاحقة سلسة: يتمثّل أحد أسباب إحجام الناس عن السفر في الافتقار إلى الرعاية اللاحقة، وفي حال حدوث أي مضاعفات بعد العملية، يجب أن يعالجوها في بلدهم الأم. يمكن حلّ هذه المشكلة من خلال توفير تأشيرة دخول لفترة التعافي بأكملها أو من خلال عملية أكثر بساطة تتمثّل في العودة في حال حدوث أي مضاعفات. أُطلقت تأشيرة الدخول إم (M) في الهند من قبل الحكومة عام 2005، وصُمّمت خصيصاً للسياح الطبيين ومرافقيهم. 
  3. الموقع: يفضّل المرضى التعافي بعد إجراء العملية في بيئة مريحة وهادئة. وقد لا يحظى مبنى المستشفى بشعبية كبيرة في هذه الحالة. وتتمثّل إحدى سبل جذب السياح في استحداث مواقع مميزة مثل "قرية التعافي" (Healing Village). ويمكن أن يكون الموقع مشابهاً لمزرعة البراري (Al Barari Farm) أو متنزه غرين كوميونيتي (Green Community) في دبي.
  4. علاجات متخصصة: من التوصيات الأخرى وجود مؤسسات صحية متخصصة في مجالات علاجية محددة مثل الجراحة التجميلية أو جراحة استبدال صمام القلب الرائجة في سوق السياحة العلاجية. ومن الضروري أن تُسعّر هذه المجالات العلاجية بشكل تنافسي بالمقارنة مع الهند وتايلاند اللتين تُقدّمان علاجات عالمية المستوى بأسعار منخفضة بشكل ملحوظ.
  5. علامة تجارية قوية: تتمثّل إحدى السبل الفاعلة الهادفة إلى زيادة حصة قطاع الرعاية الصحية في إطلاق وكالات ومشاريع حكومية تهدف إلى تشجيع الاستثمارات في البنى التحتية الصحية وتطوير وضعية واستراتيجيات استهداف مثلى وتسويق خدمات الرعاية الصحية في الخارج. تتضمن الأمثلة على ذلك اللجنة الوطنية لترويج الصحة والسياحة العلاجية (National Committee for Promotion of Health and medical Tourism) التي أنشأتها الحكومة الماليزية في عام 1998 ومبادرة طب سنغافورة (Singapore Medicine) التي أطلقتها حكومة سنغافورة في عام 2003. 
  6. معارض تجارية: تُمثّل أيضاً وسيلة فاعلة أخرى لجذب السياح. 
  7. أنشطة التسويق الاجتماعية: ستساعد أنشطة من قبيل رعاية المناسبات العامة وتنظيمها بمناسبة يوم الصحة العالمي ويوم اليوغا العالمي مع وجود تغطية إعلامية كافية في اكتساب الشعبية. وإحدى الطرق المهمة هي إيصال الرسائل أثناء الرحلات الجوية . إذ تتمتّع دولة الإمارات العربية المتحدة بموقع مركزي وتربط أكثر من 70 وجهة بوساطة طيران الإمارات (Emirates Airlines) وأكثر من 55 وجهة بوساطة طيران الاتحاد (Etihad Airways). ويمكن أن يُشكّل نظام المعلومات والاتصالات والترفيه الجوي (ICE) الحائز على جوائز والخاص بشركة طيران الإمارات، المنصة المثلى لعرض مقاطع فيديو تثقيفية حول السياحة العلاجية في دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص.
  8. التسويق الرقمي: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة لإيصال المعلومات والمستجدات فضلاً عن منصة تفاعلية للإجابة عن الأسئلة الشائعة، وتزكيات المشاهير والشخصيات الشهيرة في جميع أنحاء العالم وغيرها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!