هل تشعر بتوتر شديد خلال مقابلات العمل؟ لست وحدك من تعاني من هذه المشكلة، فمعظم الناس يرون مقابلة العمل تجربة مرهقة للغاية. لكن، لحسن الحظ يمكنك التأقلم مع توتر هذه المقابلات، وذلك عندما تُدرك أنّ قدراً معيناً من التوتر يساعدك لتتميز فيها، وبمعرفتك أنّ التدرب على المقابلة يساعدك على إبقاء توترك عند مستوى معين بحيث يمكنك السيطرة عليه، وأنّ هناك بعض الإجابات الجيدة التي يمكنك الاستعانة بها عندما يبدأ توترك بالازدياد.

أولاً، فكّر بالجانب الإيجابي للتوتر، حيث يذكّرنا الباحثون والاستشاريون دوماً أنّ القدر المناسب من التوتر يكون أمراً إيجابياً، بينما يُرهقنا التوتر الشديد معنوياً وعاطفياً وجسدياً أيضاً. وربما يكون الحفاظ على مستوى مناسب من التوتر أمراً مفصلياً. ومقابلة العمل هي خير مثال عن مدى قدرة التوتر على جعلنا متنبهين ومساعدتنا باتخاذ الخطوة الأفضل في الوقت ذاته.

توضح كلمات أغنية من مسرحية "كوروس لاين" الغنائية الشهيرة في مسرح برودواي في مدينة نيويورك الأميركية مدى حساسية الأداء التجريبي، الذي هو بمثابة مقابلة العمل في المسرح، إذ يغني الراقصون ويقولون: "أنا بحاجة شديدة لهذا العمل، يجب أن أحصل على هذا العمل"، وفي أثناء تنفيذ حركات صعبة وهم في أوج توترهم. وفي حين يجب عليهم، كما يجب علينا نحن أيضاً، تذكُر أنّ هذه الوظيفة التي نجري المقابلة لأجلها ليست الوظيفة الوحيدة في العالم، يمكن للتوتر الذي يصيبنا بسبب رغبتنا الشديدة في الحصول على هذا العمل أن يساعدنا على وضع أكبر طاقة ممكنة لهذه التجربة أو المقابلة. وكل ما يجب علينا فعله هو تذكير أنفسنا بأنّ نستثمر هذا التوتر بصورة فعالة، فنحن نريد هذه الوظيفة بالفعل.

تكمن المشكلة في أنّ مقابلات العمل هي عبارة عن محادثات غير اعتيادية، محادثات لا نجريها إلا في مناسبات قليلة، ويكون فيها عدم توازن كبير في القوى، وهذا ما يتطلب منّا ثقة كبيرة في تعداد نقاط قوتنا كما لن نفعل بأيّ من مجالات التفاعل الاجتماعي الأخرى. فعلى عكس محادثة هادئة مسترسلة مع أحد أصدقائنا، تحتاج هذه المواجهة أن تقوم بتعداد مهاراتك وخبراتك ونقاط قوتك واهتماماتك التي تتعلق بهذه الوظيفة بذكاء وأسلوب مؤثر بحيث تُطمئن من يستمع إليك بسرعة أنك جدير بوقته الذي يقضيه معك، ولربما جعلته يرغب بتمديد وقت المقابلة أيضاً. وعليك تقديم كل هذه المعلومات بثقة وبلاغة وأسلوب مناسب يُبدي الاهتمام بالأسئلة التي يطرحها من يجري المقابلة، وبذل الجهد لتذكر قائمة تلك الأمور التي يجب عليك ذكرها وبذل جهد للإجابة عن الأسئلة غير المتوقعة. والقليل من التوتر سيُبقيك منتبهاً وسيدفعك لبذل أفضل ما عندك.

يجب علينا الاستعداد بصورة كاملة لمقابلة العمل باعتبارها أمراً غير اعتيادي وغير قياسي ولا نواجهه كثيراً. لذلك، فكّر ببعض الأمور القياسية التي يبحث عنها من يجري المقابلة، كالأمور التي تستطيع القيام بها فعلياً، ومدى ثقتك بقدرتك على تعلّم مهارات جديدة، ونقاط قوتك التي تجدها في نفسك ونقاط ضعفك التي عليك معالجتها. وهذه النقطة تحديداً، أي نقاط الضعف التي يجب عليك معالجتها، هي ما يعكس وعيك الذاتي ومعرفتك أنه لا وجود للكمال ولكن التدريب يحسّن الأداء. إلى جانب ذلك، تدرب على الإجابة عن أسئلة كهذه كي تعرف ما الذي ستقوله عند طرحها عليك بشكل أو بآخر. وعندما تتدرب جيداً على هذه التفاعلات المتوقعة، يُصبح مستوى توترك ضمن حدود السيطرة ويمكن له أن يمدّك بالطاقة اللازمة للإجابة عما تبقى من الأسئلة غير المتوقعة، والتي تأتي من المجالات التي لم تفكّر بها وتحتاج إلى سرعة بديهتك. أخبرني بعض عملائي أنّ التدريب منحهم الثقة التي كانوا يحتاجونها وساعدهم على الإجابة عن الأسئلة الغريبة والمفاجئة.

ولكن ما الذي يحصل إذا شعرت أثناء المقابلة بأنك أخفقت على الرغم من كل التدريب الذي قمت به؟ ربما يشتدّ توترك بسرعة ويجعلك تدور في دوامة من اليأس ويجعلك تشعر بأنك ترتكب المزيد من الأخطاء في ما تبقى من المقابلة، وأنك خسرت الوظيفة فعلاً. لكن، وبالرغم من عدم إمكانية طلب إعادة المقابلة بأكملها، تأكد أنه يمكن إصلاح بعض الأخطاء. فعندما تدرك أنك نسيت ذكر أمر هام، تستطيع تدارك ذلك من أجل تخفيف توترك المتصاعد. فإذا كُنت لا تزال في المقابلة، يمكن دوماً أن تقول: "لقد أدركت للتو أنني نسيت ذكر كذا…". وهكذا تكون قدمت المعلومة التي أردت إيصالها. أما إذا أدركت نسيانك ذكر أمر هام بعد انتهاء المقابلة، فيمكنك إرسال رسالة إلكترونية لشكر من أجرى المقابلة معك، تقول فيها: "أودّ إضافة…، أو توضيح…، أو مراجعة ما قلته عن كذا…". ومرة أخرى، تمكنت من إتمام ما أردت إيصاله. والآن لن يؤرقك ما نسيت قوله أو ما أخطأت فيه. أخبرني أحد عملائي أنّ مدير التوظيف قدّر رغبته بالاعتراف عندما أخطأ في المقابلة وقام بتوظيفه أولاً لإدراكه أنه مؤهل لهذا العمل، وثانياً لأنه لم يستسلم.

في بعض الأحيان، يزداد التوتر عند البعض أثناء المقابلات بصورة تفوق ما يمرّ به معظمنا. إذ يمكن أن تكون التجربة صعبة جداً عندما يقف المتقدم وحده أمام عدد من الأشخاص لإجراء المقابلة. ربما تتمكن من تخيل ذلك الوضع أو مررت به فعلاً. خذ مثلاً نورا، واحدة من عملائي، وهي بارعة جداً في مجالها وتجيد التفاعل مع الآخرين، لكنها انطوائية وتفضل التعامل بصورة فردية مع الآخرين. علمت أنّ فريقاً مؤلفاً من عدة أشخاص سيجري لها مقابلة العمل، وأرادت مناقشة ما يمكنها فعله في هذا الوضع للحفاظ على هدوئها وثقتها. وكان ما يقلق نورا هو أنها ربما لن تتمكن من التواصل بصورة فعالة مع جميع أفراد الفريق، علماً أنها ستبذل كل ما بوسعها لتتمكن من الإجابة عن أسئلتهم ومحاولة تذكر من يكون كلّ منهم.

لذلك، قمت وإياها بمناقشة قيامها بوضع مخطط للطاولة البيضاوية، حيث يجلس من يجرون المقابلة معها على دفتر الملاحظات الذي ستحمله، وعندما يقومون بالتعريف عن أنفسهم تضع أسمائهم ومسمياتهم الوظيفية كلاً على موقعه منها. وهذا ما كان، إذ كان أفراد فريق المقابلة مسرورين من قدرتها على التوجه إلى كل واحد منهم باسمه خلال المقابلة. إضافة إلى ذلك، خططت نورا أن تقوم بالنظر مباشرة إلى كل واحد من الفريق عندما يخاطبها أو يستمع إليها. وعن طريق التخطيط لهذه الأمور التي تساعد في السيطرة على التوتر الناشئ عن المقابلة مع فريق متعدد الأفراد، شعرت بثقة أكبر ولم يزدد توترها بصورة كبيرة. كما شعر أفراد فريق المقابلة بدورهم أنها تمكنت من التواصل معهم جميعاً وأنها بذلت ما بوسعها للتعرف عليهم جيداً بصورة فورية.

هناك حالة أخرى ربما تصاب على إثرها بالتوتر الشديد، وهي أن يُطرح عليك سؤال غير منطقي. فأنت لم تتوقعه أبداً، ومن يتوقع سؤالاً كهذا؟ ولست متأكداً إذا كان من يطرحه عليك جاداً أم أنه يمزح، وعليك أن تجد الإجابة التي يتوقعها الآخر بسرعة. في هذه الحالة، تكون الخطوة الأولى في ضبط توترك وإيجاد الإجابة المناسبة هي الاعتراف بطبيعة السؤال غير الاعتيادية. كأن تقول: "هذا سؤال مثير للاهتمام. هل لي أن أفكر فيه لبعض الوقت؟"، هذا التصرف يساعدك على معرفة مدى جدية من طرح عليك هذا السؤال ومعرفة رغبته الحقيقة في الحصول على إجابتك. هل هو مجرد دعابة لكسر التوتر بينكما أم هو محاولة جدية لمعرفة إن كنت سريع البديهة؟ إن كان سؤالاً جدياً، فسيمنحك من يجري المقابلة بعض الوقت لتتمكن من التفكير بموضوع لم تستعد له مسبقاً.

طُرح سؤال غريب على واحدة من عملائي، تدعى سالي، وهو عن نوع النبات الذي كانت تود أن تكونه لو خُلقت نباتاً. فكان جوابها: "حسناً… هذا مثير للاهتمام. دعني أفكر بالأمر للحظات". فتجاوب الشخص الذي يجري المقابلة معها بإيماءة متحمسة وانتظر بصبر. وعندما جاوبت سالي بعد وقفة قالت: "لقد استمتعت بالتفكير بذلك، فأنا استمتع دائماً بالتفكير بأفكار جديدة، وأعتقد أنني سأود أن أكون نبتة صبّار. فهذه النبتة صامدة، لأنها تثبّت نفسها بقوة ولا تحتاج إلى الكثير من الماء. ومهما كان الطقس حولها، مشمساً أم ماطراً، بارداً أم حاراً فهي تبقى ثابتة في مكانها. حتى أنها تُقدم بعض ثمار الصبّار الرطبة لمن تاه في الصحراء. وبصورة مشابهة، أنا أعمل بجد وأتفهم الحاجة للبقاء متنبهة لتقديم المساعدة للآخرين كي ينجحوا أيضاً".

سواء كان سؤالاً غير منطقي أم لا، يمكن أن تؤدي مقابلة جدية وهامة إلى شعورك بالتوتر الشديد الذي يؤدي إلى توقف دماغك عن التفكير نهائياً، فتشعر أنّ رأسك أصبح خاوياً وتتلعثم وتحمرّ خجلاّ. ماذا ستفعل عندها؟

تنفس بعمق وارتشف بعض الماء وخذ لحظة لاستعادة رباطة جأشك. لا بأس أن تقول: "حسناً، دعني أفكّر بذلك للحظة"، حتى لو كان سؤالاً عادياً. أو ربما تقول: "هل تعني…" أو "هلّا أعدت السؤال بصيغة أخرى؟". كما يمكنك أن تسأل: "هل كان جوابي وافياً لما كنت تسأل عنه؟".

إلى جانب ذلك، تذكّر أنك أنت أيضاً تجري مقابلة مع المؤسسة كما تجريها هي معك، فهذا سيساعدك على استعادة بعض الثقة والقليل من الهدوء. فأنت أيضاً تملك قدراً من السيطرة على المحادثة وعلى بعض الأسئلة الجيدة التي يمكنك طرحها على من يجرون المقابلة معك من أجل معرفة ما إذا كان بإمكان هذه الوظيفة والمؤسسة حقاً تقديم ما ترغب أن تحظى به في وظيفتك الجديدة.

ويمكننا القول هنا إنّ أفضل ما يمكن أن تحمي به نفسك من التوتر الشديد خلال مقابلة العمل هو الهجوم الجيد. تدرّب مسبقاً على ما يجب أن تقوله، سواء كنت طلبته منذ البداية أم لا. وذكّر نفسك بقيمتك ومهاراتك وقدرتك على تعلم مهارات إضافية بحماس. وإذا كنت تعاني من القلق أو من انعدام الثقة بالنفس في المقابلات أو بشكل عام، قم باستشارة مشرف مهني أو مستشار يستطيع مساعدتك على الاستعداد عاطفياً لهذا النوع من المواقف. وذكّر نفسك أنه ليس من الضروري أن تحصل على هذه الوظيفة بالذات، لكنك تعلم أنك بذلت ما بوسعك للبقاء هادئاً وللتميّز في المقابلة قدر المستطاع.

في السياق ذاته، إذا كنت ممن يصابون بتوتر شديد ويتصببون عرقاً، عليك أن ترتدي لباساً وحذاء مريحين لتتمكن من التنفس بسهولة والتركيز على الأمور التي تناقشها.

أخيراً، ذكّر نفسك أنّ التوتر في المقابلة أمر طبيعي، بل وضروري أيضاً. فعندما تستعدّ لإجراء مقابلة ناجحة، عليك الاستعداد لمواجهة التوتر أيضاً. وعن طريق التدرب المسبق على المقابلة وحسن التحكم بالتوتر خلالها يمكنك التخفيف من حدته والحفاظ على هدوئك. وعندما تُدرك أنه بإمكانك قول كل ما تريد قوله عن مؤهلاتك، وتستعد جيداً لتلقي الأسئلة الصعبة ستتنفس بعمق وستكون واثقاً أنك تستطيع مواجهة التحديات المفاجئة. إذاً، استثمر توترك بصورة فعالة واحصل على العمل الذي تريد.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!