حتى قبل اندلاع أسوأ أزمة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، كانت الحكومات في جميع أرجاء العالم العربي تعاني من تقديم تعليم نوعي على الرغم من ازدياد معدلات الالتحاق. وحتى الدولة العربية الأعلى أداء في "البرنامج الدولي لتقييم الطلبة" (PISA) نجدها تقع عند مستوى أدنى بكثير من متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وهذا على الرغم من بيانات البنك الدولي التي تبين أن نسبة الإنفاق العام على التعليم في العالم العربي تزيد فعلياً عن متوسط إنفاق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ومن المؤسف بالنسبة للمتعلمين العرب أن حالة الركود التي تشهدها مخرجات التعلم عبر نظام التعليم العام تقترن بضعف شديد في الاهتمام والدعم المقدم لأصحاب المشاريع التعليمية الريادية في المنطقة. فعلى سبيل المثال، على الرغم من التزايد المذهل لمعدّلات الاستثمار العالمي في مجال تكنولوجيا التعليم (حيث تجاوز 9 مليارات دولار في العام 2017 ثم 16 مليار دولار في العام 2018)، بيد أنه لم تحصل المنطقة سوى على جزء ضئيل من ذلك (أقل من 1%). وعلى نحو أدق، في الوقت الذي يبدو فيه أنّ الاستثمارات المؤثرة (impact investing) والأعمال الخيرية الاستثمارية (venture philanthropy) في ازدياد على الصعيد العالمي بمشاركة جهات فاعلة مثل صندوق أكيومن، و شبكة أوميديار وغيرها من الجهات الأخرى التي تلعب دوراً نشطاً في دعم البيئات التعليمية في شتى أرجاء العالم، إلا أنه لا يوجد أي نشاط من هذا القبيل في المنطقة العربية. ويعتبر غياب مثل هذا الدعم من كل من الجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية أمراً محيراً للغاية بالنسبة لمنطقة تُخرج حوالي 300,000 متعلم جديد سنوياً (من قاعدة تضم أكثر من 50 مليون طالب).

في ضوء ما سبق، واستناداً إلى محادثات أجريت مع الجهات الفاعلة في أجزاء أخرى من العالم، حيث لعبت رؤوس الأموال الصغيرة دوراً ملموساً في المساعدة في تشكيل جهود بناء البيئات التعليمية المواتية و الداعمة للابتكار، أطلقت مؤسسة الملكة رانيا جائزة ريادة التعليم. ولقد نُظمت المسابقة للتحقق من صحة بعض الافتراضات التي ظهرت من خلال جهودنا البحثية، وتحديداً ما إذا كانت هناك مجموعة قوية من الشركات الناشئة القابلة للاستثمار فيها تعمل في العالم العربي. وتولت المسابقة تقييم الشركات الناشئة من حيث جودة ابتكاراتها والتأثير الذي تحدثه حتى الآن وإمكانية توسيع نطاقها. ومع مشاركة أكثر من 400 شركة ناشئة،  يغمرنا التفاؤل بشأن وجود مجموعة من الشركات الناشئة الجديرة والقابلة للاستثمار فيها والتي تعمل في مجالات عديدة بدءاً من إجراء تجارب الواقع الافتراضي للمدارس، وحتى تطبيق برامج الذكاء الاصطناعي لتحسين تعلم القراءة والكتابة باللغة العربية. وتقع الشركات الناشئة بشكل عام في مصر (31%) والأردن (18%) والإمارات العربية المتحدة (8%) بمتوسط إيرادات ربع سنوية بين المتأهلين إلى الجولة قبل النهائية (16 مرشح) قدره 500,000 دولار.

وأتاحت لنا المسابقة الفرصة للتعمق أكثر في بيئة الشركات الناشئة والعودة بثلاثة دروس أساسية نأمل أن تكون مفيدة:

الدرس الأول:  يجب علينا مساعدة الشركات الناشئة على تطوير تصميم يهدف لإحداث تأثير ملموس

إنّ تحديد مقومات الابتكار الهادف والمؤثر كان من بين مجالات التركيز الأساسية للمسابقة. وبصفة عامة، أظهرت طلبات التقديم مدى انخفاض مستويات الفهم فيما يتعلق بتقييم التأثير، وأظهرت أنّ هناك ميلاً واضحاً بين المتقدمين إلى المبالغة مراراً في إثبات جودة ما يقدمونه مثل الإعتماد على شراء العملاء للمنتج كدليل على الأثر الإيجابي، وذلك شرط أساسي ولكن لا يوفي بتحقيق أي أثر إيجابي على المتعلم. ونرى أنه يمكن تفسير ذلك جزئياً بسبب الافتقار إلى برامج مسرعات أو حاضنات مركزة على التعليم وغياب أي أطر للتعاون مع الأوساط الأكاديمية التي يمكنها مساعدة الشركات الناشئة على فهم تأثير أعمالها بشكل أفضل من خلال توفير التدريب المتخصص، وأخيراً عدم وجود مواقع "اختبار للبرنامج". ويمكن لرعاية أو تطوير برامج مثل "إنجيني" (Injini) أو "إديوكيت" (EDUCATE) أو "إميرج" (emerge) أو "آي زون" (iZone) في المنطقة أن تسهم كثيراً في معالجة هذه المشكلة، ومن الرائع رؤية جهات مثل اليونيسف ومنظمة الفنار تفكر في هذه التحديات.

الدرس الثاني: ثمة فرص (وتقنيات) كثيرة للابتكار لا تحصل على الاهتمام الكافي

أولاً، تفاجأنا لملاحظة أنّ بعض الفرص أو مجالات التركيز الواضحة الهادفة لتحسين التعلم لم تظهر أكثر بين مجموعة المتقدمين. فعلى سبيل المثال، توقعنا نظراً لاحتياجات المنطقة أن نرى المزيد من نماذج المدارس الخاصة منخفضة التكلفة ومقدمي خدمات رياض الأطفال الذين يركزون على النتائج، ونماذج مرنة للتطوير المهني للمعلمين.

ثانياً، كانت هناك أيضاً فرصة لنماذج أعمال أكثر إبداعاً مثل الدفع حسب النتائج أو إتفاقيات تقاسم الدخل للبرامج التي يتمثل هدفها النهائي في إلحاق المتعلمين بسوق العمل. وأخيراً، كان هناك أيضاً مجال لاستخدام المزيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين النتائج؛ فعلى سبيل المثال، من خلال تفعيل أشكال جديدة من التقييم أو تقديم دعم ذكي للمعلمين بهدف مساعدتهم على تنظيم آليات التعلم بشكل أفضل. وتحدث العديد من المتقدمين عن طموحاتهم في توظيف هذه التكنولوجيا لتحسين التعلم، ولكن ثلاثة منهم فقط – كم كلمة ونكس كوير ولوجي – استطاعوا تحقيق تقَدم ملموس في هذا الصدد.

ولدى الجهات الخيرية والمستثمرين والمؤسسات الأكاديمية فرصة نادرة هنا لتحفيز الابتكار في هذه المجالات. ونسعى بالفعل في مؤسسة الملكة رانيا لدعم الفائزين في المسابقة وغيرهم، لتعزيز أعمالهم في هذا المجال.

الدرس الثالث: قد يؤدي وجود أنظمة مدرسية شديدة المركزية إلى مزيد من عدم المساواة

يشتهر التعليم بأنه قطاع يصعب العمل به: حيث تعتبر دورات المبيعات طويلة، كما أنّ موسمية المبيعات تعني أنّ التدفق النقدي يمثل مشكلة في كثير من الأحيان، وغالباً ما تتسم الوزارات الحكومية بالبيروقراطية وصعوبة الوصول إليها، كما أنّ إنشاء مؤسسات جديدة يتطلب رأس مال كبير، وعندما يتعلق الأمر بتكنولوجيا التعليم (EdTech) يكون الطلب المستنير منخفضاً في العادة.

إلى جانب ذلك، تتسم النظم المدرسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (خاصة خارج دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يتجه غالبية المتعلمين في العادة إلى القطاع الخاص) بانخفاض استقلالية المدارس ومركزية القرارات الشرائية  على مستوى المدرسة.

وهذا يعني أن رواد التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على عكس المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة الأميركية، يرون أنه من الحكمة في الغالب تبني نموذج عمل "بين المنشآت التجارية والمستهلكين" (B2C) بالتركيز على برامج ما بعد المدرسة أو البرامج التكميلية، حيث يدفع الأهالي أو المتعلمين مقابل الخدمة المقدمة. وقد انعكس ذلك في بياناتنا: إذ صرح المتقدمين أنّ مصدر إيراداتهم الأساسي هو أولياء الأمور (30%)، والمتعلمون (29%)، والمدارس (11% فقط)، والحكومة (4% فقط). وبالنظر إلى أن أولياء الأمور بطبيعة الحال هم من سيدفعون نفقات التعليم للمتعلمين الأصغر سناً، فمن المنطقي افتراض أنّ نسبة الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تدير نموذج عمل "بين المنشآت التجارية والمستهلكين" تبلغ 60% تقريباً وتستهدف أولياء الأمور كمستهلكين.

وإحدى آثار هذا الأمر يتمثل في أنّ إمكانية الوصول للخدمات تتأثر بشكل مباشر باستعداد الشريحة المستهدفة وقدرتها على الدفع. وبالنسبة للفرضية التي تفيد بأن تكنولوجيا التعليم المصممة جيداً يمكن أن توفر الكثير لعملية التعلم في مجالات مثل مهارات القراءة التأسيسية أو مهارات الرياضيات، فهي تمثل مشكلة اجتماعية تتطلب اهتمام الحكومات والمؤسسات، إما من خلال النظر في قرارات الشراء اللامركزية على مستوى المدرسة (مع بناء القدرات المرتبطة بذلك) أو من خلال دعم مشتريات أولياء الأمور من خلال منح تخفيضات ضريبية على سبيل المثال.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!