كان ديفيد غارفين، الذي توفي منذ سنتين، أحد أعظم أساتذة كلية هارفارد للأعمال بكل المقاييس، حيث إنه أضاء صفوف الدراسة وأذهان الطلاب في الكلية على مدار 38 عاماً. لقد كان سخياً للغاية مع طلابه وزملائه أعضاء الهيئة التدريسية كباراً وصغاراً، وكذلك مع محرري مجلة هارفارد بزنس ريفيو أيضاً.

وكان غارفين مختصاً أكثر من المتخصصين، ربما لأنه كان قد بلغ درجة متقدمة من النضج عندما التحق بكلية هارفارد للأعمال في ثمانينيات القرن الماضي، وحينها كان تركيز الكلية الأساسي منصباً على تطوير مهارات المدراء العامين. ولعل ثقافته الموسوعية (في أغلب الظن) هي التي جعلته المؤلف المثالي لمقالات هارفارد بزنس ريفيو. لم يأت غارفين بفكرة إبداعية واحدة حملت توقيعه وارتبطت باسمه، كفكرة "السجل المتوازن لقياس الإنجاز" التي ارتبطت باسم روبرت كابلان، أو فكرة "الابتكار المزعزع" المرتبطة باسم كلايتون كريستنسن؛ لكنه منحنا شيئاً لا يقل أهمية عن تلك الأفكار: لقد أثار فضولنا – وقدم لنا رؤية عميقة وشاملة – حول المهام والأعمال الصعبة والمتشعبة المنوطة بمدراء العموم..

وسأورد فيما يلي بعض الأمثلة، ابتداء بأولى مقالاته في مجلة هارفارد بزنس ريفيو، مع التركيز أكثر على أعماله ومقالاته اللاحقة. (ولعل استعراض إسهاماته كما سيتضح لاحقاً من شأنه أن يمنحنا جولة سريعة على العديد من الأفكار العظيمة التي شغلت الاختصاصيين والأكاديميين الممارسين في الماضي القريب نسبياً).

لم يكتف غارفين عموماً بمعالجة مهام المدراء وأعمالهم معالجة سطحية، بل غاص في التفاصيل والممارسات على أرض الواقع. وهذا ما فعله في مقالته "كيفية الإدارة مع النظر إلى المستقبل" (Managing as if Tomorrow Mattered ) في العام (1982) التي تشارك في تأليفها مع روبرت هايس، وعالج فيها بالتفصيل كيف أن اعتماد الشركات المصنعة لمعيار "الحد الأدنى لمعدل العائد" في الحكم على جدوى فرص الاستثمار قد أدى إلى تدنّ منهجي في الاستثمار في كل من المصانع والمنشآت من جهة ورأس المال البشري من جهة أخرى. بيد أن المقالة كانت تهدف إلى إيصال الفكرة الأسمى المتمثلة في أنّ القادة عندما يستثمرون وتركيزهم منصب على الأهداف قصيرة الأجل، فإنهم يعرضون الأداء طويل الأجل للخطر. (ألا تبدو هذه الفكرة مطروقة؟ لقد عادت مؤخراً مقالات كثيرة لتعالج هذا الموضوع وتناقش استمرار الشركات في الاعتماد على معيار "الحد الأدنى لصافي القيمة الحالية" في آلية اتخاذ القرار بشأن استثماراتها). ولقد فازت هذه المقالة المتبصرة بجائزة ماكنزي التي تمنح كل عام لإحدى مقالات هارفارد بزنس ريفيو بوصفها الأكثر أهمية – ولقد كانت تلك أولى الجوائز العديدة التي حصل عليها غارفين.

والآن سنعبر بسرعة عقداً من الزمن أسهم فيه غارفين المتمرس في مجال العمليات، في الإجابة عن السؤال الذي شكل هاجساً للكثيرين من الأميركيين في ذلك الوقت، ألا وهو: كيف تمكن صانعو السيارات اليابانيون من تصنيع سيارات أعلى جودة وأكثر موثوقية من صانعي السيارات الأميركيين وبأسعار أقل. ولقد بقيت مقالتا غارفين – "التنافس على الأبعاد الثمانية للجودة" (Competing on the Eight Dimensions of Quality ) لعام (1987) و"ما الذي يعنيه فعلاً تعبير جودة المنتج؟" (What Does ‘Product Quality’ Really Mean?) (سلوان مانجمنت ريفيو، 1984) – تلقيان قدراً كبيراً من الاهتمام، ولكن مع اقتراب الألفية الجديدة وانخفاض اعتماد النمو الاقتصادي على التصنيع، بات غارفين أقل تركيزاً على إدارة الجودة بوجه خاص والتفت إلى الاهتمام بجميع العمليات التي تطبقها الشركات لإنجاز أعمالها بشكل كامل.

وتمثل مقالة أخرى لغارفين، منشورة في مجلة سلوان مانجمنت ريفيو (وكان لي شرف دراستها وتقييمها)، تمهيداً وسياقاً مناسبين لأكثر مقالاته شهرة في مجلة هارفارد بزنس ريفيو. وتشرح مقالة "عمليات التنظيم والإدارة" (The Processes of Organization and Management) لعام (1998) كيف أن غارفين وآخرين باتوا مهتمين أكثر في النظر إلى العمليات بوصفها نافذة إلى الإدارة العامة. فبالنسبة للمبتدئين، يمثل نهج دراسة العمليات طريقة وسيطة مناسبة لتقييم ودراسة المؤسسات والشركات، إذ إنّ دراسة العلميات أشمل من النظر إلى المهام المنفردة وأكثر تخصصاً من النظر إلى المؤسسة ككل. وفضلاً عن ذلك يمثل نهج دراسة العمليات طريقة متماسكة وفعالة لدراسة العمل الإداري بشكل شمولي ومتكامل. وبحسب ما جاء في المقالة فإنّ "العمليات توفر توصيفاً مفصلاً للأدوات والوسائل". ويقدم غارفين في مقالته إطاراً مناسباً لتصنيف العمليات ويصف بعضاً منها بشكل مفصل على صفحات هارفارد بزنس ريفيو، ألا وهي عملية اتخاذ القرار، وعملية التعلم المؤسساتي، وعملية التواصل.

وبرأيي فإن مقالة "ما لا تعرفونه حول اتخاذ القرارات" (What You Don’t Know About Making Decisions) لعام (2001) التي ألفها غارفين مع مايكل روبرتو، هي أفضل مقالة في أرشيف مجلة هارفارد بزنس ريفيو حول آلية اتخاذ القرارات في المؤسسات. وتتمثل الفكرة المركزية للمقالة في أن اتخاذ القرارات هي آلية، لا مجرد حدث في لحظة زمنية محددة. وتحدد المقالة أنواع القرارات التي يتعين على المدراء التنفيذيين اتخاذها، وتضع أفضل الممارسات لهيكلة آلية اتخاذ القرارات، وتحذر من الأخطاء النمطية التي يمكن ارتكابها أثناء ذلك. وإذا ما زاوجنا هذه المقالة مع مقالة "الفخاخ الخفية أثناء عملية اتخاذ القرارات" (The Hidden Traps in Decision Making) لعام (2006) لمؤلفيها جون هاموند، ورالف كيني، وهوارد رئيفا، التي تنظر في التحيزات المعرفية التي تعطل عملية اتخاذ القرارات لدى الأفراد؛ فإننا نحصل على عمل متميز ورائع حول هذه العملية التي هي من أهم المهام الإدارية على الإطلاق. ومع الاحترام الكامل وفائق التقدير للمقالات الحديثة المنشورة حول هذا الموضوع والتي يفتح العديد منها آفاقاً جديدة، إلا أنك عندما لا تسمح لك الظروف بقراءة أكثر من مقالتين، فعليك بالتأكيد اختيار المقالتين المذكورتين دون سواهما.        

ويعجبني أمرين اثنين في مقالة "بناء مؤسسة قائمة على التعلم" (Building a Learning Organization) لعام (1993)، والتي تعد أولى مقالات غارفين حول هذا الموضوع في صفحاتنا (وهي مقالته الأولى من حيث عدد مرات الاستشهاد بها). الأمر الأول أنه يسخر من الادعاءات المبالغ فيها والتي يلجأ إليها العلماء المحترمون عندما يكونون متحمسين لموضوع ما، إذ يقول: "لطالما كانت النقاشات حول المؤسسات القائمة على التعلم مثالية وطوباوية ومليئة بمصطلحات غامضة وشبه صوفية. فأصحاب تلك الرؤية يدفعونك للاعتقاد بأن الفردوس على الأبواب". أما الأمر الثاني، فهو أن لغة المقالة تتمتع بالحزم والصرامة، كما يظهر الاقتباس السابق. ولقد أكد غارفين على أهمية إجراء التجارب الدقيقة والصارمة (قبل أن يغدو المنهج التجريبي موضة سائدة لدى الجيل الجديد من المبتكرين بزمن طويل)؛ وعلى أهمية تحديد المشاكل بدقة وتبصر؛ وعلى أهمية القياسات الذكية والمصممة بشكل جيد. لم يغفل غارفين الجانب الأكثر ليونة للموضوع (كتوفير الوقت الكافي للتفكير والتبصر، وفتح الحدود)، غير أن ذلك الجانب لا يحتل مكانة مركزية في تحليلاته.

كما عملت مقالة أخرى تشارك غارفين في تأليفها مع إيمي إدموندسون وفرانشيسكا جينو، على التعمق في معالجة مواضيع مثل الأمن السيكولوجي والانفتاح على الأفكار الجديدة وانتباه القادة. أما المقالة الأساسية "هل مؤسستك قائمة على التعلم؟" (Is Yours a Learning Organization؟) لعام (2008)، حسبما يتراءى لي، فهي التي يمكن الاستفادة منها كأداة تقييم تسمح للمدراء العامين والمدراء التنفيذيين بتقييم أداء مؤسساتهم وقياسها بالمقارنة مع وحدات ومؤسسات أخرى. ومرة أخرى نؤكد على أن خلق البيئة المناسبة لوحده لن يؤدي إلى إنجاز أي شيء، ما لم تقدم على تحديد وقياس وإدارة ما تقوم به.

لقد كان غارفين مؤلفاً خصباً لدراسات الحالة، ومع أن الحالات التي كان يذكرها كانت تغني مقالاته، إلا أنها نادراً ما كانت تشكل المحور الأساسي لمقالاته. ولكن في مقالته "إحداث التغيير عبر الإقناع" (Change Through Persuasion) لعام (2005)، التي تشارك في تأليفها مع مايكل روبرتو، ابتعد عن تلك القاعدة، حيث تمحورت مقالته حول دراسة حالة بول ليفي، ووصفت المقالة خطوات عملية التحول المضنية التي قادها ليفي خطوة بخطوة، وذكرت بالتفصيل من هم الأشخاص الذين كان يتعين عليه إقناعهم، وبماذا، ومتى، وكيف أقدم ليفي على هيكلة عملية التواصل تلك. ولعل عملية تحويل مؤسسة متعثرة إلى ناجحة هي عملية صعبة ومضنية للغاية – وربما من أصعب المهام التي يواجهها المدراء خلال خدمتهم – ولم يدع المؤلفان اكتشاف الوصفة السرية لذلك التحول. بيد أنهما بيّنا أن التعامل مع عملية التحول كما لو كانت حملة سياسية، يتعين على المرء فيها إقناع الأطراف المتباعدة بالتعاضد لتحقيق هدف مشترك، يشكل نقطة الانطلاق الصحيحة لإنجاح ذلك التحول.

وعندما أعلن غارفين عن مقالته التي نشرها عام 2013 تحت عنوان "كيف عينت جوجل مهندسيها في مناصب الإدارة" (How Google Sold Its Engineers on Management)، ضحكت في سري – إذ كيف لأي شخص ذكي أن يشك للحظة في أهمية اختصاصيّ الإدارة؟ لكن عندما درست زميلتي ليزا بوريل المقالة اتضح لنا أنها تتمحور حول فكرة مفادها أنه: في حين كان العاملون في قطاعات الاقتصاد التقليدية يؤمنون بأهمية الإدارة (ولو أن الشك كان يساورهم أحياناً حيال فائدة وجدوى المدراء القيمين عليهم)، لم يكن مؤسسو شركات التكنولوجيا الناجحة اقتصادياً ولا العاملون فيها يؤمنون بالضرورة بأهمية وجدوى الإدارة. (وقد يشكل ذلك بالنسبة لهارفارد بزنس ريفيو وبالنسبة لكليات إدارة الأعمال مشكلة أكبر مما يمكن للمرء أن يتوقع). وعندما أدرك مؤسسو جوجل أنهم في واقع الأمر بحاجة إلى المدراء، بادروا إلى إقناع مهندسيهم بأهمية وضرورة المدراء الجيدين على طريقة جوجل النمطية في الإقناع (وطريقة غارفين أيضاً): إذ بادروا إلى جمع البيانات، وإجراء التجارب، ومشاركة نتائجهم مع الموظفين. ولقد كانت النتيجة أن فرق العمل التي يقودها مدراء جيدون أبلت بلاء أفضل من الفرق التي يقودها مدراء مستواهم أدنى من الجيد بقليل. وهكذا أُقفلت الدراسة (إلى أن يقوم المهندسون بتطوير برمجية تقوم بمهام الإدارة على نحو أفضل من المدراء).

اشتُهر غارفين في كلية هارفارد للأعمال بأنه مرشد جيد ومستمع عظيم. ولعل مقالته الأخيرة بالاشتراك مع جوش مارغوليس: "فن النصح والانتصاح" (The Art of Giving and Receiving Advice) لعام (2015) كانت انعكاساً مباشراً لخبرته الشخصية، على الرغم من أنها قائمة على الأبحاث ومليئة بالأمثلة. ولقد انطلقت مما يبدو فناً وموهبة خالصة وحللته إلى مركباته المتعددة: مراحل أن يكون المرء مرشداً لشخص آخر (أو أن يسترشد بنصائح شخص آخر) وحيثيات القرار الكبير بذلك؛ والأخطاء النمطية التي قد يقع فيها الناس على طرفَي العلاقة؛ والمعيقات التي يتعين توقعها والحذر منها؛ والمشاكل التي تظهر بعد أن تظن أنك قد أنجزت المهمة؛ وكيف لك أن تعلم إن كان قرارك قراراً صحيحاً أم خطأ.

يبدو لي أن ديفيد غارفين قد حصل على ما يرضيه من الاعتراف والتقدير لكونه أستاذاً سخياً وزميلاً كريماً أكثر من كونه باحثاً ومفكراً في حقل الإدارة. ومع ذلك فإن أعماله المنشورة غنية بالحكمة والرؤى العميقة والعملية. إن القيادة العظيمة والناجحة هي مهمة بالغة الصعوبة؛ وحتى مجرد امتلاك الكفاءات الأساسية للإدارة هو أمر أصعب مما يتخيله الناس في غالبيتهم. ولا بد لمن يرغب ويطمح في خوض غمار ذلك التحدي أن يقرأ الأعمال التي ألفها غارفين حول الإدارة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!