تخصص أول ساعة من يومك للعمل على وثيقة استراتيجية كنت تؤجلها على مدار أسبوع. لم تكن منضبطاً بشأن العمل عليها، ولكنك تعاملت مع أزمة تلو الأخرى خلال الأسبوع الماضي. والآن في نهاية المطاف، اقتطعت 90 دقيقة من ساعات الصباح المبكر للعمل عليها.

أولاً، تلقي نظرة خاطفة على رسائل البريد الإلكتروني التي تكدّست في صندوق الوارد بين عشية وضحاها. وقبل أن تدرك الأمر، تكون قد أضعت 90 دقيقة كاملة في الرد على هذه الرسائل، على الرغم من أنها جميعاً غير ملحة بالفعل.

وبحلول الوقت الذي تدخل فيه إلى اجتماعك التالي، تشعر بالارتباك لأنك لم تستطع الالتزام بخطتك. هذا الاجتماع هو مناقشة مع أحد الموظفين العاملين تحت إمرتك عن النهج الذي سيتبعه في التفاوض مع عميل مهم. لديك آراء قوية حول الطريقة الأفضل للتعامل مع الوضع، ولكنك وعدت نفسك أنك ستكون منفتحاً وفضولياً بدلاً من إطلاق الأوامر والأحكام. ففي نهاية المطاف، أنت ملتزم بأن تصبح مديراً يمكّن موظفيه على نحو أكبر.

وبدلاً من ذلك، تجد أن غضبك يزداد بينما يقوم ذلك الموظف بوصف نهج يبدو لك أنه خاطئ. تندفع لمقاطعته في لحظة حاسمة. ويكون رد فعله دفاعياً. تشعر بالقلق للحظة، وأنت على حق في ذلك، لأنك قاطعته بسرعة كبيرة، ولكنك تخبر نفسك أنك عملت مع هذا العميل لسنوات، والنتيجة مهمة، وليس لديك الوقت الكافي لسماع شرح الموظف كاملاً. يغادر مكتبك وهو يشعر بالإساءة والإحباط.

أهلاً بك في الدراما غير المرئية التي تحدث داخلنا طوال اليوم في العمل، وغالباً خارج وعينا. يعتقد معظمنا أننا نمتلك نفساً واحدة. ولكن الحقيقة هي أننا نمتلك أنفساً مختلفة، يديرها نظاما تشغيل منفصلين، في أجزاء مختلفة من عقولنا.

النفس التي نعرفها جيداً، هي تلك التي خططت للعمل بجد على وثيقة الاستراتيجية والاستماع بصبر إلى الموظف العامل تحت إمرتك، تديرها القشرة أمام الجبهية ويتم معالجتها عن طريق الجهاز العصبي اللاودي. هذه هي النفس التي نفضل تقديمها إلى العالم. هي نفس هادئة ومدروسة ومتزنة وقادرة على اتخاذ قرارات متأنية.

والنفس الثانية تديرها اللوزة الدماغية، وهي كتلة صغيرة من النواة لوزية الشكل موجودة في منتصف الدماغ ويتم معالجتها عن طريق الجهاز العصبي الودي. وتتولى نفسنا الثانية زمام التحكم في تصرفاتنا في كل وقت نبدأ فيه بالشعور بتهديد أو خطر ما. وهي نفس ارتكاسية وتلقائية وتعمل على نحو واسع خارج سيطرتنا الواعية.

وتخدمنا النفس الثانية جيداً عندما يهجم أسد علينا، ولكن التهديدات التي نواجهها اليوم هي لإحساسنا بالقيمة والمنزلة. وقد تبدو هذه التهديدات مخيفة تقريباً كتلك الأمور التي تهدد بقاءنا، ولكن الخطر الذي نواجهه لا يهدد حياتنا بالفعل. ومن شأن الاستجابة لها على الحال التي هي عليه أن يجعل الأمور أكثر سوءاً.

في هذه اللحظات بالذات نلجأ إلى استخدام قدراتنا الإدراكية العالية لتبرير أسوأ سلوكياتنا. وعندما نشعر بتقصيرنا، نستدعي "محامينا الداخلي"، وهو مصطلح ابتكره الكاتب جوناثان هايدت، بشكل غريزي ليدافع هنا.

يعتبر محامينا الداخلي خبيراً في التبرير والتفادي والتهرب والتحايل والإنكار والاستخفاف والهجوم، وتوجيه اللوم للآخرين على عثراتنا وتقصيرنا. ويعمل المحامي الداخلي ساعات إضافية لإخماد صوت نقدنا الداخلي، ولمواجهة الانتقاد من الآخرين. ويقلل كل هذا الاضطراب الداخلي انتباهنا ويستهلكه، ويستنزف طاقتنا.

والمشكلة هي أنّ معظم المؤسسات تقضي وقتاً أطول بكثير بالتركيز على توليد قيمة خارجية مقارنة بالاعتناء بالإحساس الداخلي بالقيمة لدى الموظفين. ويتطلب ذلك مهارات استكشافية لم يسبق لمعظم القادة تعلمها، ولم يحترفها سوى قلة منهم. وتكمن المفارقة هنا في أنّ تجاهل التجارب الداخلية للموظفين يقودهم إلى هدر المزيد من طاقتهم في الدفاع عن قيمهم، ويُبقي لهم القليل من الطاقة لخلق القيمة.

وقد اكتشفنا في عملنا مع القادة أن الترياق لرد الفعل من النفس الثانية هو تطوير قدرة على ملاحظة أنفسنا على الفور. ليس بوسعك تغيير ما لا تستطيع ملاحظته، ولكن الملاحظة قد تكون أداة قوية للانتقال من الدفاع عن قيمتنا إلى خلق القيمة.

ويسمح لنا وجود مراقب ذاتي مهيأ على نحو جيد بأن نراقب أنفسنا المتبارزة دون التصرف بشكل متهور. كما يسمح لنا بالطلب من محامينا الداخلي لأن يقوم بالتراجع كلما حاول المرافعة في قضيتنا تجاه ناقدينا الداخليين والخارجيين. وفي نهاية الأمر، يمكن للمراقب الذاتي أن يعترف، دون إطلاق أي أحكام، أننا النفس الأفضل والأسوأ في آن واحد، ثم اتخاذ قرارات متأنية ومدروسة بدلاً من القرارات الارتكاسية حول كيفية الاستجابة في المواقف الصعبة.

لتحسين قدرتك على مراقبة الذات، ابدأ بالمشاعر السلبية مثل التململ والإحباط والغضب. فعندما تشعر بأن مستواها يرتفع، فاعلم أن هذه إشارة قوية على أنك تنزلق إلى النفس الثانية. وتسمية هذه المشاعر ببساطة عند ارتفاعها هي إحدى الطرق لتجنبها قليلاً.

وإضافة إلى ذلك، احذر من الأوقات التي تشعر فيها أنك متمسك برأيك. القناعة التامة أنك على حق والاضطرار للقيام بأمر معين هما مؤشران قويان على أنك تشعر بأنك تواجه تهديداً أو خطراً ما.

في عملنا، نقدم للقادة جرعات يومية صغيرة من الدعم، وهي رسائل تذكرهم بالانتباه إلى ما يشعرون به وما يفكرون فيه.  وقد وجدنا أن من المفيد بناء فرق صغيرة تجتمع على فترات منتظمة حتى يستطيع القادة مشاركة تجاربهم. ويساعد مزيج من الدعم والمجتمع والتواصل والمساءلة على موازنة الاندفاع المشترك للتوقف عن الملاحظة وتجنب الانزعاج والعودة إلى سلوكيات البقاء الخاصة بنا في وجه التهديدات المحتملة لقيمتنا. والنقطة الجيدة للبدء هي إيجاد زميل تثق به ليكون شريكك لشؤون المساءلة، وطلب تقييم مستمر من شخص آخر.

وأخيراً، من المهم أن تسأل نفسك سؤالين رئيسين في اللحظات الصعبة: "ماذا أيضاً يمكن أن يكون صحيحاً هنا؟" و"ما هي مسؤوليتي في هذا الأمر؟". من خلال استجواب استنتاجاتك الخاصة، فأنت توازن تأكيد التحيز لديك، وهو الغريزة للبحث عن دليل يدعم ما تؤمن به حقاً. ومن خلال الاهتمام بمسؤوليتك الخاصة، فأنت تقاوم الغريزة التي تتمثل في توجيه اللوم إلى الآخرين وتمثيل دور المتهم، وتركز بدلاً من ذلك على ما تمتلكه من قدرة عظيمة على التأثير، تتمثل في سلوكك الخاص.

ويكمن افتراض بسيط ومضلل في جوهر هذه المجموعة المحددة من الممارسات: شاهد أكثر لتكون أكبر. يقوم القادة الذين يقودون التغيير بالموازنة بين الشجاعة والتواضع بدلاً من التحسن ببساطة فيما يفعلونه بالفعل، من أجل النمو والتطور في كل يوم.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!