يعي الكثير من القادة اليوم مخاطر الإفراط في التعاون واستخدام الأدوات التعاونية في مكان العمل. وتثبت الأدلة باستمرار أن التكاليف التي تترتب على الاجتماعات والرسائل الإلكترونية والمراسلات الفورية وغيرها من وسائل التعاون في العمل تتجاوز فوائدها في الكثير من المؤسسات.

ولكن الأمر الذي قد نغفل عنه في الإحصائيات المثيرة للدهشة بشأن الرسائل الإلكترونية والاجتماعات المبالغ فيها هو أنّ هذا التعاون المفرط يكون دائماً أحد أعراض مشكلة تنظيمية أعمق، ونادراً ما يكون حالة اضطراب يمكن أن تتعافى بفعالية من تلقاء نفسها. ولن تجدي أي محاولة لتوفير الوقت المهدور، عن طريق توظيف أدوات جديدة (مايكروسوفت تيمز MS Teams مثلاً، أو سلاك أو بوكس) أو فرض توجيهات وقوانين جديدة للاجتماعات، إلا إذا اتُخذت إجراءات للتعامل مع المشكلة التنظيمية الأساسية. ويعود نجاح بعض الشركات في التصدي لهذه المبالغة في التعاون إلى اهتمامها بتوزيع العلاج على الأسباب الأساسية للتعاون العقيم، وليس على الأعراض فقط.

لا تأتي الاجتماعات والرسائل الإلكترونية والمراسلات الفورية وغيرها من التعاملات في أماكن العمل من تلقاء نفسها، بل تنتج عن تنظيم الشركة نفسه. وهي تعكس محاولات المدراء والموظفين إنجاز العمل ضمن قيود الهيكليات والإجراءات والقواعد المحددة. وبحسب خبرتنا، غالباً ما ينتج التعاون غير السليم من علتين تنظيميتين أساسيتين، وهما التعقيد التنظيمي وثقافة "التعاون لأجل التعاون".

التعقيد التنظيمي

تضيف الشركات مع نموها أبعاداً جديدة لتنظيماتها بصورة تلقائية. فتضيف الشركة ذات المنتج الواحد مثلاً منتجات جديدة أو تركز على شرائح جديدة من الزبائن أو تدخل أسواقاً جغرافية جديدة. وكل واحدة من هذه الإضافات تستدعي المزيد من التعاملات بين المساهمين من أجل صنع قرارات حاسمة وتنفيذها.

ويزداد التعقيد هندسياً مع ازدياد عدد الوظائف أو المنتجات أو الزبائن أو الجغرافيات الجديدة أو أي عقد أخرى يضاف إلى تنظيم الشركة. فإضافة سوق جغرافي جديد على سبيل المثال سيتطلب من المدراء في هذه المنطقة الجديدة التنسيق مع ممثلي الوظائف المختلفة وفرق المنتجات ومجموعات دعم الزبائن من أجل إنجاز العمل. وفي وقت قصير سينفجر عدد العقد المرتبطة بصنع القرارات وتنفيذها، ما يؤدي إلى المزيد من الاجتماعات والرسائل الإلكترونية والمراسلات الفورية والمزيد من الساعات المخصصة للتعاون. ولن تفيد الدعوة للتقليل من الاجتماعات والرسائل الإلكترونية، ولو صدرت من القيادة العليا ذاتها، في كبح موجة التعاملات التي تسبب بها هذا التعقيد التنظيمي.

ثقافة "التعاون لأجل التعاون"

يبدو المزيد من التعاون في ظاهره هدفاً جديراً بالثناء، وعلى كل حال تكاد مقولة "قوم تعاونوا، ما غلبوا" تنطبق على جميع الحالات. ولكن إذا لم يكبح جماح الدعوات لمزيد من التعاون ستؤدي إلى نشوء ثقافة "التعاون لأجل التعاون" التي تؤدي بدورها إلى تقويض الإنتاجية.

خذ الاجتماعات على سبيل المثال. إذا أصبحت الاجتماعات هي القاعدة لإنجاز الأعمال في جهاز ما، سيصبح الموظف غير قادر على إنجاز أي عمل بمفرده. وإذا وجه المدير تحديداً دعوة للموظف إلى اجتماع ما، لن يكون لدى الموظف أي خيار سوى الحضور وإلا اعتبر غيابه إساءة. ومع مرور الوقت تصبح الاجتماعات رمزاً للمكانة، أي تزداد أهمية المدير كلما ازداد عدد الاجتماعات التي يدعى إليها. والأسوأ من ذلك هو إمكانية أن تصبح الاجتماعات بديلاً عن محادثات القيادة الفعالة. فيقوم بعض القادة بدعوة حشد كبير إلى الاجتماعات بدلاً من تخصيص بعض الوقت لإخبار المرؤوسين الذين لم يحضروا بالتفاصيل التي تمت مناقشتها أثناءه. ومع عدم قدرة المدراء على إيصال المعلومات الحيوية بعد الاجتماعات الهامة تنمو لدى الموظفين قناعة بوجوب حضور كل الاجتماعات وإلا فاتهم الكثير. لذلك، ما يبدأ كحافز للشمول ذي هدف حميد يتحول عند نهاية المطاف إلى دوامة لا منتهية من الاجتماعات والوقت المهدور. ولن يجدي التصدي للتعاون المفرط أي نفع إلا إذا تمت معالجة هذه القواعد الثقافية بصورة مباشرة.

معالجة الأسباب الأساسية

ولكن لا تسير الأمور على هذا النحو بالضرورة. أجرت شركة باين (Bain) بحثاً بدعم من وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجموعة إيكونوميست، ووجدت أن أكثر الشركات إنتاجية، والتي تشكل الربع الأعلى من العينة التي أجرينا عليها دراستنا والتي تتألف من 300 شركة كبيرة حول العالم، تهدر وقتاً أقل بنسبة 50% من بقية الشركات على التعاون العقيم غير الضروري. فأفضل الشركات توفر أكثر من نصف يوم في الأسبوع لجميع موظفيها (بمقابل الشركات الأخرى الأقل إنتاجية) عن طريق تخفيض المعوقات التنظيمية، وهي جميع هذه العوامل التي تبطئ المؤسسة. ولكن هذه الشركات لا تحفز إنتاجية القوى العاملة عن طريق مهاجمة أعراض التعاون المفرط، وإنما تتخذ خطوات لمعالجة الأسباب الكامنة وراءها، وهذه الخطوات هي:

تبسيط النموذج التشغيلي. يضم النموذج التشغيلي للشركة هيكلها وإدارتها والمسؤوليات وطرق العمل فيها. وهو يحدد عدد العقد التي يجب تفعيلها في سبيل صنع قرارات حاسمة وتنفيذها. وينتج عن نموذج التشغيل المعقد عقد كثيرة وتعاون مفرط، بينما يؤدي نموذج التشغيل القائم على الهدف إلى تخفيض كبير في التعاون العقيم وبالتالي يوفر الوقت التنظيمي.

عندما قامت شركة الاستثمارات البرازيلية ثري جي كابيتال (3G Capital) بالاستحواذ على شركة آنهايزر بوش (Anheuser-Busch) عام 2008 من أجل تشكيل شركة تصنيع المشروبات آنهايزر بوش إن بيف (AB InBev)، قامت بتخفيض عدد المدراء التنفيذيين المشاركين في صنع القرارات الهامة بصورة كبيرة. فأزالت عدة مستويات من الإدارة، وبالتالي جعلت تنظيمها مستوياً، وأنشأت طرقاً جديدة للعمل، حيث يعمل جميع الإداريون الكبار في شركة آنهايزر بوش إن بيف حول طاولة اجتماعات مشتركة. كما وجب على قادة سلسلة الموارد مثلاً التعامل مع المسوقين من أجل حل المشكلات المعقدة على أرض الواقع بدلاً من الاعتماد على جيوش من الموظفين الثانويين وساعات من اجتماعات المراجعة. وعن طريق تبسيط النموذج التشغيلي تمكنت شركة آنهايزر بوش إن بيف من خفض عدد التعاملات اللازمة لإنجاز العمل بدرجة كبيرة، ما أدى إلى خفض التكاليف وتسريع صنع القرارات وتنفيذها.

تحقيق الاتساق في التنظيم. يمكن أن يكون التنظيم غير متسق حتى إذا كان ذا هيكلية مرنة مثل الكثير من الحالات، وبالنتيجة سيحتاج إلى عدد تعاملات أكبر مما يجب لإنجاز العمل. في قطاع التقنية على سبيل المثال، يمكن أن يكون قسم المبيعات شديد التعقيد كونه يضمّ صانعي صفقات البيع العامين وأخصائي المنتج والتقنيين وما شابه. وإذا تم تنظيم كل مجموعة على نحو مختلف عن الأخرى سيتضخم عدد التعاملات المطلوبة لإتمام أي صفقة بيع.

وشركة ديل هي خير مثال على ذلك، فعندما تمعنت القيادة في عدد التعاملات اللازمة لإجراء عملية بيع نموذجية لديها وجدت أن 11 موظفاً يشتركون فيها، متمثلين بمدراء حسابات عامين (منظمين بحسب الخط الشاقولي للقطاع) وأخصائي المنتج (منظمين بحسب المنتج) وتقنيين (منظمين بحسب المنتج والجغرافية). وبذلك، يمكن أن يعمل فريقان مختلفان تماماً في عمليتي بيع متطابقتين تقريباً في المنطقة ذاتها لزبونين متماثلين يشتريان منتجين متماثلين. وهذا ما يصعّب اعتياد الفرق على العمل معاً. وعن طريق وضع صانعي صفقات البيع وأخصائي المنتج والتقنيين جميعاً ضمن هيكلية واحدة جغرافية، تمكنت شركة ديل من تقليص عدد التعاملات اللازمة لعقد صفقة البيع للزبون إلى النصف (وسطياً) وزيادة النسبة المئوية للفرق المتآلفة مع بعضها البعض وتعزيز إنتاجية المبيعات. وحققت الشركة كل ذلك دون التضحية بتغطية الحسابات بأي شكل من الأشكال.

ضع ميزانية زمنية صفرية. إحدى الضوابط التي شهدنا نجاحها في خفض عدد الاجتماعات غير الضرورية هي وضع ميزانية زمنية محددة لجميع الاجتماعات يقتطع منها الوقت المخصص لكل اجتماع جديد. وللبدء، حدد مجمل الوقت المخصص حالياً للاجتماعات بحسب المستوى في مؤسستك، ثم حدد سقفاً له. ثم افرض على كل مدير يطالب بوضع اجتماع جديد على الجدول أن يلغي اجتماعاً آخر يحتاج الوقت ذاته أو وقتاً أكبر. بهذه الطريقة، ستتمكن على الأقل من لفت النظر لمجمل الوقت المخصص للاجتماعات في شركتك. وبذلك ستتمكن مؤسستك شيئاً فشيئاً من خفض سقف إجمالي الوقت وتوفير عدد كبير من الساعات المهدورة.

اطلب تقديم الجدوى التجارية لكل مبادرة جديدة. عندما تقوم الشركة باستثمار رأس مال كبير، تطالب الإدارة العليا في أغلب الأحيان بنوع من دراسة الجدوى التجارية، أي بيان صريح للأرباح المتوقعة من الاستثمار بمقابل التكاليف. وغالباً ما تستدعي المبادرات الجديدة أن تقضي الإدارة العليا من أجل تنظيمها ساعات طويلة من وقتها في الاجتماعات قد تصل إلى مئات الساعات شهرياً. ولكن نادراً ما توضع معايير لإنفاق هذا الوقت كما توضع لإنفاق رأس المال. وبالنتيجة أصبحت المبادرات المفرطة شكوى شائعة في معظم الشركات، ولربما كانت عاملاً رئيساً يساهم خلسة في توليد التعاون المفرط. ومن خلال المطالبة بإنشاء دراسة حقيقية للجدوى التجارية لجميع المبادرات التي تحتاج إلى وقت القيادة العليا، يمكن للمؤسسة إبطاء نمو المبادرات الجديدة و"غربلة" مجموعة المبادرات الموجودة فعلاً والإبقاء على التي تثبت أن أرباحها واضحة وتتجاوز تكاليفها التنظيمية.

قدم تقييمات آنية. في بعض الحالات يمكن تعديل قوانين ثقافة المؤسسة عن طريق تزويد قادتها ببيانات آنية عن الحمل الذي يضعونه على عاتق فرقهم كنتيجة للرسائل الإلكترونية التي يرسلونها والاجتماعات التي يرتبونها. وتمكننا برامج مثل برنامج مايكروسوفت لتحليل أماكن العمل (Microsoft Workplace Analytics) وغيره من تزويد المدراء بتقييمات دورية عن تكاليف التعاون والتي تكون غالباً غير متعمدة. ومع مرور الوقت سيتمكن المدراء من تعديل سلوكهم استجابة لهذه التقييمات من خلال إلغاء الاجتماعات غير الضرورية مثلاً أو تخفيض عدد الحاضرين في الاجتماعات أو جعلها أقصر أو التقليل من استخدام خيار "الرد على الكل" في الرسائل الإلكترونية. وبالتالي، سيؤدي هذا النوع من الرقابة الذاتية إلى توفير آلاف الساعات سنوياً، ما سيخفض التعاون المفرض.

للتعاون في مكان العمل جوانب إيجابية وسلبية كثيرة. وقد أصبنا جميعنا بالإرهاق بسبب الاجتماعات عديمة النفع والرسائل الإلكترونية غير الضرورية وغيرها من التعاملات العقيمة التي تترافق مع التعاون في العمل. فالتعاون المفرط يستنزف طاقة الموظفين ولا يترك لديهم الوقت الكافي لإنهاء أعمالهم أثناء اليوم، ما يجبر الكثير منهم على محاولة التعويض بعد انتهاء الدوام وفي العطل الأسبوعية. ولكن يمكن التأكيد على فوائد التعاون مع تخفيض آثاره السلبية في آن، وهذا يتطلب فحص كامل التنظيمات ومعالجة الأسباب الرئيسة للتعاون المفرط، وليس البحث عن سبل جديدة مبتكرة للتعامل مع الأعراض فحسب.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!