كلنا يعلم السيناريو القديم: التحق بالعمل في شركة ما وابذل قصارى جهدك وارتق في السلم الوظيفي. ولكن، مرت عقود منذ أن كان هناك مسار مهني موثوق، ليس بسبب حالات التسريح من العمل أو إسناد الأعمال لشركات خارجية أو روبوتات.

في أيامنا هذه، يُعتبر غياب المسار المهني الواضح هو الذي يمنع المهنيين من تحديد مسارهم في شركاتهم. وبالنظر إلى أن الشركات الناجحة لا بد أن تُعدل بوصلتها كي تتكيف مع التغيرات الطارئة على السوق، وأن نصف عمر كثير من المهارات يقدّر الآن بخمس سنوات أو أقل، فإنه غالباً لا يكون لدى الشركات أدنى فكرة عن احتياجاتها الوظيفية خلال السنوات القليلة المقبلة، أو طبيعة الأشخاص المؤهلين لشغل تلك الوظائف.

وكما تنبأت كاثي بينكو ومولي آندرسون في كتابهما عام 2010، فقد انتقلنا من نموذج السلم المؤسسي إلى نموذج الشبكة المؤسسية الذي ربما كان التقدم المهني للعاملين فيه خطيّاً فقط أحياناً، وغالباً ما يبدو قطرياً أو أفقياً. والنصائح التي تسديها الشركات حول كيفية المضي قدماً في هذه البيئة غالباً ما تكون محدودة جداً، لأنها غير مؤكدة لا أكثر ولا أقل.

وتعول الشركات على نحو متزايد على أن يمسك المهنيون وحدهم بزمام مسارهم المهني بشكل أكثر فعالية، وهو الموضوع الذي كثيراً ما أتلقى دعوات للحديث عنه أمام جمهور الشركات. إليكم أربع استراتيجيات يستطيع المهنيون اتباعها للتحرك في هذا السياق الجديد.

أولاً، من الضروري أن تكون على دراية بالإمكانيات. من بين عوامل الجذب المتعلقة بالمسار المهني الخطي التقليدي هو أنه لا يتطلب الكثير من البحث: على الرغم من أنّ الجميع لم يحققوا الغاية النهائية (كالترقية)، فقد كانت الغاية واضحة جداً. وفي واقع السوق الجديد، يكاد يتعين على المهنيين الأفراد أن يتبنوا نهجاً أشبه بالمحقق، فيستقصوا الفرص ويمحّصوا فيها. وقد لا يكون ذلك بالمهمة الشاقة في الشركات الأصغر حجماً، لكن في الشركات العالمية الكبرى، تصبح المعلومات محورية.

شاركت مؤخراً في اجتماع الطاولة المستديرة لمعهد أسبن (Aspen Institute) حول مستقبل العمل، وذكرت إحدى كبار التنفيذيات أنه في شركتها المتعددة الجنسيات المترامية الأطراف، يكاد يكون من المستحيل – دون بحث استباقي وحوارات مع القادة – أن يكون المرء على دراية بالإمكانيات. ولذلك من الضروري إنشاء شبكة واسعة داخل شركتك وخارجها، بحيث يمكنك الاطلاع على جوانب من العمل ربما كانت من دون تلك الشبكة مبهمة بالنسبة لك.

ثانياً، من المهم التماس عون الآخرين. حتى لو أن صاحب العمل لا يمدك بالتوجيهات الصريحة حيال مسارك المهني، فمن الأرجح أن يدرك قيمة الموظف المهتم بعمله الذي يبادر ويلتمس دعم الآخرين ويقيم له وزناً. إذا خاطبت قسم الموارد البشرية بمقترحات حول برامج التطوير المهني أو المؤتمرات التي تود حضورها، أو الدورات التدريبية التي تود الالتحاق بها، أو الجوانب الوظيفية في عملك التي تود فهمها فهماً أفضل، فستجدهم متجاوبين جداً، حيث تحاكي السلوك المثالي الاستباقي الذي يسعى كثير من قادة المواهب إلى تنميته.

ثالثاً، لا تنتظر حتى تسمع بوجود شواغر جديدة، بل تعرف على الفرص المثالية الخاصة بك. في كتابي المعنون "كيف تعيد ابتكار نفسك" (Reinventing You)، عرضت لمحة من حياة مستشارة إدارية تُدعى جوان تشانغ والتي أعادت ابتكار ذاتها في مسار مهني ناجح، حيث أمست كبيرة طهاة. وبدلاً من انتظار الردود على إعلانات الوظائف، حيث تُنافس عدداً كبيراً من المرشحين الأكثر كفاءة منها، كانت وصفتها السرية هي كتابة خطابات شخصية إلى عشرات الطهاة المشهورين الذين أُعجبت بهم، وشرحت رغبتها في العمل إلى جوارهم. ولقد ميزها أسلوبها الاستهدافي عن غيرها، وضمن لها وظيفة في غضون أيام، على الرغم من افتقارها للمؤهلات الرسمية في هذا المجال.

إن انتقالك من وظيفة إلى أخرى جديدة داخل شركتك يمكن أن يعطيك الانطباع، من عدة أوجه، بأنها نقلة مهنية كبيرة لا تختلف عن التخلي عن وظيفة المستشار الإداري والاشتغال بالطهي. في كثير من الشركات، قد تكون للإدارات والأقسام وجهات نظر محدودة الأفق بشأن قابلية نقل المهارات والتجارب ("لقد عملت في آسيا فقط. فما الذي يمكن أن تعرفه عن سوق أميركا اللاتينية؟").

ولذلك، فإن واجبك أن تستهدف بمنتهى الدقة الفرص التي تروق لك أكثر من غيرها، وأن تضع استراتيجية للتماس مع تلك الفرص ومصاحبتها والتودد إليها. وكما أنه من الصعب على مستشار إداري أياً كان أن يفوز بمنصب كبير طهاة، قد يُنظر إلى خبير التسويق بريبة إذا أراد الانتقال إلى قسم العمليات. ولكن، كما يتجلى لنا من المثال الذي ساقته جوان تشانغ، قد يلقى خبير تسويق بعينه ترحيباً حاراً بفضل تسلحه بتفسير مدروس لرغبته في تحويل بوصلة دوره الوظيفي وما بوسعه أن يضيفه إلى المنصب الجديد.

وأخيراً، اعمل على زيادة الحلفاء المؤثرين. فمن المفيد دوماً أن يكون لديك مجلس مدراء توجيهي بوسعه المساعدة على إسداء النصح والإرشاد لك بينما توازن ما بين الإمكانيات الراهنة. ومن الأفضل أن يكون لديك راع على استعداد لأن يبذل رأس ماله السياسي نيابة عنك. ولكن، ما أن تحظى بهؤلاء الحلفاء الأساسيين، اعلم أن مهمتك لم تكتمل بعد. فبينما ترتقي في شركتك وفي مشوارك المهني، من الأهمية بمكان أن تُطلع موجهيك ورعاتك على مدى تقدمك كي يكونوا على دراية بالمهارات الجديدة التي اكتسبتها وطموحاتك المهنية الراهنة. وإن لم تفعل، حتى لو تواصلت معهم بخصوص أمور أخرى، فمن المستبعد أن يشككوا في انطباعهم الأول عنك أو يجددوه.

لقد ربطت علاقة دافئة بين زميلة لي وراعيها لأكثر من عقد كامل، لكنها اكتشفت عندما لمّح لها برفق أنها لم تعكف على تطوير علامتها التجارية بالقدر الكافي، أن إلمامه بأحوالها متأخر، وأنه لم يكن على دراية بالعديد من المشروعات التي اضطلعت بها خلال الأعوام الكثيرة الماضية. وطلبت أن تجتمع به لإفادته بما هي بصدد القيام به، فوافق بكل سرور. وأدى ذلك إلى فهم أدق لمجموعة المهارات التي تتحلى بها، وسمح له بدعمها دعماً أفضل، وتوجيهها إلى الفرص المناسبة لها.

قد يبدو الأمر مخيباً للآمال إذا لم تصنع لك شركتك تدرجاً وظيفياً خطيّاً. لكنها فرصة عظيمة أيضاً أن تبني لنفسك مساراً مهنياً مخصصاً بشكل مميز يتناسب مع احتياجاتك ومهاراتك واهتماماتك. وعندما تتبع تلك الخطوات، سيكون بوسعك تشكيل مستقبلك المهني على نحو استباقي كما يحلو لك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!