على الرغم من تشكيل النساء 40% من القوى العاملة على مستوى العالم، إلا أنهن يستحوذن على 24% فقط من المناصب التنفيذية حول العالم، وهو رقم لم يتغير خلال العقد الماضي. ومن بين الرؤساء التنفيذيين للشركات الخمسمائة المشمولة في مؤشر إس آند بي (S&P 500)، يوجد 5% فقط من النساء. لماذا لا تتقدم المزيد من النساء الموهوبات إلى المناصب العليا؟ أشار باحثون إلى مجموعة من الأسباب، مثل التعرض إلى التمييز بشكل واضح والوقوع تحت إجراءات الترقية التي تعطي الأفضلية للرجال، لكن أحد أكثر هذه الأسباب مدعاة للحيرة هو أن النساء أنفسهن يعزفن عن التقدم إلى العمل في مناصب قيادية من خلال الترقيات والنقل الوظيفي والتعيينات عالية المستوى.

تبدأ النساء العمل مع طموحات مماثلة لطموحات أقرانهن من الرجال، وسرعان ما يبدأن بتقليص أهدافهن ويتهربن خجلاً من المنافسة على هذه الوظائف. ويعتقد كثيرون أن السبب في ذلك يعود إلى أن النساء يتفادين المخاطر أو يفتقرن إلى الثقة بأنفسهن، أو ربما يمتلكن تفضيلات مهنية مختلفة عن تلك التي يمتلكها الرجال. ولكن بحثنا يشير إلى سبب آخر.

قمنا بإجراء دراسة على أكثر من 10,000 من كبار التنفيذيين ممن كانوا يتنافسون على كبرى المناصب في المملكة المتحدة. ووجدنا أنه يقل احتمال تقديم النساء لهذه الوظائف مقارنة بالرجال، ولكن ها هو الجزء المثير في الأمر: وجدنا أنه يقل احتمال أن تتقدم النساء لوظيفة ما فقط، إن هن رُفضن للعمل في وظيفة مماثلة سابقاً. وبالطبع يحدث ذلك مع الرجال أيضاً، لكن تأثير الرفض على النساء أقوى بأكثر من مرة ونصف مقارنة بالرجال.

تعتبر الآثار المترتبة على ذلك ليست قليلة الأهمية هنا، لأن الرفض جزء اعتيادي من الحياة المؤسسية. إذ يتعرض الموظفون بشكل عادي لرفض الترقيات أو التنقل بين الوظائف أو التعيينات المهمة في المشاريع وغيرها. ويجب على الأشخاص الذين يرغبون بالارتقاء إلى المناصب العليا في مؤسسة ما أن يستمروا في القيام بأدوارهم مرة بعد مرة، حتى بعد خيبات الأمل المتكررة. لذا حتى الاختلافات البسيطة بين طريقة استجابة الرجال والنساء تجاه الرفض يمكن أن تؤدي إلى اختلافات كبيرة بمرور الوقت.

ولتقصي هذا التأثير بشكل أكبر، أجرينا مقابلات مع تنفيذيات يتبوأن مناصب عليا حول تجاربهن في عمليات التوظيف، ووجدنا أنهن يتفقن في الشكوى من الاستياء والإحباط تجاه كيفية إدارة هذه العمليات. فعلى سبيل المثال، ذكرت رئيسة تنفيذية لإحدى الشركات العاملة في مجال التكنولوجيا الحيوية أنه جرى ترشيحها لمنصب رئيسة تنفيذية. وبعد فشلها في الحصول على الوظيفة بعد جولات عديدة من المقابلات، حصلت على انطباع أنه طُلب منها التقديم لوظيفة لمجرد أنها امرأة وتحتاج الشركة إلى امرأة في قائمة المرشحين القصيرة، وليس لأن الشركة كانت جادة في تعيينها. ربما كان ذلك صحيحاً أو غير صحيح، ولكن ذلك هو الإحساس الذي تولد لديها، وكانت النتيجة أنها قالت إنها من غير المرجح أن تضع نفسها في عملية مشابهة في المستقبل.

وبالتوافق مع هذه النتائج، اكتشفنا أن النساء تميل إلى إعطاء قيمة أكبر لعدالة عمليات التوظيف والاختيار مقارنة بالرجال. ويعزى ذلك إلى أن المعاملة العادلة حسبما تفسرها المديرات تمثل إشارة إلى انتمائهن وتقبلهن في المجتمع التنفيذي. وإضافة إلى ذلك، تميل النساء اللواتي يتعرضن للرفض إلى الشعور بأن معاملتهن أقل عدلاً من المعاملة التي يتلقاها الرجال.

وبينما قد يبدو هذا للبعض وكأنه حسرة وندامة (مثل "أنا لم أفز، لذلك المنافسة تم تزويرها") إلا أن نتائجنا تقترح شيئاً أكثر دقة. يتوقف قرار النساء في الخروج من المنافسة على المناصب التنفيذية على ما مررن به من تجارب رفض سابقة صنفتهن بصورة نمطية سلبية على أنهنّ أقلية في سوق عمل المدراء التنفيذيين. فكر في الأمر، تأتي التنفيذيات وفي أذهانهن تجارب سابقة عن أنهن من الأقلية بين التنفيذيين، أو بعد مرورهن بتجارب جعلتهن يشعرن أنهن غرباء أو يشعرن أنّ مقدراتهن القيادية ليست موضع تقدير. في المقابل، ولأن الأغلبية من الرجال لم يمروا بمثل هذه التجارب، فإنّ احتمال رفضهم على أساس أنهم لا ينتمون إلى مكاتب التنفيذيين يكون أقل، لهذا يُعتبر لمثل هذه الإحباطات تأثير سلبي أقل على رغبتهم بالتقدم مرة أخرى.

وجدير بالذكر أن هذه الآلية الأساسية يجب أن تنطبق على أي مجموعة غير ممثلة تمثيلاً كافياً. وبعبارة أخرى، ما وجدناه لا يشير إلى أن هناك شيئاً مميزاً بخصوص النساء، بل إن النساء يشكلن أقلية، ولا يُنظر إلى الأقليات غالباً كقادة شرعيين. وبالفعل، نتوقع من الرجال أن يتصرفوا بطريقة مماثلة في بيئات يُنظر إليهم فيها على أنهم غرباء أو غير شرعيين.

تترتب على هذه النتائج آثار مهمة على المستوى الإداري. فبالنسبة لأي شركة ترغب في تعزيز التنوع بين الجنسين في المستويات العليا، يعتبر الشيء الأهم لديها هو تفادي الوقوع في خطأ الاقتصار على تشجيع المزيد من النساء على الدخول في مضمار المنافسة. ويفقد هذا النهج معناه الحقيقي لأنه لا يعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في أن التنفيذيات قد يشعرن أن الشركة لا تؤمن حقاً بأن لهن مكاناً في الإدارة العليا. يمكن أن يكون ذلك صحيحاً سواء كانت المؤسسة تساهم بشكل فعلي في توليد ذلك الشعور أم لا. وفي واقع الأمر، يمكن أن يؤدي إصدار تشجيع عام للنساء للتقديم للمناصب القيادية إلى وقوع نتائج عكسية إذا كانت الشركة ستقوم برفض المزيد من النساء. ويشير بحثنا إلى أن ذلك سيقلل من احتمال تقديم النساء لوظائف مماثلة في المستقبل، وهو ما يراكم مشكلة النوع الاجتماعي داخل الشركة.

يجب أن تولي الشركات اهتماماً بإجراءاتها الخاصة بالتوظيف والترقية كي تقوم بتقييم مستوى عدالة هذه الإجراءات، وبنفس الدرجة من الأهمية تحديد ما إذا كان يُنظر إلى هذه الإجراءات على أنها عادلة، خصوصاً بواسطة النساء والأقليات الأخرى. وتوجد مجموعة من الأسئلة التي يمكن أن تساعد في تحديد ذلك: هل تمتلك الشركة تدابير مناسبة لإدارة الرفض في إجراءات التوظيف والترقية؟ على سبيل المثال، هل تعطي الشركة ملاحظات مناسبة للمرشحين الذين يتم رفضهم؟ ما الإشارات التي ترسلها للرجال والنساء الذين يتم رفضهم؟ يجب على الشركات أن تنظر إلى ما هو أبعد من مجرد التوظيف والترقية وأن تسأل نفسها فيما إذا كانت تعزز الإحساس بالانتماء لدى الموظفين وكيف يمكن لها أن تضمن عدم شعور المجموعات غير الممثلة بالتجاهل أو الازدراء. وتستطيع الشركات البدء بدعم النساء في المراكز العليا فيها  من خلال معالجة العيوب المذكورة أعلاه. ففي نهاية المطاف، عندما يتعلق الأمر بالتنوع بين الجنسين، فإن تلك ليست مسألة احتفاظ بالنساء داخل الشركات بقدر ما هي حماية لهن من الخروج منها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!