تواجه العلامات التجارية العالمية الكبرى في قطاع السلع الاستهلاكية ذات الحجم 1.2 تريليون دولار منافسة شرسة غير متوقعة في بعض الأماكن مثل الصين وإندونيسيا والهند والبرازيل. وقد شعر المسؤولون التنفيذيون في الشركات العريقة تلك بعلامات التحذير منذ فترة ليست بالقصيرة مع خساراتهم المحدودة لحصصهم السوقية لصالح العلامات التجارية الأصغر والأكثر محلية، لكن الاستجابة الفعالة لذلك برهنت أنها أمر صعب إلى حد كبير.

لطالما شكلت الأسواق الناشئة معقل العلامات التجارية الكبرى الموجهة للمستهلك مثل كولجيت وآفون وآكس وأولاي والتي تقف وراءها شركات كبيرة راسخة. فقد نما سوق تلك المنتجات في كل من الصين وإندونيسيا والهند بمقدار 9% سنوياً على مدار السنوات العشر الماضية، في حين شهدت البرازيل نمواً بحدود 3% سنوياً. لكن بدأت "العلامات التجارية الكبرى" مؤخراً تفقد حصتها في تلك الأسواق لصالح منافسين أصغر حجماً، وخصوصاً في الصين وإندونيسيا. وأشارت أبحاث أكسنتشر (Accenture) إلى أن أكبر ثلاث علامات تجارية للسلع الاستهلاكية خسرت خلال السنوات العشر الماضية أكثر من 5% من حصتها في ثلاثة من هذه الأسواق الأربعة. وتتميز الأسواق الأربعة هذه بنمو هائل في مبيعات السلع الموجهة إلى المستهلك، كما أنها تملك في الوقت نفسه طبقة وسطى يزداد عددها باضطراد، إلى جانب امتلاكها وسائط إعلام مجزأة، وغالباً ما يكون تسليم "الميل الأخير" للمنتج فيها معقداً بسبب البنية التحتية المعقدة لديها. بالإضافة إلى ذلك، تشير أبحاثنا إلى أن كثيراً من المستهلكين الطموحين في هذه الأسواق يشترون المنتجات التي تعود إلى علامات تجارية معروفة لأول مرة في حياتهم.

وتتمتع العلامات التجارية الصغيرة في تلك الأسواق بحظوة كبيرة. لننظر مثلاً إلى عام 2017 والذي كانت فيه 75% من أهم ثلاث علامات تجارية في الفئات والبلدان التي بحثنا فيها هي علامات تجارية صغيرة أو جديدة أو محلية. وقد وصلت علامات تجارية مثل مزيل رائحة العرق "فيني" (Vini) في الهند أو منتج العناية بالوجه "تشاندو" (Chando) في الصين إلى أن تكون ضمن المراكز العشرة الأولى في تلك الأسواق في غضون خمس سنوات من إطلاقها. وتحتاج العلامات التجارية الاستهلاكية الكبيرة إلى فهم الأسباب الكامنة وراء هذا النمو الكبير لكي تتمكن من منافستها على نحو أكثر فعالية.

صُممت العلامات التجارية الاستهلاكية الصغيرة لكي تقدم منتجات تستهدف السوق المحلية بشكل أفضل مع امتلاكها القدرة على توزيعها محلياً. وبالمقارنة، لا تتميز سلاسل التوريد العالمية بهذه المرونة إذ صُممت لإنتاج منتجاتها بكميات هائلة وبشكل يرضي أكبر شريحة ممكنة مع نقلها في مستوعبات هائلة، في حين تقوم الشركات الصغيرة بإنشاء شبكات بحث محدودة، وتلقي الأفكار (والملاحظات) من المستهلكين لمنتجاتها آنياً. وتستخدم هذه المعلومات الخام بشكل سريع لتطوير منتجاتها وتحسينها، في حين تكون عمليات البحث والتطوير الخاصة بالشركات الكبرى كبيرة الحجم بدورها نظراً لكونها تُصمم لتقييم حاجة مجموعات هائلة من الناس، ما يجعلها باهظة التكاليف.

إلى جانب ذلك، تستخدم الشركات الأصغر حجماً وسائل التواصل الاجتماعي إلى حد كبير وتعمل مع المستهلك على الأرض لتحقيق مبيعاتها؛ فهي لا تحتاج إلى "ختم الجودة" الذي يعرضه عادة المنتج القادم من شركة عالمية راسخة، إذ يبني المستهلكون أنفسهم تلك الثقة في العلامة التجارية آنياً عبر مراجعاتهم لها، ما يخلق مجالاً تنافسياً جديداً تزدهر فيه منتجات الشركات الأصغر من خلال توصية الأشخاص بها لبعضهم البعض.

ولننظر إلى "وردة" (Wardah) والتي هي علامة تجارية خاصة بمستحضرات تجميل نسائية صغيرة الحجم إنما تنمو بقوة في إندونيسيا. ويعود سبب نمو "وردة" إلى تميزها في تحديد قطاع المستهلكين الخاص بها والتعامل معه بأفضل شكل ممكن، إذ تلبي "وردة" حاجة النساء المسلمات إلى مستحضرات التجميل ومنتجات العناية بالبشرة، حيث تصمم منتجاتها بشكل يتناسب خصيصاً مع بشرة السكان المحليين من ناحية، ومن ناحية أخرى تقدم منتجاتها بشكل يلبي أيضاً معايير الحلال، والتي تعد عاملاً تركز عليها شريحة المستهلكات هذه. وتبرز "وردة" موقعها الفريد ذاك عبر إدراج كلمة "حلال" على عبواتها فضلاً عن إيصال ذلك بشكل مباشر في الكليات الإسلامية ومتاجر التجميل التقليدية. وتوجه مستشارات الجمال النساء حول كيفية استخدام منتجات "وردة" وتشرح لهن كيف يتم تصنيع المنتج باستخدام أساليب حلال وتراعي قيمهن الدينية.

لم تستثمر "وردة" في البداية في التسويق مقارنة بالعلامات التجارية الكبرى المنافسة لها، بل سلكت مساراً مباشراً وشخصياً، الأمر الذي ضاعف حصتها السوقية في فئة الرعاية الشخصية في إندونيسيا خلال السنوات الخمس الماضية بأكثر من الضعف. وعرفت الشركات العالمية الكبرى منذ زمن بعيد رغبة المستهلكين في منتجات حلال، وكانت على دراية بذلك، ولكن المشكلة كانت تكمن في أن نماذج أعمالها التجارية التي تركز على الجمهور العالمي الأوسع لا تسمح لها بخدمة شريحة من المستهلكين محددة وتلبية احتياجاتهم.

ويجب على العلامات التجارية أن تصبح أكثر مرونة للتنافس في هذه البيئة الجديدة، وعليها أن تطور القدرة على بناء علاقات شخصية أكثر وإنشاء الثقة مع مجموعات مستهلكين أصغر. إنها تحتاج لأن تكون "شركات تجارية حية" ويعني هذا أن تكون شركات ذكية تستخدم البيانات لفهم احتياجات شرائح مستهلكيها الأصغر حجماً بشكل عميق وتوقعها والتكيّف معها، فضلاً عن تطورها مع تطور احتياجات المستهلك.

وبالاعتماد على أبحاثنا وعملنا مع عملائنا وصلنا إلى ثلاث طرق مميزة يمكن للشركات الكبيرة العريقة توظيفها لمنافسة العلامات التجارية الصغيرة عالية التركيز بشكل أفضل.

1) قدّم علامات تجارية محلية أصغر ضمن سلة منتجاتك، وتقبّل التعقيد المتزايد القادم معها.

صحيح أنّ الشركات الكبيرة القائمة تدين بحجمها إلى علاماتها التجارية الكبرى، إلا أنها ستحتاج مستقبلاً إلى إنشاء سلة منتجات هجينة تتضمن علامات تجارية محلية صغيرة مركزة جنباً إلى جنب مع علاماتها التجارية العالمية الكبرى. والأهم من ذلك، تشير الاتجاهات الحالية إلى أن العلامات التجارية المحلية الأصغر حجماً ستساهم في نهاية المطاف بشكل كبير في النمو الإجمالي للشركة مع تلك الأكبر. ويجب أن تكون الشركات جاهزة لاحتضان التعقيد التشغيلي الذي يأتي مع وجود عروض منتجات أوسع وأكثر تنوعاً.

وتحتاج الشركات الكبرى الحالية إلى وضع أصولها العالمية في خدمة العلامات التجارية الصغيرة والمحلية لدعم سلة منتجاتها المعقدة وحديثة العهد. وبذلت معظم الشركات الكبرى في الماضي جهودها لتوحيد نماذج أعمالها وإنشاء هياكل تشغيل مبسطة للاستفادة مما يحققه الحجم الكبير من أرباح مستفيدة من أصولها "الأساسية"، مثل تطوير المنتج وخبرات التصنيع والوصول إلى التوزيع وإحصاءات المستهلكين والموظفين والموردين. ولكي يتم توظيف ذلك لصالح العلامات الجديدة الناشئة، على تلك الشركات محاولة اختيار المناسب مما سبق وتوظيفه لصالح تلك العلامات الناشئة.

ويمكن رؤية أمثلة على ذلك من خلال ما قامت به كل من كوكاكولا ويونيليفر، إذ تبيع كوكاكولا مياه جوز الهند "زيكو" في الهند، في حين تبيع يونيليفر مرطب البشرة "حجاب فريش". فعندما تم إطلاق هذه المنتجات، وظّفت يونيليفر وكوكاكولا قوة التوزيع العالمية والبحث والتطوير الخاصة بها لغزو تلك الأسواق وإطلاق تلك العلامات التجارية بسرعة، مستفيدة من ملاحظات المستهلكين المحليين. وسيكون هذا النوع من ذكاء الأعمال ضرورياً للتنافس في المستقبل.

2) حدد التوقعات الخاصة بدورة حياة العلامة التجارية وفشلها.

لقد كان الشعار القائل "قم ببناء علامة تجارية راسخة على المدى الطويل" المنارة التي اقتدت بها شركات عالمية كبيرة لفترة طويلة. ولأجل ذلك، وظفت هذه المؤسسات استثمارات ضخمة لتطوير علامات تجارية استمرت لعقود ولا يزال الجمهور يحبها. إلا أن ذلك التوجه قاد في الوقت نفسه إلى إجراء أبحاث مكثفة وهوس بالاختبارات ودورات ابتكار طويلة واستثمارات ضخمة لبناء الوعي والتوزيع، فضلاً عن ذلك يتسبب أيضاً في عمليات إطلاق منتج تستغرق من 18 إلى 24 شهراً. وباتت ثقافة تجنب المخاطر كامنة في تلك الشركات لدرجة أن بعضها لم يطرح علامة تجارية جديدة منذ سنوات.

وتعمل الشركات المحلية الصغيرة بشكل معاكس لتلك الكبرى، إذ تصل السوق بشكل أسرع، وتصحح ما تقدمه وفقاً لملاحظات المستهلكين الآنية، وتستثمر انطلاقاً من الإيرادات التي تحققها. ولننظر إلى شركة باتانجاليا (Patanjali’s)، وهي شركة سلع استهلاكية محلية في الهند، إذ استحوذ معجون الأسنان "دانت كانتي" الذي قدمته الشركة على 1% من حصة السوق الهندية في عام 2011، والتي نمت إلى 13% تقريباً في عام 2017. وكان هذا في فئة تسيطر عليها كولجيت منذ فترة طويلة مع تأسيسها لوضعية مهيمنة طوال فترة 80 سنة ومنافسين قلائل. ومع ذلك، حققت باتانجاليا نجاحاً هائلاً في غضون خمس سنوات فقط، مع استثمار محدود للغاية. ففي البداية، كانت جهود باتانجاليا التسويقية عبارة عن المشاركة في معسكرات اليوغا، ولم تبع منتجاتها إلا من خلال منافذ بيع خاصة بها، الأمر الذي أدى إلى تلقيها استجابة آنية مميزة من عملائها وظفتها في تشكيل سلة منتجاتها وتنمية أعمالها بفاعلية.

ولكي تتمكن الشركات الكبيرة من منافسة الشركات الصغيرة، عليها تبني عمليات تجريبية تكون أكثر حركية وأن تسعى إلى إنشاء علامات تجارية أصغر ونشرها في الأسواق بسرعة أكبر. وربما قد تزداد احتمالات فشل العلامة التجارية في حال تطبيق ما سبق، لذا على تلك الشركات وضع توقعاتها حيال ما يمكن لتلك العلامات التجارية الصغيرة تحقيقه. ويمكن أن تكون العلامات التجارية شديدة الاستهداف وذات صلة وثيقة وتحقق بضع نقاط مئوية فقط من حصة السوق في "ذروة" نجاحها. ويمكن أن تظل على الرغم من ذلك مربحة، ويجب أن تكون الشركات على استعداد للقيام بذلك في دورات إطلاق أقصر وذات مرونة أكبر.

3) جعل الأفكار محور التركيز من جديد.

تحتاج العلامات التجارية الكبرى إلى الاقتراب من المستهلكين المحليين وتمكين الفرق الميدانية من توليد أفكار جديدة. ويمكنها الاستفادة من حجمها من خلال توظيف وصولها إلى البيانات لصالح تلك الأفكار وتسهيل الاختبار السريع، تماماً كما فعلت في وقت ما ببناء ميزة مع سلاسل التوريد العالمية في خدمة تقديم على العلامات التجارية الكبرى للمستهلكين.

ويحدث هذا أحياناً من خلال عمليات الاندماج والاستحواذ، حيث شاهدنا مجموعة من الأمثلة قامت فيها الشركات الكبرى بالاستحواذ على شركات صغيرة وعلى علاماتها التجارية وموظفيها أيضاً. ومن الأمثلة على ذلك شراء يونيليفر لشركة دولار شايف كلوب واستحواذ جونسون آند جونسون على أو جي إكس. غير أن اكتساب علامات تجارية صغيرة هو مجرد بديل واحد للشركات الكبيرة، إذ لا يزال عليها تشجيع تدفق الأفكار الجديدة داخلياً من خلال الشراكات الخارجية ذات الصلة لكي تتمكن من النجاح.

والخبر السار بالنسبة للشركات العالمية القائمة، هو أنها لا تزال قادرة على الازدهار في مشهد عام يفضّل على نحو متزايد العلامات التجارية الصغيرة والمركزة والمحلية وذلك إذا كانت راغبة في أن تكون مرنة مع عملائها وتزيد من انخراطهم معها. وسيكون الفائزون هم الذين يقومون بهذه التغييرات بسرعة وإحكام.

يود المؤلفون شُكر ريجينا ماروكا وهاريني موهان من شركة أكسينتشر للأبحاث على مساهماتهما في هذا المقال.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!