بعد سنوات من العمل في شركات التكنولوجيا حديثة النشأة التي تسعى جاهدة للانتقال من وضع شركة ضعيفة إلى اكتساب ميزة تنافسية، انتقلت للاهتمام بعالم المنظمات غير الربحية. كان التباين مذهلاً: تستخدم بعض المنظمات الخيرية مزايا وضعها كمؤسسات غير ربحية وتفوِت بالتالي فرصة كبيرة عليها. فالنموذج غير الربحي يمتلك ميزة استراتيجية تتجاوز الإعفاء الضريبي، ويتعلم القادة الأكثر تميُّزاً في المؤسسات غير الربحية كيف يستفيدون منها.

أسمي هذا النهج "الجودو غير الربحي" (nonprofit judo) تيمناً بفن القتال الذي يركز على كيفية تمكّن لاعب ضعيف في الظاهر من تحقيق الفوز باتباع استراتيجية تحوّل نقاط ضعفه إلى نقاط قوة.

بينت لي تجربتي في العمل مع رواد المشاريع غير الربحية وجود أنماط في الخيارات الاستراتيجية التي يتخذها القادة الناجحون. تستخدم العديد من هذه المنظمات الخيرية التكنولوجيا، ولكن الطريقة التي تحول بها نقاط الضعف المتصوّرة إلى نقاط قوة – الجودو غير الربحي – يمكنها أن تُلهم أي مشروع اجتماعي.

تجزئة العملاء بشكل مختلف

في حين أن معظم الشركات الربحية تبدأ بالمنتج ثم تقوم بعد ذلك بتجزئة العملاء استناداً إلى الربح المتوقع منهم خلال فترة تعاملهم مع الشركة (قيمة عمرية أعلى وكلفة أقل لكسب أو اقتناء العميل)، فإن أكثر المنظمات غير الربحية نجاحاً تلتزم أولاً بالوصول إلى السكان المحرومين من خدمات معينة وينطوي ذلك في أكثر الأحيان على تكاليف اقتناء أعلى وقيمة عمرية أقل. هذا التركيز الثابت على شريحة محرومة في السوق، حتى وإن كان هناك آخرون ممن يمكنهم الاستفادة من البرامج غير الربحية، يوجه كافة جوانب استراتيجية المنظمة، ويدفع المؤسسات غير الربحية الناجحة إلى تصميم أفضل الحلول لوضع أولئك العملاء. 

خذ على سبيل المثال جمعية "توكنغبوينتس" (TalkingPoints) وهي منظمة غير ربحية تهدف إلى زيادة تحصيل الطلاب الدراسي عبر ربط المعلمين والأسر بشكل هادف من خلال تكنولوجيا الهاتف الجوال. توفر شركات أخرى أدوات تتيح مشاركة الوالدين ولكنها مصممة إلى حد كبير لخدمة العملاء ذوي الدخل الأكثر ارتفاعاً. أراد مؤسس المنظمة هيجاي ليم التركيز على احتياجات الأسر الأميركية ذات الدخل المنخفض. في الوقت الذي تواجه فيه الشركة الهادفة للربح ضغوطًا من جانب المستثمرين لاستهداف شريحة السوق الأكثر ربحية، تركز "توكنغبوينتس" على المعلمين الذين تنقصهم الموارد، ما يؤدي إلى استراتيجية المنتج التي تعطي الأولوية للترجمة إلى 20 لغة ولا تتطلب هاتفاً ذكياً.

إن تركيز "توكنغسبوينتس" على العملاء المحرومين من خدمات معينة يضع المؤسسة في وضع يمكّنها من أن تزيد إلى حد كبير مشاركة الآباء في المدارس ذات الاحتياجات المرتفعة، وبناء قاعدة مستخدمين لديهم ولاء لها، واكتساب شركاء يشاركونها التركيز على هذه الأولويات.

بناء المنتج على الانفتاح وحسن النية وحكمة الجمهور

مقارنة بالمنتجات والخدمات الربحية والتي غالباً ما تكون مسجلة كملكية فكرية ومحمية بطابع السرية، تقوم المنظمات غير الربحية في كثير من الأحيان بمشاركة البيانات والعمليات والأفكار بطرق تؤدي إلى إحداث تأثيرات مضاعفة من أجل الصالح العام. يمكن تفسير النماذج المفتوحة المصدر والتطوعية على أنها نقاط ضعف، ولكن أصحاب المشاريع غير الربحية الأذكياء يجيّرون هذا لصالحهم.

توفر منظمة "كرايزيس تكست لاين" (Crisis Text Line) التدخل لمساعدة أشخاص يتعرضون للإساءة من خلال إرسال رسائل نصية مجانية على مدار 24 ساعة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. قامت المنظمة التي أسستها رائدة المشاريع غير الربحية نانسي لوبلان، بتصميم استراتيجية منتجاتها حول فريق من المستشارين الذين لا يتلقون أجراً ويتطوعون للخدمة لأكثر من 200 ساعة في السنة. وتتمكن الجمعية من توفير منتجها مجاناً بفضل عمليات تكامل المنتج مع شركات "فيرايزون" (Verizon) و"سبرينت" ()Sprint و"تي موبايل" (T-Mobile) و"أيه تي آند تي" (AT & T) التي تتنازل عن رسوم الرسائل المرسلة إلى الخط الساخن. لا يمكن لهذا الترتيب أن ينجح بالنسبة لشركة تتوخى الربح. وعلاوة على ذلك، تحذف شركات الاتصالات الجوالة النصوص المرسلة إلى الخط الساخن من سجلات الفوترة لحماية مستخدمي الخط الساخن وعدم تنبيه أفراد العائلة الذين يسيؤون بحقهم. إن المستشارين المتطوعين ومساهمات منتجات الشركات هي "الجودو غير الربحي" بالنسبة لمنظمة "كرايزيس تكست لاين" وهو ما يتيح لها توفير مئات الآلاف من الدولارات من التكاليف وتبادل أكثر من 75 مليون رسالة مع أشخاص يواجهون أزمة.

أنشات المنظمة كذلك موقع "crisistrends.org" الذي يجمع بيانات رسائل نصية مجهولة المصدر في أكبر قاعدة بيانات مفتوحة المصدر لسلوك الصغار والشباب في مواجهة الأزمات في البلاد. هذا النهج المفتوح لاستراتيجية المنتج يعزز تأثير المنظمة في المجال ويولد تأثيرات متتالية للقيمة في النظام البيئي الأوسع، حيث تسهم "كرايزيس تكست لاين" في تشكيل الحوار الوطني وتحفيز البحث في مجال الوقاية من الأزمات ومعالجتها.

التسويق: صياغة شراكات موائمة للتسويق

تنفق شركة سيلز فورس حوالي 4 مليارات دولار سنوياً، أي نصف ميزانيتها البالغة 8 مليارات دولار على المبيعات والتسويق. لا تقترب أي جمعية خيرية من هذا الإنفاق التسويقي غير أن أفضل المنظمات غير الربحية تسعى إلى تحقيق فرص مبيعات وتسويق فريدة غير متاحة لأقرانها التي تتوخى الربح، ما يتيح لها توليد قيمة هائلة دون إنفاق مليارات الدولارات.

واجهت جمعية "كوليدج بورد" (College Board) الخيرية التي تشرف على اختبار "سات" (SAT) انتقادات بأن طلاب العائلات الميسورة يحظون بأفضلية في اختبارات القبول في الجامعات نظراً لقدرتهم على على تحمل التكاليف المرتفعة للدروس التحضيرية ومواد التدريس. وبسبب هذه الانتقادات، عزفت الجمعية عن إقامة شراكات مع شركات ربحية من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم الوضع على الرغم من إلحاح شركات رائدة في إعداد الطلبة لهذه الاختبارات مثل كابلان (Kaplan) وبرينستون ريفيو (Princeton Review) على امتداد سنوات.

في نهاية المطاف، أقامت "كوليدج بورد" شراكة مع "خان أكاديمي" (Khan Academy) وهي مؤسسة غير ربحية ملتزمة في توفير تعليم مجاني ذي مستوى عالمي لأي شخص في أي مكان. أطلقت الجمعية مع مؤسسة خان أكاديمي مجموعة أدوات "أوفيشال سات براكتيس" (Official SAT Practice) المجانية والتي تناسب الاحتياجات الشخصية للطلاب وتسمح لأي طالب بالتحضير لاختبار "سات" وللمحاضرات الجامعية. لقد كانت رسالة أكاديمية خان غير الربحية الدافع المحفز وراء هذه الشراكة. واليوم، يستخدم أكثر من نصف المتقدمين لامتحان "سات" في الولايات المتحدة على اختلاف مستويات دخلهم وخلفيتهم الاجتماعية، الأدوات التي توفرها الجمعية والأكاديمية للتحضير للامتحان، الأمر الذي يتيح لأكاديمية خان الوصول إلى طلاب قد يصعب الوصول إليهم.

الإيرادات: تبني مسار فريد للاستدامة المالية

يصب جل تركيز الشركات الربحية على البيع باعتباره جانباً مهماً من جوانب الاستدامة المالية. أما المنظمات غير الربحية فهي تنظر إلى حملة جمع التبرعات بقلق لأنها ترغب بدلاً من ذلك في التركيز على إنجاز مهمتها. ومع ذلك، فإن المنظمات الخيرية الأكثر نجاحاً تفكر في جمع التبرعات مثلما تفكر الشركات الربحية بالمبيعات: فهي تفكر في الفوائد التي ستعود على الممولين مثلما تفكر بالفوائد التي ستعود على المستفيدين من خدماتها ومنتجاتها، وغالباً ما يتم استحداث منتجات وتجارب متوائمة مع رسالتها أو تتماشى مع فئة معينة من الممولين. وهذا أمر صعب. سيكون الحظ حليف معظم المؤسسات الربحية إذا تمكنت من العثور على أسواق تلائم منتجاتها في حين يتعين على المنظمات غير الربحية أن تحقق تلك المواءمة بالنسبة لكل مصدر جديد لرأس المال من دون أن تحيد عن مهمتها. عندما يُنجز العمل بشكل جيد، يتيح إيجاد مصدر تمويل مستدام للقادة الذين يصبون جل اهتمامهم على رسالة الجمعية التركيز على التأثير الذي يمكن إحداثه بدلاً من إيجاد مخرج.

يقوم موقع "Careervillage.org" بتوفير المشورة المهنية للطلاب ذوي الدخل المنخفض عبر تقنية تحشيد  المصادر. وبعد سنوات من العمل بصورة منفصلة على جمع التبرعات وتجنيد المتطوعين لتقديم إجابات ذات جودة عالية لأسئلة الطلاب، لاحظ مؤسس الجمعية جاريد تشانغ فرصة موائمة لتحويل اعتماده على المتطوعين إلى مصدر قوة: الاستفادة من الجهات الموظفة للمتطوعين في شراكات مع موقع "Careervillage.org". من خلال ربط شركات مدرجة على قائمة "فورتشن 500" (Fortune 500) بعمليات تطوع رقمية يمكن التواصل معها، أسس موقع "careervillage.org" نموذجاً مستداماً للإيرادات. لقد أصبح هذا "الجودو غير الربحي" محركاً رئيساً للنمو السريع للموقع الإلكتروني، وهو يوفر فائدة أكبر للمؤسسة غير الربحية بشكل أكبر مما كان ممكناً في نموذج ربحي لا يبيع إلا للمدارس.

عندما تعمل الأسواق على النحو الأمثل، يمكن للشركات الربحية تحقيق أمور رائعة. والحالات المثلى هي التي يتوافق فيها تسويق المنتجات أو الخدمات مع خلق قيمة اجتماعية. ومع ذلك، غالباً ما تفشل قوى السوق في حل (لا بل إنها سببت في بعض الحالات أو فاقمت) مشكلات العالم الكبرى، بدءاً من مجالات الرعاية الصحية إلى التعليم وحقوق الإنسان.

نحن بحاجة إلى المزيد من القادة والمنظمات المجهزين للاستفادة من كل ميزة استراتيجية أثناء الدفع باتجاه إحداث تأثير. يمكن لرواد الأعمال الاجتماعيين امتلاك طاقة غير متوقعة إذا قاموا بتصميم استراتيجيات تستغل المزايا الفريدة للصفة غير الربحية. إن النشاط غير الربحي هو أكثر من مجرد وضع معفى من الضرائب؛ إنها استراتيجية تتمتع بمزايا فريدة للتعامل مع أصعب المشاكل الاجتماعية في عصرنا.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!