إذا كانت وظيفتك تحتوي على الشروط الثلاث التالية فاستعد منذ الآن لتطوير مهاراتك بحثاً عن وظيفة مختلفة، إذ يحدد الأستاذ في كلية هارفارد للأعمال سونيل غوبتا في كتابه "قيادة الاستراتيجية الرقمية" (Driving Digital Strategy) المهن التي ستحل الآلة محلها، بناء على ثلاث صفات تتوفر في هذه المهنة، وهي: الروتين والتكرار وتوقع النتائج. فإذا كانت مهنتك تتضمن عملاً روتينياً يتكرر خلال أدائك له، ويمكن توقع نتائج هذا العمل، فإن الآلة ستحل محلك في السنوات القادمة. 

ويلفت غوبتا نظرنا إلى أن عصر الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة الذي بدأ الآن، يختلف عن عصر الأتمتة الذي بدأ في ستينات وسبعينات القرن الماضي من حيث نوع العاملين الذين تستهدفهم الآلة أو التكنولوجيا، ففي عصر الأتمتة في السبعينيات، حلت الآلة محل العمال ذوي الياقات الزرقاء في المصانع، فقد خسر العمال الذين يقومون بأعمال يدوية الكثير من أعمالهم بسبب دخول الآلات الصناعية الحديثة، لكن الآلة التي نتحدث عنها اليوم مختلفة، فهي الآلة الذكية التي تتعلم، والتي من المتوقع أن تكون معظم الوظائف التي ستحل محلها هي وظائف لأصحاب الياقات البيضاء، أي الموظفين الذين يجلسون خلف المكاتب ويقومون بأعمال فكرية وليست فقط يدوية. وبحسب تقرير أعدته شركة الدراسات باين أند كو فإن مرحلة التصنيع من عام 1970-1990 أدت إلى تسريح حوالي 13% من قوة العمل الأميركية، بينما ستؤدي مرحلة "التحول الكبير" التي ستنطلق عام 2020 إلى تسريح نحو 25% من القوى العاملة.

دعونا نتحدث عن بعض الأمثلة التي يمكن أن تنطبق عليها نظرية التكرار والروتين والتوقع في الإعلام، ولنبدأ بالمثال الأبسط لفكرة التكرار والروتين، والتي هي مهنة المذيع القارىء، أي المذيع والمذيعة الذي يقرأ نشرة الأخبار، أو يقرأ نشرة الطقس أو حتى ذلك الذي يقرأ أسئلة محددة مسبقاً للضيوف أو يتلقاها مباشرة من معد البرنامج عبر سماعات الأذن، كل هذه المهن الروتينية قابلة للاستبدال بالآلة، وهذا ما بدأ فعلاً عبر تجارب وكالة شينخوا الصينية وعبر نموذج مذيع الروبوت العربي الذي بدأت تنتجه شركة أبوظبي للإعلام، وطبعاً لن يختلف شكل هذا المذيع عن البشر وربما لن نتمكن من تمييزه في المستقبل.

وفي مثال آخر عن المهن الصحفية التي تتكرر وفقاً لروتين محدد، هنالك خبر يتكرر يومياً في الأخبار الاقتصادية بمختلف منصات نشرها وهو أخبار البورصة، سواء عن نتائج المداولات بالمجمل في نهاية اليوم أو الخبر الخاص بتداولات شركة محددة. هل في هذا الخبر روتين؟ نعم، وهو عمل يقوم به محرر هذا الخبر عبر: فتح روابط "لينكات" معينة من موقع سوق التداول، والذهاب إلى إيقونات معينة لمعرفة بعض الأرقام عن هذه التداولات، وهو يقوم بهذا العمل بشكل يومي للبحث عن تحديثات هذه الأرقام بالتحديد، أو ربما يتلقاها عبر تغذية "RSS". حسناً، هذا شرط الروتين قد تحقق. ثم يأتي السؤال التالي؛ هل تتضمن صناعة هذا الخبر تكراراً؟ نعم، فالمحرر يكرر عبارات محددة، ولا يغير فيها غالباً سوى تحديثات الأرقام، مثل: "بلغت قيمة تداولات سوق الأوراق المالية اليوم (العملة المحلية)، وكانت الشركات الأكثر تداولاً….إلخ"، كما أنه يكرر الإجراءات ذاتها بدءاً بتوقيت البحث عن التحديثات الجديدة في موقع البورصة، وصولاً إلى توقيت نشر الخبر وإجراءاته. ثم يأتي السؤال الثالث، وهو؛ هل هذا العمل بكل ما يحويه من تكرار وروتين وتحديثات أرقام، يحتوي نتائج متوقعة يمكن أن تستوعبها الأرقام؟ نعم، فإذن، أهلاً بالروبوت محرراً لأخبار البورصة. لذلك، فقد أصبح بإمكاننا منذ الآن تصميم ربوت (برنامج كمبيوتر) لديه هذا الخبر كنموذج متكرر، يحتاج لتحديث وتغيير في الأرقام يومياً. وعلى هذه البرمجية أن ترتبط بإحدى البرمجيات المتاحة على موقع البورصة، وتسحب منها بشكل آلي تلك التحديثات وتدخلها في الفراغات المناسبة، ثم تنشر الخبر في التوقيت المحدد، دون تدخل بشري. 

تجارب الانتقال

ربما كانت وكالة أسوشيتد برس أول من طبق هذا النموذج في أخبار مماثلة، فقد اعتمدت الوكالة برمجية روبوتية ساعدتها بها إحدى شركات التكنولوجيا لإنتاج الأخبار المتكررة باستخدام منصة وورد سميث (WordSmith)، والتي ساعدتها منذ عام 2014 على إنتاج حجم أخبار يفوق 14 مرة الحجم الذي كان ينتجه المحرر الصحفي البشري في كل عام.

وفي تجربة أخرى، أجرت الصحفية في فايننشال تايمز سارة كونور تحدياً مع روبوت برمجي يدعى "إيما" تعمل معه الصحيفة وهو من ابتكار شركة ناشئة تدعى ستيلث (Stealth). سارة أعلنت نتائج التحدي في مقال نشرته في الصحيفة، كان من بينها أن إعداد التقرير احتاج من "إيما" الروبوت 12 دقيقة، بينما احتاج من سارة 35 دقيقة. كما أن الدقة والمعلومات المتكاملة كانت أفضل في تقرير "إيما" الروبوت، بينما تفوقت سارة على الروبوت في إدراك بعض النواحي التي تحتاج لمحاكمة بشرية في بعض السياقات. لكننا نتحدث اليوم عن مراحل تطور يحتاج النضوج فيها لأيام وأشهر وليس إلى سنوات كما يتوقع بعضنا. وربما قرأتم الكثير من الأرقام حول سرعة اختراق الذكاء الاصطناعي لمختلف القطاعات، بسرعة تفوق توقعات البشر، ففي عام 2015 أجرى المنتدى الاقتصادي العالمي استطلاعاً شمل أكثر من 800 مسؤول تنفيذي في مجال تكنولوجيا المعلومات، وقد توقع 45% منهم، أننا سنشهد دخول الذكاء الاصطناعي كعضو في مجالس إدارة الشركات اعتباراً من عام 2025، ولكن ماذا حصل؟ لقد أخطأوا في التوقع، فقد بدأ هذا الأمر الآن في عام 2019، وأول من طبقه شركة في هونغ كونغ تدعى ديب نولدج فنتشرز (Deep Knowledge Ventures). في الواقع، علينا أن نتوقع سرعة تطور الذكاء الاصطناعي من خلال التفكر في سرعة تطور برنامج "ألفا جو" من شركة ديب مايند التابعة لجوجل على سبيل المثال، فقد توقع الخبراء في استطلاع أجرته جامعة أوكسفورد أن الذكاء الاصطناعي لن يتفوق على البشر في لعبة "جو" قبل عام 2027، غير أنه تفوق على البشر في عام 2015، فقد تغلب هذا البرنامج على أفضل اللاعبين البشريين، ثم ظهرت نسخة الذكاء الاصطناعي "ألفا جو زيرو"، والذي تعلم عن طريق اللعب مع نفسه، فتغلب على جميع إصدارات "ألفا جو السابقة" في غضون أربعين يوماً فقط.

وفي الإعلام، يدخل تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي تدريجياً لكن بثقة، ففي استطلاع أوكسفورد السابق، توقع الخبراء أنّ يتولى الذكاء الاصطناعي مهمة الكتابة بدل الإعلاميين في عام 2024، غير أن ما سنذكره الآن من بعض التجارب يثبت أن الأمر بدأ قبل ذلك بسنوات، على الرغم من احتواء تلك التجارب على بعض الأخطاء. وأنتم تعلمون أن وجود هذه الأخطاء في ثورة التكنولوجيا هو الطريق الطبيعي والذي لا مفر منه لتصحيح البرمجيات وتطويرها وتلافي هذه الأخطاء. ودعوني استعرض هنا بعض التجارب الواعدة التي بدأت فعلاً على الرغم من احتوائها بعض الأخطاء البسيطة والتي يجري تطويرها. والتجارب التي أعرضها هي مما قامت به أسوشيتد برس ونيويورك تايمز وواشنطن بوست، فقد بدأ الذكاء الاصطناعي بما يلي:

  • استخراج نصوص الفيديو "سكريبت" من نصوص المقالات والأخبار، ثم تحويلها إلى فيديو دون تدخل بشري سوى في حالات محددة. 
  • تحويل المقال الذي يكتبه الصحفي‬ إلى عدة نسخ تناسب مختلف منصات النشر.
  • تعديل صياغة الخبر أو المقال بما يناسب كل مجموعة من القراء أو أصحاب مهنة أو مصلحة، بحسب معلوماتهم المتوفرة في بيانات المشتركين.
  • جمع البيانات والأرقام حول موضوع محدد من مختلف المصادر المتاحة، واستخراج الأرقام المناسبة، وكتابة قصة عنها بصيغ محددة، وهذه تعتبر بداية التحقيق الصحفي المدفوع بالبيانات آلياً، على الرغم من أنها ما زالت تحتاج لمحاكمة بشرية، كما رأينا في تحدي صحفية الفايننشال تايمز والروبوت الصحفي إيما.
  • تكرار نشر أخبار محدثة عند صدور البيانات المالية ربعياً ونصفياً… إلخ.
  • تعيين الذكاء الاصطناعي مسؤولاً عن اختيار العناوين للمقالات بناء على البيانات الضخمة التي يجمعها من اهتمامات القراء.
  • في بعض التجارب التي تقوم بها واشنطن بوست، يقترح الصحفي أهمية مقالته ومكان نشرها في المنصة الإلكترونية، لكن الذي يقرر ليس رئيس التحرير ولا الصحفي، بل الذكاء الاصطناعي بناء على أهمية المادة وعادات القراءة للمشتركين واختصاصاتهم. 
  • التحقق من المعلومات والصور.

ما يحدث اليوم في هذه المحاولات يسمى "تجارب الانتقال"، أي أن هذا الانتقال سيكون حتمياً، ولا أنصح بأن تكون هذه الأخطاء التي تحصل خلال التجارب بمثابة إشارات مطمئنة لبعض الكسالى بأنها ستفشل، بل هي إشارات بأن هذه التجارب سوف تتجاوز هذه الأخطاء وتنجح.

المرحلة الانتقالية الهجينة

الفرصة الحقيقية اليوم هي بأننا في مرحلة انتقالية أسميها "المرحلة الهجينة" بين عصر الإعلام الإلكتروني التقليدي وبين عصر إعلام وإعلاميي الذكاء الاصطناعي. لماذا هي فرصة؟ لأنها فرصة ليعرف العاملون في هذا الحقل أو المسؤولون عن مناهج الجامعات ما الذي ينتظرنا من مهن واعدة كبديل لتلك التي ستصبح بائدة في مجال الإعلام لكي نستعد لها منذ الآن وبلا تردد أو بطء، ودعونا نستعرض الآن أبرز تلك الفرص والمهن المستقبلية التي تناسب المرحلة الانتقالية، والتي ستكون صالحة منذ الآن وحتى عشر سنوات قادمة، كما سنتعرض في الوقت ذاته تلك المهن التي يحتمل أن تخرج من التداول. 

في عام 2016 قدمت الخبيرة المستقبلية إيمي ويب والتي هي الرئيس التنفيذي لمعهد "المستقبل اليوم" في الولايات المتحدة الأميركية بحثاً طرحت فيه عدداً من المهن الإعلامية التي ستخرج من الخدمة في السنوات القليلة القادمة، وفي المقابل طرحت عدداً من المهن الإعلامية الجديدة، كما يلي:

ولأننا ما زلنا في المرحلة الانتقالية الهجينة، فإن سحب البساط من تحت وسائل الإعلام التقليدية بشكل هائل عبر ذهاب عوائد الإعلانات إلى عمالقة الإنترنت مثل فيسبوك وجوجل، تسبب بإرباك في معظم المؤسسات الإعلامية التي لم تطور نموذجاً جديداً للأعمال، حيث وجدت نفسها بلا موارد كافية، وهو الأمر الذي اضطرها للقيام بحملات مذعورة لتسريح الآلاف من العاملين في حقل الإعلام. ولا شك أنكم سمعتم عن خبر تسريح ألف صحفي وموظف إعلامي من مؤسستي بزفيد وهافينغتون بوست بداية العام 2019، وهو الخبر الذي يأتي ضمن موجة تسريح واسعة النطاق تضرب المؤسسات الإعلامية شرقاً وغرباً، والذي تأتي أهميته ليس فقط من هذا العدد الضخم من المسرّحين، ولكن لأن من قام بالتسريح مؤسستان من أحدث المؤسسات الإعلامية التي يفترض أنها ولدت في عصر الديجيتال ومارست نشاطاتها بنجاح مستخدمة وسائل التواصل الحديثة وتقنياتها وصحفييها، فما الذي حدث؟ 

الجواب المختصر الذي تفهمه من جواب هذه المؤسسات وغيرها ممن أعلنت بدء الخطوات للتسريح أو سرّحت العديد من موظفيها سابقاً مثل كبريات الصحف العالمية والمواقع الإخبارية الإلكترونية (على سبيل المثال ياهو)، هو أنها بدأت تخسر ولم تجد نموذج العمل الربحي المناسب في ظل تراجع الأرباح مع سيطرة فيسبوك وجوجل على سوق الإعلانات والأخبار، حيث يسيطر هذان العملاقان على نحو 75% من عوائد الإنفاق الإعلاني في العالم.

مهارات مستقبلية نادرة

ثم يأتي السؤال الذي تهمنا الإجابة عنه في هذا المقال وهو؛ ماهي نوعية الموظفين والفنيين العاملين في حقل الإعلام والذين طالتهم قرارت التسريح؟ الجواب هو الذي يحدد بالضبط أنواع المهن التي يرى أصحاب العمل بأنها "مهارات مستقبلية نادرة" وبالتالي جرت المحافظة عليها، وبين أصحاب المهن التقليدية المكررة، التي يرى قادة العمل بأنها متوفرة وأنها "مهارات تقليدية منتشرة بكثرة". وفي بحث أجرته الصحفية المتخصصة بالبيانات مرديث مستكر شمل تحليل 1.5 مليون سيرة ذاتية للعاملين في حقل الإعلام، قارنت مرديث بين مهارات هؤلاء العاملين وبين متطلبات السوق عبر إعلانات أصحاب العمل، فتوصلت لتقديم خارطة نصائح لأصحاب المهارات الإعلامية بالبحث عن مهن ضمن قطاعات لم يعتادوا عليها من قبل مثل "قطاع الأعمال والتعليم والفن والترفيه" عبر تخصصات مثل العلاقات العامة والتواصل وعلاقات المشتركين والتسويق الإلكتروني وغيرها من متطلبات السوق.

وتتوافق هذه الدراسة مع استطلاع أجراه موقع إنديد الخاص بالوظائف شمل خريجي الإعلام في الجامعات الأميركية بين أنهم يفضلون العمل في التسويق الإلكتروني والعلاقات العامة وعلاقات الزبائن أكثر من تفضيلهم للعمل التحريري الصحفي. فما هو السبب؟

مرة أخرى، المرحلة الانتقالية التي تعاني فيها وسائل الإعلام من إيجاد نماذج عمل تحقق الأرباح لم تحدد بعد ما هي الوظائف التي تحتاجها من إعلاميي المستقبل، وما زالت مقتصرة في التوظيف على المهارات النادرة التي تحاول من خلالها اكتشاف نماذج عمل جديدة، لذا فإنك تجد أن بعض المهن المتخصصة والموهوبة في الإعلام ما زالت مطلوبة وبرواتب تنافسية، وذلك لأنها ببساطة "مهارات نادرة" ومطلوبة في كل حين، وفي مختلف القطاعات مثل "باحثو البيانات، ومحررو الفيديو والموشن غرافيك ومختصو التسويق الإلكتروني". أما المهن الصحفية التقليدية مثل محرر الخبر وكاتب التقارير أو المحقق الصحفي فإن النموذج "المحسّن" منها هو فقط الذي سيعيش ويستمر.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!