في عام 2008، عندما كانت شركة نتفليكس توصل أقراص الديفيدي عن طريق البريد ـ قررت الانضمام إلى منصة الفيديو(يوتيوب) والتي كانت جوجل قد استحوذت عليها مؤخراً وقتها. من الصعب تخيل هذا الآن، ولكن وقتها كان الكثيرون متشائمين بخصوص يوتيوب. فقد كانت هذه المنصة في حينها بالنسبة لهم مليئة بفيديوهات القطط، وكان معدل خسارتها للمال مثل انتشار النار في الهشيم. ولكني كنت أنظر للأمر نظرة مختلفة.

بعد شهرين من العمل في المنصة، طُلب مني إلقاء خطاب أمام غرفة مليئة بكبار الموظفين والتنفيذيين في المجال. بدأت بجملة أصبحت صيحتي التشجيعية على مدار العقد التالي: "سوف يصنع الفيديو عبر الإنترنت بالتليفزيونات الكبلية ما صنعته التليفزيونات الكبلية بالبث العادي".

رحت أشرح للحضور كيف اعتدنا أن تكون لدينا ثلاث قنوات فقط يعرضها التليفزيون القائم على البث الأرضي، ثم جاء بعدها التليفزيون الكبلي، وإذا بنا نجد أنفسنا أمام 300 قناة بدلاً من ثلاثة. وأردفت قائلاً كما انتقلنا من 3 قنوات إلى 300 قناة، فإن تقنية الفيديو عبر الإنترنت سوف تأخذنا من 300 قناة إلى 3 ملايين قناة ـ وآمل أن يكون ذلك عبر اليوتيوب.

وراح جميع الحضور في الغرفة يحملقون نحوي في ذهول واندهاش. فقد بدا الأمر غريباً أن قنوات يوتيوب سوف تطلق على نفسها الأسماء ذاتها مثل إي إس بي إن (ESPN) وسي إن إن (CNN) وإم تي في (MTV). في ذلك الوقت، كانت تجري مقارنة "يوتيوب" بموقع "ماي سبيس" (MySpace) أو "فليكر" (Flickr)، وليس كمتحدي لـ "هوليوود".

كنت مؤمناً بهذه العبارة لأنني كنت أشاهد الإثباتات والبراهين تتكدس أمامي. كل يوم، أسمع عن شخص لا يكاد يُذكر أو يُحتمل نجاحه يحقق مليون مشترك بين عشيّة وضحاها. من كان يتوقع أن غناء صبي عمره 13 عاماً، في غرفة نوم والديه، سوف يقود إلى تلك الظاهرة الجنونية "بيبر مانيا" أو "جنون جاستن بيبر" (Biebermania) مثلاً؟

بيد أن قصتي المفضلة للنجاح بعيد الاحتمال كانت عن صديقي في الجامعة سال خان. بدأ سال في نشر فيديوهات يوتيوب كطريقة لتعليم ابنة أخيه. وكانت الفيديوهات التي قام بنشرها عبارة عن تسجيلات شاشة له وهو يقوم بحل مسائل الجبر ـ وهذا في الأساس عكس نوع البرمجة الذي يمكن أن تراه في التليفزيون. ولكن هذه المنشورات حظيت بإعجاب الناس. ذات ليلة على العشاء، سألني سال إذا كانت نسبة المشاهدة التي كان يراها حقيقية. وإذا كانت حقيقية، هل ينبغي أن يترك وظيفته الثابتة كمحلل صندوق مضاربات ويكرس نفسه لهذا العمل بدوام كامل. نظرت إليّ زوجة سال (وكانت حاملاً وقتها) نظرة ثاقبة. أخبرتُه أنني لا أستطيع أن أعده بأي شيء ولكني أراهن بحياتي العملية على تقنية الفيديو عبر الإنترنت. وترك سال وظيفته، وها هي أكاديمية خان (Khan Academy) الآن واحدة من كبريات الشبكات التعليمية على مستوى العالم.

الصناع من أمثال سال لم يظهروا على الساحة بغتة على اليوتيوب؛ بل ظهروا في صناعات متوازية متعددة. كانوا في موقع إتسي (Etsy) يبيعون منتجاتهم المصنوعة يدوياً. وكانوا في إير بي إن بي (Airbnb)، يفتتحون مرافقهم الخاصة بالأسرة وتوفير وجبات الإفطار. أعتقد أنه بالإمكان تصنيف لعبتي "فورتنايت" و"ماينكرافت" في هذا الاتجاه كذلك.

في جميع هذه الحالات، تراجعت المنصات الإلكترونية وتنحت جانباً وتركت جماعات المستخدمين فيها يحولون أنفسهم إلى جماعات صناع.

أطلق أنا على هذه الجماعات اسم جيل الصناع. وأتنبأ أنهم سوف يستحوذون على البرامج الحاسوبية بعد ذلك. هؤلاء الصناع لن يكونوا فقط مهندسين في وادي السيليكون؛ سوف يكونون من خبراء حل المسائل وصناع الأدوات، ومن أماكن مترامية وغير متوقعة تماماً كتلك الأماكن التي يأتي منها أصحاب القنوات على اليوتيوب.

في الأيام الأولى للحوسبة الآلية، كان الهواة هم من يقومون بتطوير البرمجيات. كان هناك نادي الحوسبة (Homebrew Computing Club)، وستيف جوبز وستيفن غاري وزنياك وبيل غيتس. كان هناك شعور وقاسم جماعي مشترك بينهم جميعاً وهو أنّ هذه التقنية الجديدة الباهرة سوف تتيح لأي شخص أن يصنع ما يريد.

ولكن جاءت بعد ذلك شركة إس ايه بي (SAP)، ورأينا تحولاً ناحية شركات برمجيات التطبيقات العملاقة. في هذا الجيل، كان فريق تقنية المعلومات يقوم بشراء نظام كبير واحد للشركة كلها، وكان يحاول حل جميع المشكلات مستخدماً ذلك النظام.

بعد ذلك في العقد الأول من الألفية الثالثة، رأينا سيلاً من التطبيقات المجمعة. في عالم الأعمال، أطلق على هذا اسم (SaaS) أو البرمجيات كخدمة. إذا طرأت لك مشكلة، ليس من اللازم عليك الرجوع إلى فريق تقنية المعلومات، يمكنك أن تأخذ بطاقة الائتمان خاصتك إلى أماكن مثل سيلز فورس (Salesforce.com)، وتشتري واحداً من حلولهم الكثيرة المخصصة. كانت لدى فرق العمل الحرية في اختيار "حزمة" البرمجيات الخاصة بهم والتي تساعدهم في إنجاز مهمتهم. وفي نفس الوقت، نقوم بالمرور عبر أربعة ملايين تطبيق في متجر التطبيقات أو متجر الألعاب على هواتفنا وعلى أجهزة التابليت لدينا.

وهنا نتذكر مقولة مارك أندرسن الشهيرة: "البرمجيات تلتهم العالم". شكّل ذلك السيل من التطبيقات كل وجه من أوجه حياتنا الحديثة ـ عملنا واتصالاتنا وانتقالاتنا وأنظمتنا المالية بل وحتى إنتاج طعامنا. أليس غريباً أن ذلك الجزء الهائل من العالم تصنعه مجموعة صغيرة من المتخصصين؟

أعتقد أن البرمجيات تدخل مرحلة جديدة مع إصدارها الخاص من جيل الصناع ـ لن يرغب الناس في شراء حلول موحدة لتناسب الجميع وهي حلول صنعها آخرون، إذ إنهم سيرغبون في صنع حلولهم بأنفسهم. وعندما نستخدم كلمات مارك أندرسن عندما ذكر أنّ البرمجيات تلتهم العالم، فإنّ الصناع سوف يلتهمون البرمجيات

على مدار العقدين الماضيين، راحت صناعة البرمجيات تكافح مع هذه الديمقراطية. وسوف أقول رداً على هذا، أنّ هذا يرجع إلى الواجهة البينية لصناعة البرمجيات.

هناك مقارنة تشبيهية رائعة تتعلق بالرياضيات يسوقها بريت فيكتور، المصمم السابق في شركة آبل وأخصائي المستقبليات: "هل جربت في أي وقت من الأوقات أن تضرب الأرقام الرومانية؟ الأمر صعب بشكل غير معقول ولا يصدق. وهذا هو السبب، قبل القرن الرابع عشر، الذي جعل الجميع يرون أن ضرب الأعداد كان مفهوماً صعباً إلى أبعد الحدود، ولم يكن ممكناً إلا لصفوة الرياضيين. جاءت بعد ذلك الأرقام العربية، حيث تحتوي على قيم مكانية (خانات) واضحة ويسيرة، عندها اكتشفنا أنه حتى الأطفال في سن سبع سنوات يستطيعون التعامل مع مسائل الضرب بكل سهولة ويسر. لم يكن هناك أي شيء صعب بخصوص مفهوم الضرب ـ كانت المشكلة تكمن في أن واجهة المستخدم البينية للأعداد، في ذلك الوقت، كانت سيئة".

ينطبق ذات التشبيه على البرمجيات. واجهات برمجة تطبيقات مبهمة. شولات منقوطة موضوعة بعناية ودقة. محددات أسطر الأوامر مرتبة بعناية ودقة. ثلاث طرق لاستخدام علامة يساوي. إنها إصدار البرمجيات من الأرقام الرومانية. تحتاج البرمجيات إلى واجهة بينية جديدة، إنها لغة جديدة.

بضع شركات فقط هي التي لاحظت ذلك. شركات مثل غليتش (Glitch)، وزابير (Zapier)، وإفت (IFTTT)، كلها تحاول تمكين أي شخص من عمل الأشياء التي لا يستطيع أن يفعلها سوى المطورين في العادة. أما شركات أخرى مثل إيرتابل (AirTable) وكويكبيس (Quickbase)، فتجلب قواعد بيانات إلى جماهير عريضة وأكثر عدداً. ترى شركتي الخاصة، شركة كودا (Coda)، أن الواجهة البينية الجديدة ستكون واجهة نعرفها ونثق بها مثل المستند. يبدأ الصناع بلوحة خالية ومؤشر وميضي مألوف، ويستخدمون مجموعة من قوالب البناء لإنشاء مستندات بنفس قوة التطبيقات.

على سبيل المثال، تقوم هذه الخبازة المعروفة باسم هوب (Hope) بتشغيل شركة غرانولا في فيرجينيا. كانت هوب تتمتع بنفاذ بصيرة خاص حول كيفية إدارة علاقات التجزئة لمشروعها، ولم تستطع أن تعثر على أي برنامج حاسوبي لعمل ذلك. ولذلك أنشأت مجموعة من المستندات لحل مشكلتها. مع المجموعة الصحيحة من القوالب والنماذج، استطاعت هوب أن تتحول من مشتري برمجيات إلى صانع برمجيات.

ما الذي سيجلبه جيل الصناع؟ في الوقت الحالي، قام العالم بتقسيمنا بشكل اصطناعي إلى أشخاص يصنعون البرمجيات من ناحية، وأشخاص يستخدمون البرمجيات من ناحية أخرى. بمجرد أن نتوصل إلى واجهة بينية أفضل ـ وهي أرقامنا العربية ـ فإنني أتوقع أن ينهار هذا الانقسام؛ وسوف يتمكن، في نهاية الأمر، الأشخاص الذين يمضون يومهم بالكامل في العمل في البرمجيات من صنع برمجياتهم الخاصة بأنفسهم.

ماذا يحدث عندئذ؟ سوف نبدأ تصميم تطبيقات لجماهير صغيرة، وليست كبيرة. سوف تعمل الشركات بتطبيقاتها الخاصة، مئات التطبيقات، المصنوعة والمصممة خصيصاً لكل فريق ومشروع واجتماع. في هذا العالم، لن تكون هناك حالة تتطلب معالجة خاصة وتستعصي على الحل. فجميع الفرق والأفراد ممن لم يكونوا يحصلون على الخدمات الكافية والملائمة قبل ذلك، سيحصلون على حل ملائم على النحو الأمثل دون أي حاجة إلى الاستعانة بالمهندسين والمبرمجين.

سوف يصبح فضاء البرمجيات أكثر اتساعاً وأكثر إثارة للاهتمام، ولكنه سيصبح أكثر ضجيجاً أيضاً. بالنسبة لكل حل متميز، ربما سيكون هناك مئة حل غير متميز في المقابل. سوف نرى سيلاً من الأفكار، مملوء بالبرمجيات التي لم نكن لنتوقعها على الإطلاق. هذه هي طريقة عمل جيل الصناع.

بالنسبة لي شخصياً، لا يسعني الانتظار.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!