لكي تحرز تقدماً في عملك يجب أن تكون بارزاً. إذ إنّ بروز الموظف يتيح له إظهار مهاراته والحصول على مهمات رئيسة وبناء علاقات استراتيجية. 

ولكن أهمية البروز هذه تشكل معضلة بالنسبة للنساء. 

يتم إغفال مشاركة المرأة في العمل باستمرار، وهذا يحدّ من تقدمها المهني ويساعد على تفسير سبب استمرار الرجال في شغل المناصب الإدارية العليا بأغلبية ساحقة. وعندما تحاول المرأة إظهار نفسها أكثر فهي تواجه ردات فعل سلبية بسبب خرقها للتوقعات بشأن السلوك الذي يجب عليها اتباعه، وبذلك تخاطر بخسارة إنجازاتها المهنية التي لم تحققها إلا بشق الأنفس.

كيف تستطيع المرأة تجاوز هذا الموقف الخاسر؟ 

في عام 2013 شاركنا في برنامج تطوير المرأة المهني في مؤسسة غير ربحية كبرى في الولايات المتحدة الأميركية لنكتشف الإجابة. وبالعمل مع معهد كلايمان للأبحاث المتعلقة بالنوع في جامعة ستانفورد أجرينا 86 مقابلة في العمق مع نساء ضمن البرنامج، وراقبنا 36 مجموعة نقاشية، وحضرنا 15 اجتماعاً شاملاً لجميع المشاركات في البرنامج. كانت أغلبية النساء في دراستنا حائزات على شهادات جامعية، وثلثاهنّ كنّ أمهات. تراوحت مستويات المشاركات بين موظفات مبتدئات ونساء في منصب نائب الرئيس بمعدل فترة خدمة يصل إلى 11 عاماً في مؤسساتهنّ. قررت غالبيتهنّ المشاركة في برنامج التطوير المهني من أجل الاستفادة من فرص التواصل والتعلم المتوفرة من خلاله، واعتبرت كثيرات منهنّ أن المشاركة في البحث تمثل فائدة إضافية. 

كانت النساء في بحثنا مدركات لفوائد الظهور ويعلمن أنّ بروزهن عن طريق التدخل أثناء الاجتماعات والتفاخر بالإنجازات هو استراتيجية تقليدية للتقدم المهني. ومع ذلك قامت العديد منهن برفض هذه الاستراتيجية بإرادتهن. 

وعوضاً عن ذلك، اخترن استراتيجية تفادي المخاطر وتجنب النزاعات في المكتب. وقد استخدمن عدم بروز المرأة المتعمد لتجنب النزاعات مع الزملاء والتراخي في تأكيد ذاتهن من خلال تعاملهن بلطف وإنجاز الأعمال عن طريق الاستمرار بالتحرك قدماّ بصمت من دون جذب الانتباه لأنفسهن. وأدت هذه الطريقة إلى شعور المرأة في نهاية الأمر بأنها محبوبة ولكنها لا تنال ما تستحقه من التقدير. 

لماذا اختارت المرأة هذه الطريقة؟ لقد تعرفنا على ثلاثة دوافع: تفادي النزاعات أو ردود الأفعال، والشعور بمصداقيتها في العمل وموازنة مطالب الحياة المهنية والشخصية. 

تفادي ردود الأفعال في مكان العمل

أدركت النساء في بحثنا أن عدم بروزهنّ في المكتب قد يقلل احتمالات حصولهنّ على الترقيات. إلا أنهنّ خشين من أن يوصلهنّ خرقهن للأعراف الأنثوية إلى حال أسوأ، حيث مرت (أو شهدت) نساء كثيرات بمواقف تمت فيها معاقبة المرأة التي تصرفت بصورة جازمة أو متسلطة. 

والنتيجة هي أنّ العديد من النساء فضلن عدم البروز لتفادي ردود فعل المدراء والزملاء. لقد كنّ واعيات للانحياز الجنسي في أماكن العمل ولجأن لعدم البروز المتعمد للحدّ من تعرضهن لهذا الانحياز. 

خذ مثلاً شيرين، إدارية في مكتب لشؤون الامتثال، روت قصة موقف مع زميل لها في المكتب، حيث قال لها أثناء سيرهما عائدين إلى المكتب بعد اجتماعٍ عبرت فيه شيرين عن رأيها بجرأة: "يا إلهي، كم أنا سعيد أنك لست زوجتي!"، وعلى الرغم من علمها بأن تعليقه هذا كان تحيزاً ضد المرأة إلا أنها آثرت تجاوزه والتخفيف من حدة مشاركاتها في الاجتماعات بدلاً من مواجهة زميلها ذاك. تقول: "لا بد أنني أظهر عناداً أكبر مما كنت قادرة عليه حقاً." 

أما غالية، التي عملت في مجال يهيمن عليه الرجال لمدة 35 عاماً، فكانت تعتقد أن "المرأة القوية في العمل ما تزال ينظر إليها على أنها إنسانة سيئة". على الرغم من أنّ غالية كانت تدرك أن هذه الصورة النمطية كانت مجحفة، إلا أنها كيّفت سلوكها بصورة تمكنها من تفادي تلك التسمية. تقول: "كان أحد أهدافي الشخصية والتعلم الذاتي على مدى 35 عاماً هو وجوب تكييف شخصيتي ورأي شديد القوة مع هذا الأمر". ولتفادي نظرة زملائها السلبية إليها خفضت غالية ثقتها بنفسها واعتمدت سلوكاً أكثر سلبية في مكان العمل. 

إيجاد المصداقية المهنية

كان التزام الصمت في مكان العمل بالنسبة لغالية وبعض من نظيراتها يتطلب جهداً كبيراً. بينما بالنسبة لنساء أخريات ضمن البرنامج كان البروز الشديد يبدو زائفاً وغير ملائم.

وبالفعل، رفضت العديد من النساء نمط القيادة التنفيذي القائم على تعزيز الذات ولجأن للنمط العمومي الذي يركز على المهمة. فامتنعن عن السعي للبروز في العمل كأمر يخدم مصالحن الذاتية ورفضن فكرة أنه يجب عليهن اعتناق الأعراف المعدة لصالح الشخصيات الذكورية بصورة تقليدية. واعتبرن البقاء خلف الكواليس متوافقاً مع شخصياتهنّ أكثر من منح أنفسهن حجماً أكبر والتفاخر. وبهذه الطريقة ساعد البقاء بعيداً عن الأنظار الكثير من النساء على إيجاد توافق بين قيمهنّ الشخصية وسلوكهنّ المهني. 

تقول لينا، وهي مديرة رفيعة المستوى في قسم التطوير، واصفة القادة ذوي النمط التنفيذي: "إنهم باردون وعقلانيون…لا ينصاعون وليسوا شغوفين ولا مثيرين للاهتمام". وشرحت أنها لم ترغب بأن تضطر لاكتساب هذه الصفات كي تنجح في مكان العمل. 

وكذلك الأمر بالنسبة لدانية، وهي مدربة تطوير مهني، فقد رفضت نمط القيادة التنفيذي وفضلت أسلوباً قائماً على الفريق. تقول: "ليس بسبب وجود عيب في الأشخاص الذين يرغبون بتعزيز أنفسهم وكسب المال والحصول على ألقاب عظيمة، إنما هو شعوري بعدم الارتياح لكلمة "قيادة" إلى أن تمكنت من إعادة تعريفها لنفسي".

اعتبرت النساء عدم البروز أمراً ذا مصداقية أكبر، بالإضافة إلى إيمانهن أنه أفضل للفريق. تقول جنى، وهي مديرة برنامج الرفاهية: "لا تتمثل القيادة القوية بتشكيل قدوة يحتذى بها فحسب، بل هي أمر يمكن للبعض تعلمه وتطبيقه. ويصبح القائد جزءاً من الفريق، ولذلك يصبح غير مرئي تقريباً، إلا أنه يظل مرجعا".

بدلاً من التطلع لأعراف القادة المرافقة للذكورة، ركزت هؤلاء النسوة على الفوائد الأخلاقية والاقتصادية للعمل وراء الكواليس. على الرغم من أن ذلك سمح لهن بالقيام بأعمالهم بمصداقية، إلا أنه منع ملاحظة مشاركاتهن وتقديرها. 

ضغوط الأمومة

تحمل المرأة على عاتقها الحصة الأكبر من مسؤوليات المنزل، وبالأخص بوجود الأطفال في العائلة. كانت الأمهات في الدراسة التي أجريناها تلجأن إلى عدم البروز المتعمد أكثر من غيرهنّ. إذ منحهنّ البقاء بعيداً عن الأنظار مزيداً من الوقت والطاقة للقيام بواجباتهنّ في المنزل. كما ساعد على تقليص نزاعاتهنّ مع الزملاء، وكذلك على تفادي ردود أفعال أزواجهنّ.

تخشى العديد من النساء من وقوع مشاكل مع أزواجهنّ، أو وقعن بها فعلاً، عند البدء بتقييم طموحاتهن أو المجازفة في وظائفهنّ. شعرت مريم، وهي زوجة وأمّ لطفلين، أنها تزداد قوة مع تقدمها في البرنامج. إذ إنها، بعد عدة سنوات في الإدارة المتوسطة، اكتشفت رغبتها في صعود السلم المهني وأملت اتخاذ الخطوات للقيام بذلك. شرحت لنا مريم في منتصف البرنامج أن طريقتها الجديدة في وظيفتها أثرت كثيراً على حياتها في المنزل، حيث قالت: "كنت في ذهني أتحول إلى المرأة التي أرغب أن أكون. التحقت بدروس للتطوير المهني وكنت أتحدث إلى أشخاص وأمارس هذه الشخصية في الواقع. وفي أحد الأيام وجدت أن استياء زوجي مني يتزايد. لذلك قلت له: (هل أخطأت بأمر ما؟) فقال: (أنا لم أعد أعرفك! فأنت تعدين كلّ هذه الخطط وتتحدثين عن العودة للدراسة مجدداً وتقومين بهذا وذاك، ولست حاضرة، لست موجودة لأجلنا. كنا سابقاً نناقش الأمور التي قد تؤثر على كلينا) في تلك اللحظة أدركت، (حسناً، أعتقد أن هناك واقع)".

كان لدى نساء مثل مريم اهتمام بالمجازفة المهنية ودفع مسيراتهنّ المهنية قدماً، ولكنهنّ وجدن أنهن سيسعين لتحقيق طموحاتهنّ للحدّ الذي يضمن استقرارهنّ العائلي فقط.

روت لنا نساء أخريات عن حملهنّ عبء الحفاظ على الاستقرار العائلي من خلال الحضور الدائم لتولي أمور الرعاية والطوارئ العائلية. ومن أجل القيام بذلك كان عليهن صياغة مسيراتهن المهنية بما يلائم المرونة والاستقرار في حين سعى أزواجهن لتحقيق طموحاتهم ذات المجازفات الأخطر وربما ذات الأرباح الأكبر أيضاً. 

مشاركة الشهرة

غالباً ما تُنصح المرأة بالنهوض والتميز إن رغبت بإحراز تقدم. ولكن استلام أدوار بارزة في العمل يعرضها للمخاطر وهي تعلم ذلك. وطالما أنها لا تواجه سوى الخيارات السيئة سيبقى خيار البقاء وراء الكواليس هو الأفضل.

يمكن للمؤسسات اتخاذ ثلاث خطوات لجعل بروز المرأة وترقيتها أسهل، وهي تثمين صيغ القيادة غير التقليدية ومحاربة الانحياز الضمني وموازنة مسؤوليات وردية العمل الثانية للنساء. 

أولاً، تقيّم معظم المؤسسات القادة الذين يقفون في الواجهة ويتفاخرون بإنجازاتهم. هذا التعريف الذكوري التقليدي للقيادة يؤدي إلى إغفال مشاركات الكثير من النساء أو التقليل من قيمتها. وعن طريق تثمين ميزات القيادة التي تطبقها النساء أكثر من الرجال، على سبيل المثال: على اعتبار القائد مصدر الإلهام، إضافة إلى الترحيب بصنع القرار التشاركي، ستتمكن المؤسسات من رفع النساء دون دفعهنّ لتكييف سلوكهنّ بحسب الأعراف الذكورية. يمكن لهذا التوجه أن يساعد على تقدم النساء المهني وتقديم الفائدة للمؤسسات. 

ثانياً، يمكن للمؤسسات التصدي للانحياز الضمني الذي يؤدي إلى تغريم النساء اللواتي يملن للجزم وتعزيز الذات بسلوكهنّ. مثلاً، يمكن أن يتعلم المشرفون كيفية تقديم أمثلة ملموسة عن مهارات الموظفين وإنجازاتهم في تقييمات الأداء. وبالمثل، عند التفكير بمرشحين للترقية يجب على المدراء أن يكونوا متنبهين للتقييمات التي تستخدم كلمات مثل "متسلطة" أو "لحوحة" أو "وقحة". وعن طريق تغيير ثقافة مكان العمل من أجل موافقة السلوكيات والأنظمة والإجراءات مع قيم المساواة بين الجنسين، ستتمكن المؤسسات من تقليص المخاطر التي تواجه النساء البارزات في العمل. 

ثالثاً، يجب على المؤسسات أن تعي أن النساء يقمن بوردية أخرى من الأعمال غير المأجورة في المنزل. يمكن لسياسات العمل التي تخفف من أعباء مطالب العائلة، كبرامج رعاية الأطفال، أن تحرر المرأة لتتمكن من تولي أدوار مهنية ذات متطلبات أكبر. ويمكن للمؤسسات بالإضافة إلى ذلك مساعدة تغيير التوقعات التي تحمّل المرأة المسؤولية الرئيسة لأعمال المنزل عن طريق جعل بعض السياسات، كالإجازة العائلية ومرونة الوقت، تشمل الرجال أيضاً. تستمر النساء بتقديم تضحيات استثنائية من أجل محاولة الحصول على كل شيء. لذلك، من الضروري إنشاء ثقافات وسياسات تنظيمية تعترف بهذه التضحيات. 

صحيح أنه من السهل حثّ النساء على البروز، إلا أنه سيكون دعوة قصيرة النظر إذ تمّ الأمر دون التفكير بمخاطره على النساء، تماماً كمطالبة المرأة بإصلاح نفسها من أجل معالجة مشكلة البروز. ولتحقيق المساواة في مكان العمل يجب علينا إعادة تصميم المؤسسات لا النساء اللواتي يعملن فيها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!