حذّر تقرير أصدرته منظمة العمل الدولية في عام 2015 يغطي أكثر من 180 دولة وأكثر من 84% من القوى العاملة العالمية من "انعدام الأمن الوظيفي على نطاق واسع في سوق العمل العالمي"، حيث وجد التقرير أنّ ربع عمال العالم فقط لديهم علاقة عمل مستقرة. في الولايات المتحدة، ووفقاً لمسح حول العمل والرفاهية لعام 2016 الذي أجرته الجمعية الأميركية للطب النفسي، أبلغ أكثر من واحد من بين كل ثلاثة أشخاص بالغين عن انعدام الأمن الوظيفي كمصدر هام للإجهاد.

لسوء الحظ، وجد البحث أن النتائج المترتبة على انعدام الأمن الوظيفي هي نتائج مهمة وسلبية وواسعة الانتشار. على سبيل المثال، من المرجح أن يبلغ الموظفون الذين يعانون من انعدام الأمن في العمل عن الإجهاد الشديد وانخفاض المشاركة في العمل والالتزام تجاه المؤسسة إلى أقل من نظرائهم ممن يشعرون بالأمن الوظيفي.

عند دراسة النتائج السلبية لانعدام الأمن الوظيفي، تم إيلاء قدر كبير من الاهتمام للمتغيرات على المستوى الفردي (على سبيل المثال، أسلوب الارتباط الآمن ورأس المال النفسي والمرونة). نتيجة لذلك، تناول الكثير من الأبحاث السابقة بالدراسة مسألة انعدام الأمن الوظيفي بعزل الموظفين عن ظروفهم الاجتماعية الأوسع. ومع ذلك، فإنّ العوامل التي تؤثر على ردود فعل الموظفين تجاه انعدام الأمن الوظيفي قد تعمل على المستوى الفردي وعلى المستويات العليا (مثل المجموعة، أو المؤسسة، أو القطاع الصناعي، أو المستوى الوطني). ومع ذلك، فإن عدداً قليلاً من الدراسات ضمن أدبيات الإدارة والأعمال بحث في تأثير هذه الظروف الاجتماعية متعددة المستويات والمعقدة والديناميكية. ونظراً لأن الموظفين متشابكين ضمن المؤسسات والولايات والدول، فمن الأهمية بمكان التحقيق في كيفية تأثير هذه الظروف الاجتماعية على ردود فعل الموظفين على انعدام الأمن الوظيفي. لذلك، كان الغرض من دراستنا هو تقييم ما إذا كانت مثل هذه الظروف الاجتماعية تغير ردود فعل الموظفين هذه وكيف يتم ذلك. على وجه التحديد، ركز بحثنا على عدم المساواة في الدخل على مستوى الدولة وعلى مستوى الولاية في الولايات المتحدة الأميركية.

بحسب جميع الدراسات تقريباً، تشير البيانات إلى أن عدم المساواة في الدخل يتزايد في العديد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة. وتشير الإحصاءات إلى أنّ عدد المليارديرات في العالم قد تضاعف في السنوات الأخيرة. في الولايات المتحدة، شهدت أعلى 5% من الأسر زيادة بنسبة 75% في الدخل منذ عام 1979 حتى عام 2012. ومع ذلك خلال تلك الفترة نفسها شهد أصحاب الدخل المنخفض انخفاضا بنسبة 12%. وبالمثل، بين الأفراد في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إذ يبلغ متوسط دخل أغنى 10% من السكان الآن تسعة أضعاف أفقر 10%، أي بزيادة كبيرة مقارنة بالعقود السابقة.

لقد وجد الباحثون ضمن مجموعة متنوعة من التخصصات (مثل الاقتصاد والعلوم السياسية وعلم الاجتماع وعلم الأوبئة الاجتماعية) العديد من الآثار السلبية لعدم المساواة في الدخل. في مراجعة الأدلة المنشورة مسبقاً، لخص ريتشارد ويلكنسون وكيت بيكيت الآثار الضارة لعدم المساواة في الدخل على الموظفين والمجتمع ككل، بما في ذلك الصحة البدنية والعقلية السيئة وتعاطي المخدرات بشكل أكبر وانخفاض مستوى التحصيل العلمي وزيادة نسبة  من يعاقبون بالسجن وزيادة نسبة السمنة وانخفاض الحراك الاجتماعي والثقة وتناقص الانخراط في الحياة الاجتماعية ونقص رفاهية الأطفال وزيادة العنف. ومع ذلك، لم تفحص أي دراسات ما إذا كان عدم المساواة في الدخل على المستوى الاجتماعي قد يؤدي أيضاً إلى ردود فعل أسوأ من جانب الموظفين تجاه الضغوط الاقتصادية مثل انعدام الأمن الوظيفي.

أجرينا دراستين لبحث كيفية استجابة الموظفين لانعدام الأمن الوظيفي في البلدان والدول ذات المستويات المختلفة من عدم المساواة في الدخل. في الدراسة الأولى ركّزنا على تأثير عدم المساواة في الدخل على المستوى القطري (البلد الواحد). لقد حصلنا على بيانات عدم المساواة في الدخل على المستوى القطري (معامل جيني) من" قاعدة بيانات عدم المساواة في الدخل العالمية الموحدة" (Standardized World Income Inequality Database) وانعدام الأمن الوظيفي على المستوى الفردي وبيانات الإجهاد الشديد من "البرنامج الدولي للمسح الاجتماعي" (International Social Survey Programme). ومن خلال تحليل البيانات من 23,778 شخصاً في 30 بلداً (تشمل أستراليا وبلجيكا وبلغاريا وكندا وقبرص وجمهورية التشيك والدنمارك وجمهورية الدومينيكان وفنلندا وفرنسا وألمانيا والمجر وأيرلندا ولاتفيا والمكسيك وهولندا ونيوزيلندا والنرويج والبرتغال وروسيا وسلوفينيا وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية وإسبانيا والسويد وسويسرا وتايوان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة)، ووجدنا أن الموظفين في البلدان التي تعاني من عدم المساواة في الدخل المرتفع والذين يعانون من انعدام الأمن الوظيفي كان لهم رد فعل متمثل في مستويات أعلى من الإجهاد  الوظيفي الشديد، مقارنةً بالموظفين في البلدان التي تتسم بعدم المساواة في الدخل المنخفض.

بمعنى آخر، يؤدي انعدام الأمن الوظيفي إلى الشعور بالإجهاد الشديد، لكن هذا هو الحال بشكل أكبر إذا حدث انعدام للأمن الوظيفي في سياق زيادة عدم المساواة في الدخل الاجتماعي. ومع ذلك، كان الحجم الإجمالي للتأثير متواضعاً، ويرجع ذلك على الأرجح إلى الطبيعة البعيدة لعدم المساواة في الدخل على المستوى القطري.

في الدراسة الثانية قمنا بتضييق نطاق تركيزنا لدراسة تأثير عدم المساواة في الدخل على مستوى الولايات داخل الولايات المتحدة. قمنا بجمع بيانات انعدام الأمن الوظيفي والشعور بالإجهاد الشديد من الموظفين في الولايات المتحدة من سوق "أمازون ميكانيكال تورك" (Amazon Mechanical Turk)، وهي خدمة التعهيد الجماعي عبر الإنترنت، ومن بيانات عدم المساواة في مستوى الدخل على مستوى الولاية وفق تقرير عام 2015 "للتصنيف الصحي للإقليم وبرنامج خرائط الطريق" (County Health Rankings & Roadmaps program). باستخدام بيانات 402 فرد في 47 ولاية وواشنطن العاصمة، وجدنا ردود فعل  تتمثل في الإجهاد الأكثر شدة بسبب انعدام الأمن الوظيفي بين الموظفين في الولايات ذات التفاوت العالي في الدخل، مقارنةً بأولئك الذين يعيشون في ولايات ذات تباين منخفض في الدخل. ومن المثير للاهتمام، في ولايات يوتا وألاسكا وأيداهو -وهي  الولايات التي تعاني من عدم المساواة في الدخل المنخفض نسبياً- أن الموظفين الذين يعانون من انعدام الأمن الوظيفي أبلغوا عن مستويات مماثلة من الإجهاد الشديد مثل الموظفين الآمنين وظيفياً. أي أن انعدام الأمن الوظيفي لا علاقة له بالإجهاد الشديد بين الموظفين في هذه الولايات الثلاث.

تشير نتائجنا، مجتمعة، إلى أن عدم المساواة في الدخل على مستوى الدولة والولاية يجعل انعدام الأمن الوظيفي أسوأ بالنسبة للموظفين. أي أنه لوحظ وجود أعلى مستويات من الإجهاد الشديد بين الموظفين الذين كانوا غير متأكدين من فرص عملهم في المستقبل وكانوا يعيشون في ولايات أو بلدان تعاني من تفاوت كبير في الدخل.

والسؤال المهم هو لماذا يجعل عدم المساواة في الدخل الأمور أسوأ بالنسبة للموظفين الذين يعانون من انعدام الأمن الوظيفي. اقترح ميلان زافيروفسكي أن المجتمعات التي تتسم بعدم المساواة في الدخول المرتفعة توفر بحماية أقل للعاملين، وهناك غياب لمعايير العمل، ومدد استحقاق إعانات البطالة أقصر، وهناك ضعف في الدور والرعاية النقابية. وبالتالي، قد لا يتمكن الأشخاص الذين يواجهون احتمال فقدان الوظيفة من الحصول على الموارد المادية الكافية لمواجهة أعباء الحياة (مثل إعانات البطالة) خلال فترات البطالة غير المتوقعة.

بالإضافة إلى نقص الموارد المادية اللازمة لمواجهة أعباء الحياة في المجتمعات التي تعاني من عدم المساواة في الدخل، فإن عدم المساواة في الدخل يقسم أفراد المجتمع ويزعزع ثقة الناس بالآخرين، لأنه قد يجعل الأفراد أكثر اهتماماً بمسايرة الأشخاص الآخرين على حساب ميزة التماسك الاجتماعي. في الواقع، باستخدام "بيانات المسح الاجتماعي العام" منذ عام 1972 حتى عام 2008، وجد شيجيهيرو أوشي وسيلين كيسيبير وإد دينير أن انخفاض العدالة المتصورة والثقة العامة يمكن أن يفسر السبب في أن الأفراد أبلغوا عن انخفاض السعادة الإجمالية عبر سنوات من زيادة التفاوت في الدخل. بمعنى آخر، بالإضافة إلى نقص الدعم الملموس، قد يفتقر الأفراد إلى الموارد اللازمة لمواجهة أعباء الحياة غير الملموسة (مثل العلاقات الداعمة) لمساعدتهم على التغلب على الأوقات الصعبة لانعدام الأمن الوظيفي.

إجمالاً، قد يؤدي عدم المساواة في الدخل على مستوى الولاية والدولة إلى تقليل الموارد اللازمة لمواجهة الموظفين الذين يعانون من انعدام الأمن الوظيفي لأعباء الحياة ويزيد من حدة ردود فعلهم من خلال زيادة مستويات الإجهاد تجاه انعدام الأمن الوظيفي.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!