قد يكون الأمر محبطاً بالنسبة لمصالح بعض المستثمرين الغربيين في مجال الابتكار في أفريقيا، وخصوصاً أولئك الذين لم يجنوا حتى الآن مكافآت يمكنهم التباهي بها. ويصل الأمر إلى حد أن شركة رائدة مثل منصة جوميا النيجيرية للبيع عبر الإنترنت (التي يتأمل البعض أن تكون بمثابة "أمازون أفريقيا") تكافح الآن لإعادة الأرباح إلى شركة روكيت إنترنت (Rocket Internet) الألمانية التي تعتبر من أوائل المستثمرين فيها.

لماذا هذه النظرة المتشائمة؟ أحد الأسباب التي تقف وراء ذلك هو أنه في الوقت الذي تزدهر فيه ريادة الأعمال في أفريقيا، نجد أن بعض المشاريع كبيرة بالقدر الكافي بالنسبة للمؤسسات الاستثمارية الغربية. والسبب الآخر هو أن المستثمرين مرضى بحبهم للتكنولوجيا المتقدمة.

قد يتسبب اتباع نهج واقعي لكسب المال بالملل لدى البعض. ففي عام 2014، تطرقنا إلى الحديث حول ما يريده المستثمرون الغربيون من رياديّ الأعمال الأفارقة. وقمنا مؤخراً بعقد مقابلات مع مائة من رياديّ الأعمال لمعرفة أي المشاريع هي الأكثر ازدهاراً. نعرض فيما يلي ثلاثة أمور يريدها المستثمرون الغربيون من رياديّ الأعمال الأفارقة: التركيز على قمة الهرم، والسيطرة على عوامل الإنتاج، والابتكار في التوزيع بدلاً منه في المنتجات.

قمة الهرم

إنّ الحقيقة المؤسفة بالنسبة للكثير من الاقتصادات الأفريقية هي أن جزءاً بسيطاً فقط من السكان يشارك في الاقتصاد المنظم. ويحتاج روّاد الأعمال إلى القدرة على المزج بين معايير الجودة العالمية والتصميم الأفريقي، ليكتسبوا زخماً لدى أبناء الطبقة المتوسطة العليا، ودخولهم المتاحة للإنفاق.

خذ بعين الاعتبار مكاناً مثل مالاوي، حيث تشمل قمة الهرم مدينتين، إضافة إلى عدد قليل من الوافدين. في هذه الحالة، رأت شركة فادث فيرنشرز (Fadeth Furnishers) الفرصة سانحة لتقديم بديل مخصص لذوي الدخول العالية عوضاً عن صناعة الكنب والكراسي المنتشرة هناك، والتي كانت بمثابة أعمال نجارة بديلة للأعمال التقليدية المتعارف عليها. كان متجر الشركة في مدينة بلانتير يضم مصنوعات جلدية غربية ذات جودة عالية، مزينة بزركشات من وحي الحياة البرية. البضائع غالية الثمن، لكنها أرخص من البضائع المستوردة. استخدمت شركة فادث معاونين موثوقين قادرين على تلبية طلبات العملاء في المناطق النائية لإيصال بضائعها إلى الأغنياء الذين كانوا يشكلون مجموعة كبيرة تقطن مدينة ليلونغوي التي تقع على بعد مئات الأمتار، وكانت الأسر الممتدة بمثابة ميزة إضافية هناك.

مثال آخر هي شركة فن كيدز (FunKids)، وهي علامة تجارية كينية تعمل في مجال الأثاث وتستهدف ذوي الدخول العالية، وتعتمد على شخصيات حيوانية شبيهة بشخصيات ديزني، لكن بلمسات أفريقية. ويوجد أيضاً سوزي بيوتي (SuzieBeauty) في نيروبي، وهي شركة تقوم بتطوير مستحضرات تجميل تناسب الذوق الأفريقي وبجودة مشابهة للمعايير الغربية.

بعض هذه الشركات تتجاوز الحدود الوطنية وتتوسع إلى مساحات أكبر. خذ على سبيل المثال جافا هاوس (Java House)، وهي سلسلة مطاعم انطلقت في نيروبي في عام 1999، وهي تمتلك الآن 40 فرعاً في شرق أفريقيا. زبائن هذه المطاعم من الأثرياء التوّاقين للعلامات الأفريقية التي تلبي احتياجاتهم، وهؤلاء يثقون بالجودة التي تقدمها جافا هاوس. فقد استطاعت أن تجمع بين المعايير العالمية والذوق الأفريقي الأصيل.

عوامل الإنتاج

عندما يكون الإمداد بالمواد الأساسية ضعيفاً، يكون التحكم بالأرض والعوامل الأخرى هو الطريق نحو النجاح، حيث تعود أكثر الأعمال "مللاً" حسب المعايير التقنية الجديدة، مثل إنتاج الأسمنت أو ملكية الأرض، في أغلب الأحيان بأرباح كبيرة.

تخيل أن قطعة أرض متصلة وسط أراض متفرقة الملكية يمكنها أن تأوي الفندق الوحيد أو المزرعة الوحيدة في المنطقة. فمثلاً، تتمتع سيرينا هوتلز (Serena Hotels) بوضع شبه احتكاري في بعض المتنزهات الوطنية التي يمنع البناء فيها في كينيا وتانزانيا، من خلال عقود إيجار يصل عمرها من 25 إلى 63 عاماً. وقد أصبحت إيلوفو شوجار (Illovo Sugar) أحد المصدّرين المالاويين القلائل نظراً لاستخدامها قطعة أرض في منطقة نهر شاير الأدنى.

تمتلك خدمات الإمداد إمكانية مشابهة لإنشاء أعمال تجارية كبيرة. فمثلاً، لا تزال الشاحنات الكبيرة سلعة ثمينة. وفي كينيا، تعتبر شركة نيو كنغستون هاردوير (Neo Kingstone Hardware) أحد كبار الموزعين لمواد البناء، ولكنها تشحن السكر أيضاً. لماذا هذا المزيج غير العادي؟ تحمل الشاحنات الأسمنت إلى غرب البلاد، حيث منطقة حزام قصب السكر، لذا فإنّ بمقدورهم إحضار المحصول في طريق عودتهم إلى منطقة موييا. إضافة إلى ذلك، تمتلك شركة نيو محطة وقود خاصة، ما يسهل عليها إدارة ما يمكن أن تكون بنية تحتية منسجمة.

وفي موييا أيضاً، لاحظ تشارلز نجيرو، المعروف باسم "مكومبوزي"، أن القليل يمتلكون وسائل لطحن الأرز في إقليم يزرع 80% من إجمالي محصول البلاد من الأرز. وفي يومنا الحالي، تقوم مطحنة الأرز الجميل (Nice Rice Mill) التي يمتلكها بمعالجة 70% من إنتاج الأرز في الإقليم. إذاً، عندما يقيّم المستثمرون الغربيون المشاريع الأفريقية، فإن الجهات التي تسيطر على عوامل الإنتاج تحصل على مكافآت أكبر.

الابتكار في التوزيع

يجب على المستثمرين الذين يرغبون بالوصول إلى أغلبية المستهلكين أن يقوموا أيضاً بالتركيز على إيصال السلع إلى المجتمعات الريفية المتناثرة. ففي العديد من الحالات يكون التغلب على الفجوات في البنية التحتية أمراً أكثر أهمية من حداثة المنتج. وللتعامل مع هذه المشكلة، لا بد أن يفكر المستثمرون باستغلال الهواتف المحمولة والطائرات المسيّرة وخطط الدفع والوحدات الصغيرة والهياكل الاجتماعية.

في رواندا، تقوم شركة زيبلاين (Zipline) بتوزيع الأدوية المطلوبة بشكل عاجل من خلال الطائرات المسيرة. وتوفر آزوري تكنولوجي (Azuri Technologies) الإضاءة للقرويين غير المتصلين بالشبكة، عبر تقديم ألواح طاقة شمسية بخطط دفع بسيطة من خلال خدمة لنقل المبالغ المالية عبر الهاتف المحمول.

تدرك الشركات ما عرفه علم التمويل بالغ الصغر منذ فترة من الوقت، وهو أن الجماعات المحلية التي تحافظ على أمنها بنفسها أو رؤساء القرى الذين يحافظون على مواثيق الشرف بين قراهم يمكن أن يتحفظوا على التدفق المالي في الأماكن النائية. وقد استطاعت شركتا تويوتا وياماها إيجاد زبائن للدراجات النارية من خلال هياكل مجموعات اجتماعية مشابهة. في كينيا، يدخل ستة أشخاص من الراغبين بركوب الدراجات سوياً في نظام كروكس فايننس (Crux Finance) التابع لشركة تويوتا، فيدفع كل واحد منهم 8,000 شيلينغ كيني (94 دولاراً)، ويبدأ سعر ركوب الدراجة من 355 شيلينغ كيني (4.20 دولاراً) لليوم الواحد، غالباً كدراجات نارية بالأجرة "بودا بودا". ولينجح ذلك الأمر، يعتمد أفراد المجموعة الستة على بعضهم البعض في السداد الفوري.

هذه المسارات الثلاثة للنجاح تتفوق ببساطتها على جاذبيتها، وهذا على الأرجح ما يجعلها تحظى بالقليل من الشهرة. لكنها قد تكون مصدر أغلب حالات النمو الأخيرة التي تشهدها ريادة الأعمال في أفريقيا. وبينما سيكون ثمة متسع للحاضنات الأفريقية وحماس من أجل الابتكارات التقنية على مستوى القاعدة، إلا أنّ الأهم هو الأخذ في الحسبان بأن أغلب النقود يتم جنيها بطرق تقليدية جداً حتى أنه قد يتطلب الأمر من المستثمرين الغربيين أن ينزعوا عن أعينهم نظارات الواقع المعزز كي يشاهدوها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!