نعيش في عصر يشهد رد فعل عنيف ضد السلطة. لقد تحملت الحكومة ووسائل الإعلام حتى الآن وطأة الغضب الشعبوي، في حين بقيت المشاريع التجارية بعيدة عن هذه المعركة. وعلى الرغم من حركات الاحتجاج السابقة مثل حركة "احتلوا وول ستريت"، لم يوجه الغضب الجماعي مباشرة إلى نخبة رجال الأعمال. ولكن هناك علامات تدلّ على أن هذا الوضع في تغيّر.

يكشف مقياس إيدلمان ترست على مدى 17 عاماً في عشرات الدول مدى ثقة عشرات الآلاف من الأشخاص في الأعمال التجارية والإعلام والحكومة والمؤسسات غير الحكومية.  وكانت هذه السنة هي المرة الأولى التي وجدت فيها الدراسة انخفاضاً في الثقة في جميع هذه المؤسسات الأربع. وفيما يقرب من ثلثي البلدان الثمانية عشر التي شملها الاستطلاع، لم يثق عامة السكان في المؤسسات الأربع "للقيام بما هو صحيح". وكان متوسط مستوى الثقة في المؤسسات الأربع مجتمعة أقل من 50%.

واكتشفنا أيضاً نقصاً مذهلاً في الثقة في القيادة، حيث أعرب 71% من المشاركين في الاستطلاع عن عدم ثقتهم بالمسؤولين الحكوميين على الإطلاق أو إلى حد ما، وقال 63% منهم أيضاً الشيء نفسه عن الرؤساء التنفيذيين. حيث انخفضت مصداقية الرؤساء التنفيذيين بنسبة 12 نقطة هذا العام، وإلى 37% على الصعيد العالمي. ومقارنة بذلك، يثق 60% من المجيبين في "شخص كأنفسهم"، على قدم المساواة مع ثقتهم في خبير تقني أو أكاديمي.

يجب أن تكون هذه النتائج مقلقة للغاية بالنسبة للمسؤولين التنفيذيين، حيث لاقت شفافية الأعمال التجارية نظرة إيجابية نسبياً في المجتمعات الغربية. في الواقع، احتلت الأعمال التجارية المركز الثاني في الثقة بين المؤسسات الأربع حتى في هذا الاستطلاع بفارق نقطة واحدة عن المنظمات غير الحكومية. لقد كانت الحكومة هي المؤسسة الأقل ثقة، تليها وسائل الإعلام التي تحقق نجاحاً صارخاً من سنة لأخرى. إلا أن نسبة الثقة فيها قد انخفضت في 82% من البلدان التي شملها الاستطلاع.

تُثير النتائج القلق بقيمتها المطلقة بالنسبة للأعمال التجارية. حيث صرح 52% فقط من المشاركين في الدراسة الاستقصائية التي أجريناها أنهم يثقون في الأعمال التجارية للقيام بما هو صحيح. وانعدمت الثقة في الأعمال التجارية في 13 دولة من أصل 28 دولة. وكان المُجيبون حريصون على إجراء إصلاح شامل للأعمال التجارية، بما في ذلك السياسات التي يحتمل أن تكون أكثر معاداة لترخيص الشركات للعمل. على سبيل المثال، أعرب 82% من المجيبين أن صناعة المستحضرات الصيدلانية تحتاج إلى تنظيم أكبر.

ولعل أكثر ما يثير القلق هو أن الأعمال التجارية تزيد من مخاوف الأفراد وتغذي شعور عدم الثقة، حيث بيّن الاستطلاع، أن نسبة 60% من عامة السكان قلقون حيال فقدان وظائفهم بسبب آثار العولمة. وأعرب نصفهم أن العولمة تسير بالمجتمع نحو الاتجاه الخاطئ، وقال 53% من المجيبين أن وتيرة التغيير في قطاع الأعمال والصناعة تتحرك بسرعة كبيرة.

كل هذا هو دعوة واضحة لمجتمع الأعمال. هل سيستمر قادة الأعمال في التركيز فقط على الأداء المالي لشركاتهم بوصفه مسؤوليتهم الأساسية، أم أنهم سيتطلعون إلى المشاركة الخارجية من أجل تعزيز تصريحهم بالعمل؟

على الرغم من انعدام الثقة في الأعمال التجارية على نطاق واسع، إلا أنّ هناك توقعات كبيرة بأن تبذل الشركات المزيد من الجهد، وهي فرصة محتملة لقلب اتجاه الرأي العام. اتفق ثلاثة أرباع الأفراد أنه "يمكن لشركة ما اتخاذ إجراءات محددة تزيد من الأرباح وتحسن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الذي تعمل فيه على حد سواء". وتتمثّل أفضل الطرق التي تمكّن الأعمال التجارية من بناء الثقة في مستقبل أفضل وفقاً للمجيبين في دفع أجور عادلة، وتقديم مزايا أفضل، وخلق المزيد من فرص العمل. بينما تكمن أسرع الطرق التي يمكن أن تقود بها الأعمال التجارية إلى تآكل الثقة في رشوة المسؤولين الحكوميين، ودفع تعويضات كبيرة للإدارة العليا، وتجنب الضرائب.

لن يدع القادة الأذكياء هذه الأزمة في الثقة تذهب سدى. سيرون أن إعادة تنظيم نموذج الاتصالات الذي بدأ يتحول منذ 20 عاماً مع ظهور الإنترنت قد تعزز في السنوات القليلة الماضية مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. بعد أن اختبر الأفراد الأجهزة المحمولة، ما كان منهم إلا الارتباط ثم الالتزام بها باعتبارها القناة الأساسية التي يقومون عبرها بالتواصل والتعلم وعيش أغلب أوقاتهم. لقد غير هذا الطريقة التي يتفاعلون بها مع كل شيء تقريباً، بما في ذلك الأعمال التجارية.

سيدرك قادة الأعمال المهرة أنه ليس بإمكانهم العمل في هذا العالم الجديد بنهج تنازلي. بدلاً من ذلك، هناك حاجة إلى نموذج أكثر شفافية وتشاركية، ليس فقط "للناس" ولكن "مع الناس". وتستمع أفضل الشركات بالفعل بعناية إلى أفكار موظفيها وعملائها وأصحاب المصلحة الآخرين وتتصرف بناء على أفكارهم بشكل استراتيجي.

إن إعادة بناء الثقة هي مسؤولية مشتركة. يجب على كل مؤسسة إيجاد طرق خاصة بها لمعالجة الاهتمامات المجتمعية من خلال العمل على تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأجل للمجتمعات، ومن خلال إنشاء منتديات عامة تقوم بالتثقيف والدعوة إلى السياسات، وعن طريق المشاركة المباشرة لفوائد النمو الاقتصادي الذي تحركه الصناعة.

يجب أن يكون الانهيار الأخير للثقة في الحكومة ووسائل الإعلام بمثابة درس قوي للأعمال التجارية لما يمكن أن يحدث عندما تنفصل المؤسسات عن مصالح وآراء الأشخاص الذين تخدمهم. في النهاية، حُذّر المسؤولون التنفيذيون، حيث سيبدأ عملاؤهم والسكان عموماً بالمراقبة عن كثب.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!