في الوقت الذي أصبحت تتحكم فيه التكنولوجيا في شكل اقتصاداتنا وتدفعها نحو التغيير، هناك مجال بدأت تتجه إليه الأنظار وبدأ يكتسب اهتماماً كبيراً؛ وهو التوسع في أتمتة العمل الذي نقوم به نحن البشر. ولا يهدد ذلك فئة العمالة اليدوية ذات المهارة المحدودة وحدها، بل بدأت خوارزميات الذكاء الاصطناعي المتطورة تحل محل الوظائف "المعرفية" مثل وظائف التحليل التشغيلي والتسويق.

وعلى الجانب الآخر، هناك الكثير من الجهود المبذولة لإجراء تغييرات تهدف إلى تعزيز أهمية العنصر البشري في العمل. وبينما بدأت التكنولوجيا بالفعل تتولى المهام الروتينية وتحل محل العديد من العاملين فيها، بدأت كذلك في تغيير شكل الكثير من اتجاهات العرض والطلب التي تحرك أسواقنا العالمية، وهذا التحول هو ما يمكنه أن يحول دون قضاء الأتمتة على الوظائف البشرية؛ التي لن تختفي ولكنها ستتغير.

كيف تغير التكنولوجيا شكل الأسواق؟

فيما يتعلق بالطلب، أصبحت التكنولوجيا توفر للعملاء مزايا لم تكن موجودة من قبل، إذ أصبح لدينا الكثير من المعلومات حول الخيارات المتاحة لنا مع إمكانية الانتقال والتغيير بسهولة من بائع إلى آخر إذا لم نجد لديه ما نحتاج إليه. كما بدأ سقف مطالب الكثير منا بالارتفاع، ولم نعد نكتفي بالمنتجات الموحدة المعروضة في الأسواق العامة بعد أن أصبح من السهل الحصول على منتجات متخصصة تناسب احتياجاتنا تماماً.

وما يزيد التحدي صعوبة بالنسبة للبائعين، هو أننا بدأنا نتجه بصورة أكبر من نظام تكلفة الملكية إلى التسعير على أساس الاستخدام، الذي تدفع فيه مقابل الاستخدام الفعلي فقط للمنتج أو الخدمة، وهو ما أصبح متاحاً بشكل أكبر مع وجود تكنولوجيا بإمكانها متابعة استخدام العملاء. على سبيل المثال، تتيح الآن بعض الشركات لعملائها دفع مبلغ التأمين على السيارة بناء على الأميال التي تقطعها السيارة من خلال توصيل جهاز لاسلكي صغير بمنفذ التشخيص، ما يوفر على السائقين ذوي الاستخدام المحدود الكثير من التكاليف دون دعم الأسعار المقدمة لذوي الاستخدام المكثف. ومع تخفيض إنفاقنا على المنتجات المادية، غالباً ما يتحول انتباهنا وأموالنا إلى المجالات الهادفة التي تساعدنا على التمتع بحياة ذات معنى.

ويستخدم الكثير منا كذلك بعض أنواع التكنولوجيا مثل أدوات حجب الإعلانات لوقف ظهور الإعلانات المستمر أثناء استخدام الإنترنت. وسيتعين على الشركات، بدلاً من مقاطعة ما نقوم به لجذب انتباهنا، تقديم منتجات وخدمات أكثر قيمة ونفعاً لتلبية لمتطلباتنا. مثلاً، يشير أحد الاستطلاعات إلى ارتفاع معدلات استخدام أدوات حجب الإعلانات في الولايات المتحدة إلى الضعف تقريباً بين عامي 2014 و2018، ما يعني وصول هذه الإعلانات إلى ثلث قاعدة المستخدمين تقريباً. ولا يعتبر التوسع في استخدام أدوات حجب الإعلانات سوى إشارة إلى ما هو أهم من ذلك بكثير؛ وهو تراجع الثقة، لا في الشركات فحسب بل في جميع المؤسسات، إذ يعتقد الكثيرون أنّ المؤسسات أصبحت لا تخدم مصالح الجمهور.

وفيما يتعلق بالعرض، تساعد التكنولوجيا بشكل عام على توسيع مجموعة خيارات المنتجات وتقليص دورة حياة المنتج في الوقت نفسه. وتعمل بعض التكنولوجيات مثل "التصنيع بالإضافة" على تسهيل تصميم منتجات أكثر ملاءمة لاحتياجات العميل ولكن على نطاق محدود. أما عندما يحتاج المنتج منشآت صناعية تعمل على نطاق أكبر، فيمكن لصغار الموردين التواصل بسهولة أكبر مع جهات التصنيع بالتعاقد واسعة النطاق وتنسيق النشاط الصناعي عن بعد. وبالإضافة إلى ذلك، يساعد انتشار خيارات المنتجات الجديدة وزيادة المعلومات المتاحة للعملاء على تقليص دورة حياة المنتج، فتدخل المنتجات الجديدة إلى السوق بسرعة أكبر وتنافس المنتجات الأخرى التي لطالما حققت نجاحاً كبيراً في الأسواق سابقاُ.

إذاً، فما النتيجة؟ النتيجة هي تراجع المنتجات والخدمات الموحدة المعروضة في الأسواق العامة بسرعة أمام المنتجات والخدمات الابتكارية الأكثر تخصصاً في عدد من الأسواق يزداد يوماً بعد يوم. وبدلاً من النظر إلينا باعتبارنا "عملاء" لا تمييز بينهم، بدأ موردو المنتجات والخدمات يدركون أننا مختلفون ولكل منا احتياجات مميزة ومتغيرة وأنّ نجاحهم سيعتمد على مدى فهمهم لهذه الاحتياجات وقدرتهم على تلبيتها. وبدلاً من مقاطعتنا بالإعلانات، سيكون عليهم مساعدتنا، وعندها نشيد بهم وننقل خبرتنا معهم للآخرين، فيبحثون هم عنهم.

كيف سيغير ذلك العمل الذي نقوم به؟

نتيجة لذلك، من المرجح أن تتحول طبيعة العمل تحولاً جذرياً على صعيدين. أولاً، سيزداد استحواذ الآلة على المهام الروتينية التي يتميز بها العمل في عالم المنتجات والخدمات الموحدة المعروضة في الأسواق العامة. وثانياً، سيكون السبيل الوحيد أمام الشركات لتصبح ذات قيمة في عالم المنتجات المتميزة سريعة التغير هو إعادة صياغة طبيعة العمل بشكل جذري والتركيز على القدرات البشرية المميزة مثل الفضول والخيال والإبداع والذكاء العاطفي والاجتماعي.

وبشكل عام، سيزداد بروز ثلاثة تصنيفات مختلفة من العمل في ذلك الاقتصاد سريع التغير وتصبح أكثر أهمية. أولاً، سوف نرى المزيد من الفرص لمبتكري الأعمال، وهم القادرون على توقع احتياجات العملاء الفردية سريعة التطور وتصميم منتجات وخدمات ابتكارية تلائم تلك الاحتياجات وتنفيذها. وسوف نشهد انتعاش الأعمال الحرفية في نواح كثيرة، وهو ما بدأ يظهر بالفعل في مجالات مثل صناعة المشروبات والشوكولاتة. ويمكن لهذا النوع من الأعمال السماح للكثير من الناس بممارسة هواياتهم المفضلة مثل صناعة الأعمال الخشبية والحياكة وكسب العيش من خلال التواصل مع العملاء وبناء علاقات عميقة ومستمرة معهم.

ثانياً، سنشهد نمو فئة المؤلفين، وهم القادرون على فهم تطلعات المجموعات الصغيرة من العملاء واحتياجاتهم والقادرون على توفير تجارب ممتعة ومفيدة لهذه المجموعات. سوف تتسع هذه الفئة وتصبح أكثر فائدة مع تحول تركيز العملاء من امتلاك منتجات مادية ملموسة إلى البحث عن تجارب هادفة تُحفر في الذاكرة. وتتنوع هذه التجارب بدءاً من الجولات في المعارض الفنية أو الحدائق إلى التجارب التفاعلية التي تساعدنا على التواصل مع الآخرين بطرق فعالة وعميقة. فعلى سبيل المثال، يمكن لعامل الأشغال الخشبية استضافة مجموعة من هذه الفئة من العمال لتبادل الخبرات فيما بينهم والاستلهام من تجارب بعضهم البعض.

وأخيراً، سوف نرى فئة ثالثة من العمل، وهم المدربون الذين يساعدون العملاء على استخراج طاقاتهم الكامنة في مختلف المجالات. وبدأنا نرى، كإشارة مبكرة، أعداداً متزايدة من مدربي "الحياة الصحية" الذين يساعدوننا في الحفاظ على صحتنا وتعزيز أدائنا البدني. ولكن، مع السعي لاستغلال المزيد من إمكاناتنا وقدراتنا، يمكن أن نرى توسعاً في مجالات عمل المدربين، فتشمل مثلاً، التعارف والعلاقات والسفر والترفيه والشؤون المالية والتعلم المتواصل. كما يمكن أن يظهر تدريب متخصص في مجالات مثل العناية بالحدائق ومساعدة الناس على التعبير عن أنفسهم بشكل مبتكر من خلال الملابس والتبرج.

وما هي نتيجة ذلك؟ النتيجة هي تراجع المهام الروتينية التي يقوم بها البشر بشكل كبير والتي تميز معظم مجالات العمل اليوم. ويرجع السبب في ذلك، إلى حد ما، لقدرة الآلات على القيام بهذا العمل وإتقانه أكثر من البشر. ولكن السبب الأهم هو أنّ طبيعة هذا العمل ستكون بعيدة عما تحتاج إليه الشركات لتزداد قيمتها لدى العملاء الذين ستزداد متطلباتهم بشكل عام وتتغير احتياجاتهم. سوف يتغير محور العمل ويتجه نحو الأنشطة التي تعتمد بشكل أكبر على الإمكانات البشرية التي يصعب على الآلة محاكاتها.

والحقيقة هي أننا، نحن البشر، لدينا احتياجات لا نهاية لها، فبمجرد إشباع حاجاتنا الأساسية من مأكل ومأوى، نتطلع لما هو أبعد من ذلك ونبحث عن طرق لاستخراج المزيد والمزيد من إمكاناتنا البشرية. وإليكم الحقيقة الرائعة، إنّ الاحتياجات التي تسمح لنا باستخراج المزيد من إمكاناتنا البشرية ستكون، على الأغلب، هي نفسها المتحكمة في تطور العمل بما يتيح لنا استغلال المزيد من إمكاناتنا. وقد لا تتطلب الفرص الجديدة الحصول على شهادات جامعية، ولكنها ستتطلب الرغبة والشغف للتواصل مع الآخرين بطريقة أكثر عمقاً ومعنى.

ومن دون أدنى شك، سوف يشكل هذا التحول تحدياً صعباً، ولذلك نعرض لكم بعض افتراضاتنا الأساسية حول العمل والأنشطة التجارية. على سبيل المثال، سيتعين على الشركات التوقف عن النظر إلى الموظفين باعتبارهم تكلفة مادية على عاتقها والنظر إليهم باعتبارهم أصولاً قادرة على خلق قيمة متزايدة ومستمرة. أي سيتعين عليها التخلي عن النظرة السائدة لعنصر الكفاءة والتفكير بعقلية تركز على تسريع وتيرة التعلم لتلبية احتياجات العملاء سريعة التطور.

ولكن، خلاصة القول هي أنّ التكنولوجيا تعمل على تحرير قوى السوق التي يمكن أن تكافئ أولئك الذين يتغلبون على هذه التحديات وتتجاهل من يتجاهلها.

وبعيداً عن حرماننا من العمل وقمع إنسانيتنا، يمكن للتكنولوجيا توفير الفرصة لنا للتركيز على مجالات العمل والأنشطة التي تساعدنا على استغلال إمكاناتنا بشكل أكبر. فهل هناك ما هو أفضل من ذلك تقدمه لنا التكنولوجيا؟

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!