ثمة حكمة قديمة توجز مشكلة مهارات التعامل مع البيانات لأغلب متخصصي الموارد البشرية وهي: "أبناء صانع الأحذية يمشون حفاة".

في سوق العمل المقيّد في عصرنا الحالي، لا بد أن يعمل اختصاصيو الموارد البشرية بلا هوادة على تطوير واستقطاب الموظفين الذين يدفعون عجلة التحول الرقمي في شتى أروقة مؤسساتهم. ومع ذلك، فقد عانى أغلبهم من قصور تطوير كفاءاتهم الرقمية الخاصة. وكنتيجة طردية، فإن هذا الإهمال عرقل قدراتهم في استخدام البيانات لتطوير استراتيجية استقطاب وتوظيف المواهب التي بوسعها المساعدة في إحداث تحول في شركاتهم.

توصلنا لهذا الزعم المتعلق بنقص المهارات الرقمية لقسم الموارد البشرية، وفقاً لنتائج استبياننا العالمي الأخير المرتبط بالقيادة. وأُجري هذا الاستبيان، والذي شارك في إنتاجه ثلاث مؤسسات، على حوالي 28 ألف رائد أعمال في صناعات مختلفة، حول حالة القيادة ومسارها. ومن بين النتائج التي توصل إليها الاستبيان، فإنه في المتوسط، يتخلف اختصاصيو الموارد البشرية بمراحل عن غيرهم من المهنيين من حيث قدرتهم على العمل في بيئة رقمية جداً، واستخدام البيانات لتوجيه قرارات الأعمال.

وليس من قبيل المفاجأة أن هذا التباين في المهارات بين الموارد البشرية وغيرهم، خلق فجوة في المصداقية بين اختصاصيي الموارد البشرية وزملائهم. فقد وجدنا أن 11% فقط من رواد الأعمال يثقون بأن قسم الموارد البشرية لديه القدرة على استخدام البيانات للتنبؤ باحتياجاتهم من المهارات ومساعدتهم على سد حاجتهم منها. وعندما أجرينا الاستبيان نفسه منذ ثلاث سنوات، راود ما نسبته 20% من رواد الأعمال نفس الشعور، وهي نسبة محدودة، لكنها على الرغم من ذلك تبلغ ضعف النسبة المرصودة حالياً.

ويعتبر العثور على وسائل فعّالة للارتقاء بالحنكة الرقمية ومهارات التعامل مع بيانات العاملين في قسم الموارد البشرية، تحدياً حتى لأكثر الشركات امتلاكاً للموارد اللازمة

ويستطيع قادة الموارد البشرية البدء برفع مهارات فرقهم في الجوانب التي تؤثر على نتيجتين محوريتين من نتائج الأعمال، الأولى هي بناء مخزون احتياطي من الموظفين، والثانية هي الربط ما بين مقاييس الموارد البشرية وتحقيق النجاح المالي. 

وثمة عدة خطوات تدعم تحقيق النتيجتين السابقتين، تستطيع الشركات اتخاذها لدعم مهارات قادة الموارد البشرية لديها:

1- تأسيس شراكات داخلية 

في أغلب الشركات، تستغل الأقسام الأخرى البيانات والتكنولوجيا بطرق يستطيع قسم الموارد البشرية تطبيقها على عمله. على سبيل المثال، بوسع قسم الموارد البشرية العمل مع قسم التسويق فيما يتعلق بـالاستخدام الأمثل لمحركات البحث "SEO"، وهي المهارة التي يمكنها مساعدة قسم الموارد البشرية على تحسين جهود استقطاب الموظفين. ويمكن لقسم الموارد البشرية أيضاً بحث فكرة الشراكة مع الزملاء البارعين في التكنولوجيا المالية لإرشادهم حول تقنية البلوك تشين (سلسلة الكتل)، وهي التقنية القادرة على إحداث تحول في الطريقة التي يُخزّن بها قسم الموارد البشرية البيانات الخاصة بالموظفين ويتحقق منها. 

هذا التعاون الداخلي بين أقسام الشركة قد لا يساعد قسم الموارد البشرية على اكتساب مهارات جديدة فحسب، بل قد يساعد أيضاً في غرس ثقافة الارتكاز على  البيانات في شتى أقسام المؤسسة.

2- الربط بين تحليلات المواهب ونتائج الأعمال

لا بد أن يتعلم قسم الموارد البشرية كيفية الربط بين بيانات الأشخاص، وأدائهم، وبين النتائج النهائية.

ولا بد أن تبدأ هذه العملية بجمع البيانات الخاصة بمهارات وقدرات وسلوكيات القادة والقوة العاملة الحالية، وتتم عادة عبر التقييمات. على سبيل المثال، قد يستعين مستشفى يسعى إلى الارتقاء بسلامة المرضى بقسم الموارد البشرية، ليكتشف أن أعلى معدلات سلامة للمرضى ترتبط بوحدات التمريض التي أبدى فيها المشرفون سلوكيات محددة، كالتعاطف مع المرضى مثلاَ، وبجمع المعلومات الخاصة بمهارات الموظفين وخبراتهم والربط بينها وبين نتائج الأعمال، يستطيع قسم الموارد البشرية تسليط الضوء على مواطن الخطر التي تهدد الشركة، ومكامن الفرص التي تلوح في أفقها. 

3-اكتساب مهارات عرض البيانات

إن جمع البيانات والتحليلات ببساطة لن يساعد قادة قسم الموارد البشرية على تطوير جهودهم ما لم يكونوا على دراية بكيفية تعزيز تلك البيانات بغية التأثير في الآخرين. ولقد كشفت إحدى الدراسات أنه عندما دعم عارضو البيانات عرضهم بمؤثرات بصرية، تبنى 40% تقريباً من جمهور المشاهدين مسار العمل المنشود مقارنة بالجمهور الذي يستقبل عروضاً غير بصرية للبيانات. وانطلاقاً من هذه النتائج، ينبغي على قسم الموارد البشرية أن يتعلم كيف يُنتج عروضاً تقديمية رسومية للبيانات، وكذلك ينبغي أن يصبحوا أكثر براعة في التعامل مع البرمجيات المتطورة مثل (Power BI) أو (Tableau) أو (R Studio) والتي تقدم جميعها سياقاً بصرياً للبيانات.

4- تطبيق نماذج التخطيط القيادي

بخلاف استخدام البيانات لتسليط الضوء على توجهات وفجوات المواهب الحالية، ينبغي على قسم الموارد البشرية استخدام البيانات أيضاً لدعم التنبؤات المتعلقة باحتياجات الشركة للمواهب المستقبلية، خاصة للمناصب القيادية. كما يجب على اختصاصيي الموارد البشرية توظيف نماذج التخطيط القيادي للربط ما بين خطة العمل الاستراتيجية بعيدة الأجل والقادة الذين ستقتضي الحاجة وجودهم لتنفيذ تلك الخطة. 

وتُمكّن نماذج التخطيط القيادي قسم الموارد البشرية من استخلاص تصورات قاعدة البيانات لعدد القادة المطلوبين والمهارات التي سيحتاجون إليها والمواقع التي سيشغلونها.  هذه النماذج ستُمكن القادة المقارنة باستمرار ما بين مواهب القيادات الحاضرة من ناحية والمواهب التي تحتاج إليها. وبذلك يستطيع قسم الموارد البشرية تصحيح مساره متى اقتضت الضرورة وذلك بمراجعة أولوياته أو تغييرها ما بين التوظيف والتطوير ونظم إدارة الأداء.

إن اتخاذ مثل هذه الخطوات الأربعة المبدئية قد يتمخض عنه منافع جمة. فقد أثبت بحثنا أن الشركات التي تتفوق في  استخدام البيانات والتحليلات لدفع عجلة استراتيجية المواهب الخاصة بها أكثر حظاً بستة أضعاف من غيرها من حيث تكوين احتياطي قيادي قوي.

علاوة على ذلك، تتفوق الشركات التي تتمتع بأقوى قدرات قيادية رقمية على نظيراتها بنسبة 50% في المركّب المالي الذي قوامه الأرباح ونمو العائدات.

وعندما يستخدم التنفيذيون في الموارد البشرية براعتهم الرقمية في تطوير شركاتهم، غالباً ما يترقون هم أنفسهم نتيجة لذلك. حيث اكتشفنا أن اختصاصيي الموارد البشرية الذين يدعمون التحليلات المتقدمة يحظون بستة أضعاف بفرص ارتقاء السلم الوظيفي مقارنة بغيرهم.

إن معدل البطالة الآن يبلغ أقل مستوى له خلال خمسة عقود تقريباً. وبينما يستمر الاقتصاد في التنامي، ويتقاعد أبناء حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية بأعداد كبيرة، سيضيق سوق العمل بقدر أكبر وستزداد الضغوط على الموارد البشرية. وستدفع هذه الآليات الديموغرافية والاقتصادية قسم الموارد البشرية إلى أن يصبح أفضل وأسرع وأفطن فيما يتعلق بكيفية العثور على المواهب التي تحتاج إليها مؤسسته وتطويرها لتنفيذ استراتيجية أعمالها. 

إن الاستثمار في تطوير بيانات قسم الموارد البشرية ومهاراته التقنية ينبغي أن يكون له الأولوية القصوى إذا أرادت الشركات الفوز في حرب استقطاب على أصحاب المهارات.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!