الرأسمالية كما نعرفها هي نتيجة للثورة الصناعية، عندما كان يُعتقد أن الموارد الوفيرة المتوفرة في الطبيعة لن تنضب، كان عدد السكان أقل بكثير مما هو عليه اليوم وكان تأثير النشاط الصناعي على البيئة يُعد ضئيلاً للغاية. مع ازدياد عدد سكان العالم أضعافاً مضاعفة وخروج أكبر عدد من البلدان من الفقر للانضمام إلى البلدان ذات الدخل المتوسط​​، زاد الطلب على المنتجات، ما أدى إلى تسريع عجلة التصنيع دون إيلاء اعتبار كبير بشأن تأثيره البيئي والاجتماعي. تعتمد الرأسمالية أيضاً على فكرة الأسواق الحرة التي تتكيف تلقائياً مع المعلومات الجديدة حول شح المواد والطلب وعمليات الإنتاج لتخصيص الموارد بأكثر الطرق الممكنة فعالية. ومع ذلك، تملي قوانين السوق الحرة أنه قد تؤخذ في الحسبان عوامل قد لا تبدو واضحة للعيان لتقليل التأثير المحتمل للعناصر الخارجية السلبية عن طريق تثبيتها في عملية التسعير. لسوء الحظ، فشلت الأسواق الحرة في هذه المهمة، حيث تعتبر قائمة الكوارث البيئية الناتجة عن تسرب نفط شركة بريتيش بتروليوم في خليج المكسيك في 2010، والمشكلات الصحية الناجمة عن التدخين هي أمثلة جيدة للدلالة على عجز الأسواق عن قياس تأثير هذه العناصر الخارجية السلبية.

نشر ميلتون فريدمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والمدافع الغيور عن الأسواق الحرة مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز في سبعينيات القرن الماضي يسخر فيه من فكرة أنه يتعين على الشركات أن تفكر في أي مقياس آخر غير القيمة التي تولدها للمساهمين. وعبّر عن اعتقاده بأن الهدف الوحيد وسبب وجود أي شركة هو زيادة ثروة المساهمين إلى الحد الأقصى وأي شيء آخر يمكن تدبر أمره. وأكد في مقاله أن المسؤولية الاجتماعية الوحيدة التي تتحملها الشركة هي المسؤولية تجاه مساهميها. تعرض فريدمان لانتقادات مؤخراً بسبب هذا الرأي الذي يعد مجانباً لروح العصر وقصير النظر. في مقال نشر في هارفارد بزنس ريفيو بعنوان "الرأسمالية الجامحة" (Runaway Capitalism)، يجادل المؤلفون أن التركيز على المقياس الخطأ يمكن أن يؤدي إلى عواقب كارثية. ويشيرون في هذه الحالة إلى تركيز الأسواق على مردود الأسهم (ROE)، وهو المقياس المفضل لتقدير القيمة التي أنشئت لصالح المساهمين. مردود الأسهم هو المثال الأوضح في هذه الحالة لثلاثة أسباب. يمثل أولاً مقياساً معيارياً يسهل الحصول عليه من البيانات المالية. ثانياً، يمكن تجزئته إلى كفاءة التشغيل وكفاءة الأصول والفعالية المالية. ثالثًا، لأنه يمثل المبلغ الذي يجب أن يجنيه المستثمر عن كل دولار يستثمره في الشركة.

تبني هذا الموقف قصير النظر لتقييم مساهمة الشركة في الاقتصاد أدى إلى مواجهات كبيرة بين الإدارة وأصحاب المصلحة الآخرين. وتعيّن على الموظفين تنظيم أنفسهم في نقابات لزيادة قدرتهم التفاوضية، واحتاجت الحكومة لسن قوانين جديدة تحد من الآثار الجانبية لهذه النظرة الأحادية البعد لدور الشركة. يجادل بعض الاقتصاديين بأنّ مردود السهم ليس المقياس الوحيد المضلل، وأن إجمالي الناتج المحلي ومعظم مقاييس الحسابات الوطنية لا تقيس بشكل مناسب القيمة المضافة للبلد. وبدأت بعض البلدان في استكشاف مقاييس بديلة لتقييم مستوى رضا مواطنيها بما يتجاوز الهدف النقدي البحت. ومع ذلك، ليست الشركات والمؤسسات كائنات من خارج الكوكب، فهي مجرد شكل وظيفي ينجز قرار أصحابها. إذا قرر المالكون أنه ينبغي عليهم التفكير في مقاييس بديلة، فذلك من حقهم.

سلالة جديدة من المستثمرين

تغيّرت سمات المستثمرين على مدى العقود القليلة الماضية. تعكس المؤسسات الاستثمارية تطلعات مستثمريها. وما كان ينظر إليه على أنه تفكير هامشي أصبح اليوم الأكثر انتشاراً. وتُوّج هذا التغيير باعتماد الرأسمالية الهادفة، وهو نوع من الرأسمالية يأخذ في الحسبان أكثر من مجرد القيمة التي يحصل عليها المساهمون. أذهل لاري فينك الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك التي تدير أكثر من ستة تريليونات دولار الأسواق هذا العام برسالة يوضح فيها الرؤية الجديدة للهدف الاستثماري لشركته. وقال في رسالته: 

"تجني الشركات الوفية للغايات التي حددتها لنفسها ولمسؤولياتها تجاه المساهمين الأرباح على المدى الطويل. الشركات التي تتجاهلها تتعثر وتفشل. هذه الديناميكية تتضح بصورة متزايدة لأن الجمهور يخضع الشركات لمعايير أكثر صرامة".

يمثل هذا التصريح موقفاً مهماً لوكيل استثماري يعكس طريقة تفكير عملائه وأهدافهم. وتشمل الأمثلة الأخرى إدارة استثمارات بنك نورسك (Norsk Bank Investment Management) وهو صندوق الثروة السيادي النرويجي الذي يتبع سياسة صارمة إزاء الشركات التي يُسمح له بالاستثمار فيها. إذ تستبعد خطوطه التوجيهية الشركات التي يعدها غير أخلاقية. هذه الشركات تتراوح بين منتجي الفحم ومنتهكي حقوق الإنسان. تعكس هذه الرأسمالية الهادفة التغيّر في سلوك المستثمرين تجاه المكان الذي يريدون استثمار أموالهم فيه وكيفية استثمارها. المستثمر الجديد أكثر وعياً بالبيئة ويشعر إلى درجة ما بالحاجة إلى التصرف بمسؤولية تجاه المساهمين في الشركة. وتتبدى قناعات هذا المستثمر في الطريقة التي تُستثمر بها أمواله.

الاقتصاد الدائري

تتطلب ندرة الموارد نموذجاً يشتمل على عمليات أكثر كفاءة في الإنتاج واستخدام المنتجات. نموذج الاقتصاد الدائري يفي بالغرض. فنموذج الأعمال الدائري مصمم لزيادة عمر المنتجات والاستفادة من الطاقة الفائضة للمنتجات المتوفرة بالفعل لتقليل النفايات وتصميم نموذج أكثر استدامة على المدى الطويل. النموذج الدائري هو إطار شامل، حيث يُصمم المنتج أو الخدمة وعملية الإنتاج وقناة التوزيع وكل جانب من جوانب أنشطة الشركة حول استخدام الحد الأدنى من الموارد الجديدة وإعادة استخدام الموارد المتوفرة. يحاول النموذج الدائري محاكاة سلوك الطبيعة الأم في كفاءتها وقدرتها على التكيف مع الظروف البيئية الجديدة.

أدرك واضعو السياسات أهمية هذا النموذج من أجل رفاهية المجتمع ككل. وتعد أوروبا من المناطق الرائدة في تبني نموذج ذي تأثير محايد مناخياً يقلل من استغلال موارد البيئة ومن تأثيرها على ظاهرة التغير المناخي. واعتمدت المفوضية الأوروبية تقريراً شاملاً عن تنفيذ خطة عمل الاقتصاد الدائري يحدد الأهداف الرئيسة في إطار خطة العمل والتحديات المستقبلية والحاجة إلى إعادة هيكلة الاقتصاد للتمكن من بناء اقتصاد دائري محايد مناخياً مع الحد الأدنى من التأثير على الموارد الطبيعية.

لا يمكن تحقيق هدف هذه الخطة دون إشراك الشركات والمستهلكين. عقلية المستهلكين تتغير لتعبر عن حدوث ثورة في قيمهم وأولوياتهم. جيل الألفية ينمو بسرعة ليصبح أكبر مجموعة سكانية وكذلك مجموعة الناخبين الرئيسة ومن خلال مدخراتهم التقاعدية، هم في النهاية أكبر مجموعة مستثمرة. يجب على الشركات أن تدرك أهمية هذا النموذج ليس لصوابية أسسه الأخلاقية ولكن لأهميته المالية في عملية صنع القرار. هناك أثران ماليان رئيسان لاعتماد مثل هذا النموذج: الحفاظ على الموارد الشحيحة على المدى الطويل وتكلفة ممارسة الأعمال التجارية في عالم يطلب فيه المستثمر نفسه مثل هذا النموذج. ندرة الموارد تعني في نهاية المطاف، أن صدمة النقص في إمدادات الموارد الطبيعية ستنعكس في أسعار كل منها. والتفكير المنطقي والبراغماتي يملي ضرورة إعادة ابتكار طريقة أكثر حكمة للحفاظ عليها وإتاحة استخدامها لفترة زمنية أطول. الشركات التي اعتمدت نموذجاً دائرياً لم تفعل ذلك انطلاقاً من كونها تؤثر البيئة على مصلحتها الذاتية، وإنما لأنها براغماتية وتتبنى وجهة نظر مختلفة بشأن توليد القيمة لمساهميها. ناقش العديد من الدراسات البحثية فوائد خفض تكلفة الإنتاج بفضل اعتماد النموذج الدائري. تعيد شركة كاتربيلار انكوربوريشن (Caterpilar Inc). تصنيع آلاتها ومعداتها لأن ذلك يتيح لها ادخار المال عن طريق إعادة استخدام المواد. فإصلاح الأجزاء القديمة أرخص كلفة من إنتاج أجزاء جديدة. وتسترد شركة رينو بدورها قطع غيار السيارات وتلجأ إلى تجديد المحركات وعلب التروس. يستفيد العملاء بالطبع من بعض الوفورات في التكلفة ولكن الشركة تستفيد أيضاً منها إلى حد كبير. غير أن الفائدة المالية الرئيسة التي يمكن أن تجنيها الشركة من خلال التحول إلى نموذج أعمال دائري ستتحقق من خلال مطابقة توقعات المستثمرين.

توقعات المستثمر والثمن المحتمل للتمسك بالقيم

لطالما قيل في الأدبيات المالية إنه عند التقليل من مجموعة الشركات التي ترغب في أخذها في الاعتبار لتضمينها محفظتك المالية، فإنك تقلل من إمكانية التنويع. وبالتالي، ينخفض ​​العائد المحتمل عن كل وحدة من المخاطر. وبناء على نظرية المحفظة المالية الحديثة (Modern Portfolio Theory)، ستخفض نسبة شارب (Sharpe Ratio)، أو العائد الاستثماري المعدل حسب المخاطر. لطالما عُد الأمر حقيقة رياضية مسلماً بها لعقود، وهذا هو المنطق الذي استند إليه ميلتون فريدمان في مقالته في سبعينيات القرن العشرين. إذا اعتبر المستثمرون أن القيمة المتصورة سيتم جمعها على أفق واحد (أفق واحد لا يعني المدى القصير). وفقاً لهذا المنطق، يقرر المستثمر استبعاد بعض الشركات بسبب "سلوكها السيئ" أو لأنها لا تشاركه قيمه. في هذا العالم، هناك عدد كاف من المؤسسات الاستثمارية المستعدة للمبادرة لاسترجاع هؤلاء المستثمرين.

على سبيل المثال، عندما يقرر صندوق الثروة السيادي النرويجي (NBIM) استبعاد شركة تبغ مثل مجموعة ألتريا (Altria)، لن تواجه الشركة مشكلة، إذ يوجد عدد كاف من المستثمرين الذين ليس لديهم أي مانع في الاستثمار في شركة تبغ. وبالتالي، سيكون الصندوق السيادي النرويجي هو من رغب في التخلي عن بعض المال الذي كان بإمكانه ربحه من خلال استبعاد مجموعة معينة من الشركات، وهذا ما يعتبر الثمن الذي يدفعه لقاء تمسكه بقيمه. يثمّن المستثمرون أهمية قيمهم ويرغبون في جني أموال أقل والاستثمار وفقاً لذلك. هذا هو المال الذي تخصمه من مداخيلك لكونك ترغب في أن تقف في جانب الخير في عالم لا يمثل فيه السلوك غير الحميد مشكلة. وبالمثل، إذا كان عدد الشركات ذات الأخلاقيات "الحميدة" صغيراً، فالطلب موجود على رأس مالها وهي ميزة إضافية للشركة. هكذا تُكافأ الشركات على حسن سلوكها.

مع تغير صفات المستثمرين يتغير خط سير تدفق أموالهم وفقاً لذلك. يغير هذا النموذج توقعات المستثمرين بشأن عوائد استثماراتهم. والعائد المتوقع هو مدخل مهم للغاية في أي عملية صنع قرار يتخذها من يدير استثماراتهم. المدراء هم وكلاء يتصرفون نيابة عن المستثمرين وعليهم أن يتوافقوا مع الهدف الذي يصبو إليه أصحاب رأس المال. ينبغي على المدراء أن يدركوا أن الحاجة إلى اعتماد نموذج اقتصادي أكثر دائرية سيكون في نهاية المطاف هو القاعدة وإلا تعين عليهم دفع ثمن ليتمكنوا من زيادة رأس المال اللازم لاستثماراتهم. لطالما عنى أن تكون فاعلاً مسؤولاً في الاقتصاد أن ذلك يُحتمل أن يضر بالنتيجة النهائية لنشاطك الاستثماري وبالتالي بالعائد على الاستثمار. ولكن في اقتصاد يتجه فيه كل من صناع السياسة والمستثمرين نحو الحفاظ على الموارد واتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك، يصبح رأس المال المتاح للشركات غير المنسجمة مع هذا التوجه صعب المنال. وسيتعين على الشركات غير الممتثلة في نهاية الأمر دفع ثمن مواصلة أعمالها.

يغير جيل الألفية عالم المال. إذ يحمل هذا النوع الجديد من المستثمرين نظرة تعاونية لعالم تأثير البشر على البيئة ضئيل فيه. ويعبرون عن وجهات نظرهم ومواقفهم من خلال الطريقة التي يصوتون بها ويستهلكون بها ويستثمرون بها كذلك. يطالب هؤلاء المستثمرون الجدد بأن تكون الجهات التي يوكلونها للاستثمار نيابة عنهم مدركة لقضايا البيئة وأن تستثمر وفقاً لذلك. كان النموذج الإداري القديم أكثر اندفاعاً وجموحاً، حيث تجتذب الشركة الأكثر ربحية رأس المال. لم يختف هذا النموذج تماماً ولكنه في طريقه لإخلاء الساحة. وفي نهاية الأمر، تمثل الشركات ما يريده مستثمروها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!