تتمثل الأفكار المستوحاة من هذا المقال في زيادة الوعي بشأن النساء اللائي يتظاهرن علانية لكي يوصلن أصواتهن ويساعدن في رسم مستقبل أفضل لمجتمعاتهن. إذ تطالب نساء السودان حالياً بنسبة 50% من التمثيل في جميع مناصب اتخاذ القرار في جميع القطاعات الاقتصادية، من خلال "إعلان نساء السودان للتغيير رقم (1)" (شبكة الكرامة، 2019). وما تفعله هؤلاء النساء هو شيء مهم لعالم الأعمال، حيث لم يحدث مثل هذا المطلب في أي بلد آخر. ويمكن لمجتمع الأعمال الدولي أن يتعلم، من هؤلاء النساء، أن التغيير في الوقت الحالي يُحركه أصحاب المصلحة الذين لم يحظوا بفرصة الإصغاء لأصواتهم من قبل. حيث ستحقق  الشركات المزيد من النجاح عبر انفتاحها على إشراك أولئك المستبعدين سابقاً في صياغة مستقبلها الجديد.

وأظهرت البيانات مراراً وتكراراً، خلال السنوات الخمس عشرة الماضية انخفاض نسبة تمثيل النساء في الأدوار القيادية على مستوى العالم، وهذه النسبة المنخفضة مستمرة في مختلف البلدان وعلى مدار عقود من الزمان. وفي البلدان المتقدمة، فإن نسبة النساء اللواتي يتولين قيادة شركات ضمن قائمة مجلة فورتشن لأكبر 500 شركة، ثابتة تقريباً (كاتالست، 2016 و2018). ويوحي هذا الوضع المخزي بأن النساء يتعرضن للتجاهل والإقصاء في أكبر الاقتصادات في العالم وأفضلها. ويوجد، في الواقع، عدد قليل من الدراسات بشأن النساء في معظم أنحاء العالم، التي يختلف فيها سياق ظروفهن الاقتصادية والثقافية والاجتماعية عن ظروف النساء في أوروبا وأميركا الشمالية، وذلك بحسب ما ذكرته جوهرة أبا الخيل في بحثها لعام 2019 الذي بعنوان "التطوير الوظيفي للنساء في سياق عربي شرق أوسطي" (Women’s career development in an Arab Middle Eastern context).

وتشير دراسات إلى أن نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة في السودان بلغت 23.6% فحسب في عام 2017، وانخفضت نسبة المشاركة هذه من نسبة أعلى قدرها 28% كانت قبل ما يقرب من ربع قرن مضى، وزادت بمقدار نصف نقطة مئوية فقط من أدنى قيمة لها، وهي 23% في عام 2009 (إندكس موندي، 2018؛ ومنظمة العمل الدولية، 2018). وما يبعث على الأسف أن الأبحاث المتعلقة بتمكين النساء في السودان محدودة للغاية، وتلك الدراسات التي أجريت في هذا الصدد أجرتها في الأساس هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UNWOMEN) التي أسستها منظمة الأمم المتحدة للعمل على الصعيد العالمي لكي تجعل رؤية أهداف التنمية المستدامة واقعاً معيشاً بالنسبة إلى النساء والفتيات، ولتساند المشاركة المنصفة للنساء في شتى جوانب الحياة.

وركزت إحدى هذه الدراسات على جنوب السودان فحسب، وبصفة خاصة على جنوب كردوفان (صندوق هيئة الأمم المتحدة للمرأة للمساواة بين الجنسين، 2016). وركزت دراسة أخرى على دعم دور النساء في السياسة، وذلك بحسب كارولين شيكوري وعفاف أبو حسبو في بحثهما لعام 2015 الذي كان بعنوان
"دعم دور القيادات النسائية في السودان وجنوب السودان في فترة ما بعد الانفصال" (Supporting the Role of Women Leaders in Sudan and South Sudan in the Postseparation Period). فضلاً عن دراسات أخرى قليلة مثل دراسة الخضر علي موسى لعام 2012، والتي بعنوان "رائدات الأعمال الناشئات في السودان: السمات الفردية والعقبات والتمكين" (Emerging Women Entrepreneurs in Sudan: Individual Characteristics, Obstacles and Empowerment)، ودراسة وائل عبد الرحمن لعام 2012 والتي بعنوان "ريادة الأعمال في السودان: منظور علمي وعملي لسيدات الأعمال" (Entrepreneurship in Sudan: A scientific and A Practical Perspective for Businesswomen)، والتي استعرضت تمكين النساء من خلال ريادة الأعمال. بيد أن الأبحاث بشأن النهوض بالنساء في السودان وتطوير مهاراتهن القيادية هي مجال بحث لم يحظَ، للأسف، بالاهتمام.

ومن الواضح أن السودان قد عانى من التجاهل في المنطقة إلى حد كبير، وهو بلد كابد سنوات عديدة من الصراع بين إقليميه الشمالي والجنوبي. وغالباً ما كانت النساء السودانيات هن الأكثر تضرراً من الحرب. وبالنظر إلى "إعلان نساء السودان للتغيير" الأخير، ينبغي بحث الفجوات والاحتياجات لفهم القيادة النسائية في السودان. ولذا، ثمة حاجة إلى مزيد من الدراسة لاستكشاف إلى أي مدى توجد في السودان ظروف مماثلة لغيره من البلدان العربية وبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إحدى هاتين المنطقتين أو كلتيهما، فيما يتعلق بتطوير المهارات القيادية للنساء، وإلى أي مدى يمكن أن نتمكن من تطبيق التعلم من دول أخرى على السياق السوداني.

وتعج الدراسات التجريبية المتوفرة من المصادر الغربية بشكل رئيس بالنتائج المتعلقة بالحواجز الاجتماعية والثقافية والتنظيمية التي تحول دون تقدم النساء صوب المناصب القيادية. بيد أنه لا تزال ظاهرة عدم المساواة بين الجنسين قضية دولية. وتذكر آن كاثرين شوك وآخرون، وفق ما جاء في مقالهم الأخير في "دورية القيادة" (Leadership Quarterly)، المنشور في عام 2019، أنه، على الرغم من خضوع قضية عدم المساواة بين الجنسين للتمحيص لعقود الزمان من تخصصات كثيرة، لا تزال التفسيرات بشأن التفاوت بين الجنسين في أعلى مستويات المناصب القيادية غير واضحة. ويبدو أن الكثير من الدراسات الموجودة تركز على الحواجز والتحديات التي تواجه القيادات النسائية (أو القيادات النسائية المحتملات)، بدلاً من التركيز على العوامل التي تساهم في تحقيق النجاح أو عرض نماذج للنجاح.

وتوجد أيضاً توصيات كثيرة لاستراتيجيات إدارة المواهب ونماذج مقترحة للنجاح في الإدماج الجندري والمساواة الجنسانية والتكافؤ الجنساني. بيد أنه من المناسب تكرار التأكيد أنه على الرغم من قيمة معظم نظريات القيادة والنماذج والأطر، إلا أنها تركز على الرجال ويقترحها الرجال (جوجولو ووود، 2006). وهذه علة بارزة بالنظر إلى أن الهدف من الأبحاث بشأن التمييز هو إيجاد بيئة أكثر شمولاً للأقليات.

وأفاد المنتدى الاقتصادي العالمي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال المنطقة الأقل مساواة بين الجنسين في العالم، وأشار إلى أن تحقيق تكافؤ الفرص بين الجنسين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيستغرق 157 عاماً، ما لم يتم التصدي للإمكانيّة المحدودة للنساء في الحصول على الفرص الاقتصادية وأوجه التفاوت بين الجنسين في المنطقة (التقرير العالمي للتفاوت بين الجنسين، 2018). وتوجد في العالم العربي أدنى مستويات المشاركة النسائية في القوى العاملة، حيث تشكل النساء أقل من 22% من القوة العاملة وتساهم بنسبة 18% فحسب في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (موتاغي، 2019؛ والبنك الدولي، 2017). وتقلل هذه الإحصاءات بشدة من شأن قدرة المرأة العربية على المساهمة اقتصادياً على صعيد بلدها وعلى المستوى العالمي. ويتسم هذا الأمر بالأهمية على صعيد الأعمال التجارية الدولية لأن النهوض بتحقيق المساواة للنساء يمكن أن يُسفر عن زيادة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بمقدار 12 تريليون دولار بحلول عام 2025، وذلك بحسب تقرير معهد ماكنزي العالمي لعام 2015.

وركزت الأبحاث التي أجريت حتى الآن في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على دول الخليج العربي. إذ ركزت دراسة كاتلين عمير للعام 2010 والتي بعنوان "التصنيف النوعي للتطوير الوظيفي للمديرات العربيات في الإمارات العربية المتحدة" (Typology of career development for Arab women managers in the United Arab Emirates)، على سبيل المثال، على التصنيف النوعي للتطوير الوظيفي للمديرات العربيات في الإمارات العربية المتحدة. وتناولت دراسة نسرين شايع وروان أبو خيط لعام 2017 التي بعنوان "تأنيث القيادة في الشرق الأوسط: تمكين النساء الإماراتيات وأسلوب القيادة" (Feminizing leadership in the Middle East: Emirati women empowerment and leadership style)، تمكين النساء الإماراتيات. كما درست إحدى كتاب المقال لنزي كيمب  في 2012 التقدم الذي تحققه النساء في مجال التعليم والتوظيف في سبيل منجزات الإمارات العربية المتحدة صوب المساواة بين الجنسين لتحقيق الهدف الإنمائي رقم (3) للألفية. واستعرض الباحثان أثمر السالم ومارك سبيس في دراستهما للعام 2017 والتي بعنوان "النساء في مجال القيادة في الكويت: جدول أعمال بحثي" (Women in leadership in Kuwait: A research agenda)، دور النساء في مجال القيادة في الكويت. وبحثت جوهرة أبا الخيل في دراستها لعام 2019 التي بعنوان "التطوير الوظيفي للنساء في سياق عربي شرق أوسطي" (Women’s career development in an Arab Middle Eastern context)، القيادة النسائية في الأوساط الأكاديمية في المملكة العربية السعودية.

وفي سبيل تعزيز تحقيق المساواة للنساء في مجال الأعمال، سلّط "مجلس الخبراء بشأن نظرية النساء والقيادة 2015" (ووكر وميدسن، 2017) و"مجلس الخبراء بشأن النساء في المؤسسات" (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، 2019) الضوء على ضرورة استحداث عملية وضع النظريات في المستقبل من تجارب النساء، وأوضحت مجالس الخبراء هذه أن "وضع نظريات بشأن تطوير القيادات النسائية" هو أولوية بحثية في المستقبل. وثمة حاجة ملحة بالنسبة إلى الأكاديميين، بصفتهم باحثين ومدرسين، وإلى ممارسي الأعمال وصانعي السياسات للتصدي لهذا التفاوت الهائل في المساواة بين الجنسين في شتى أنحاء العالم.

وبدأت إحدى كاتبات المقال سعاد محمد التي تعمل في جامعة ويستمنستر بالمملكة المتحدة بالفعل رحلة التصدي لهذا التفاوت في المعرفة من خلال إجراء مقابلات شبه منتظمة متعمقة مع القيادات النسائية في قائمة النساء العربيات الأكثر تأثيراً للأعوام 2015-2017 التي نشرتها مجلة فوربس الشرق الأوسط. وبحثت الدراسة تجارب النساء العربيات في تطوير مهاراتهن القيادية وتولي المناصب العليا، وقدّمت تصورات بشأن الاستراتيجيات الشخصية لالتزامهن الناجح بأداء عمل عالي الجودة. ونتيجة لهذه الدراسة، جرى التسليم بأن وضع نظريات بشأن الاستراتيجيات الناجحة للتغلب على الحواجز من عينة من النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعني إزالة الحواجز على صعيد الدول حيثما وجدت. وخلُصت الدراسة أيضاً إلى أنه من الأهمية بمكان مراعاة السياق المجتمعي عند إجراء البحوث وتحليلها لتشجيع التوصيات المتعلقة بتمكين النساء وتطوير مهاراتهن القيادية (تليس وكوزر، 2015).

وأجرى معهد ماكنزي بحثاً مماثلاً أسفر عن استحداث نموذج القيادة المركزية، الذي أجريت بموجبه مقابلات مع 85 قائدة من القيادات النسائية لتوضيح الكيفية التي حققت بها هؤلاء النساء الموهوبات النجاح في شركاتهن (بارش وآخرون، 2008). واستخدمت كيمب، وهي الكاتبة المشارِكة في كتابة هذا المقال، هذا النموذج لتدريس الرجال والنساء في الدورة التدريبية الأولى عن "النساء والقيادة" التي تُعقد في دول الخليج العربي في بحث بعنوان (النساء والقيادة، عام 2016). وستضع دراسة سعاد محمد للنساء العربيات نموذجاً جديداً للقيادة النسائية من داخل هذه الثقافة من خلال الإصغاء إلى تصورات هؤلاء النساء. وتعد هذه المعرفة بالنساء العربيات ووضع نموذج للقيادة النسائية مساهمة مهمة في التدريس بشأن القيادات النسائية في العالم العربي.

تكمن أهمية هذه المعرفة في أن النساء سوف يطالبن في المستقبل بأن يحظين بالملاحظة والإصغاء والمشاركة. إذ إنّ هذا يحدث في السودان، وهو دولة نامية. وستُسفر زيادة النساء في مجال القيادة في السودان وبلدان أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن تعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار في القارة الأفريقية. وبالتالي، المساهمة في النمو الاقتصادي والاستقرار الدوليين. ويلزم مجتمع الأعمال الدولي أن يستمد من المثال الذي وضعته النساء السودانيات التقدم وأخذ زمام المبادرة لتحقيق المساواة بين الجنسين في جميع مناصب اتخاذ القرار في جميع القطاعات في البلدان المتقدمة والنامية. إذ إننا نتعلم درساً عظيماً في الأعمال التجارية والمدنية تقدمه لنا نساء السودان، وهو أنه يلزم البلد والشركات أن تصغي إلى أصحاب المصلحة الذين لم يحظوا بالإصغاء في السابق، وأن تعمل من أجل مستقبل مستدام.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!