تلعب التقييمات دوراً كبيراً في حياتنا، إذ تقرر التقييمات التي يقدمها النقاد والمحكّمون ومختصو التقييم نتائج واسعة تبدأ من أمور قد تبدو تافهة (على غرار أي عصير علينا اختياره للعشاء أو المنتجات التي يمكن شراؤها من أمازون) وتنتهي بأخرى أكثر أهمية (مثل أي الرياضيين يفوزون بذهبية الألعاب الأولمبية أو أي الطلاب يرتادون أرقى الجامعات).

ولكن ما مدى موثوقية هذه التقييمات؟ وإلى أي مدى هي قادرة على برهنة صحتها مع مرور الوقت؟

تزداد إيجابية التقييمات بزيادتها 

اطلعنا في ثمان دراسات نُشرت مؤخراً في نشرة "العلوم النفسية" على أكثر من 12,000 تقييم متسلسل لمعرفة ما إذا كانت التقييمات قد تغيرت مع اكتساب من يقوم بالتقييم المزيد من الخبرة. وقد غطت تلك التقييمات طيفاً واسعاً امتد من الدرجات التي يمحنها المحكّمون ضمن البرنامج التلفزيوني "الرقص مع النجوم" مروراً بالدرجات التي يمنحها الأساتذة الجامعيون لطلابهم ووصولاً إلى التقييمات التي يمنحها طلبة الجامعات للقصص القصيرة والصور الفوتوغرافية. وعملنا أيضاً على تحليل آلاف المراجعات التي قدمها مراجعون صادقون حول منتجات موجودة على موقع أمازون. 

وقمنا في إحدى الدراسات بتحليل 5,511 درجة أعطاها محكّمو أحد البرامج "المشاهير والنجوم"، ووجدنا أنه على مدار 20 موسماً للبرنامج، كلما زاد عدد التقييمات التي قدمها المحّكمون، كانت التقييمات أعلى. وكان ما سبق صحيحاً حتى مع ضبطنا لباقي العوامل على غرار ما إذا كان الشركاء المحترفون يتحسنون بالفعل أو فيما كان هناك نجوم أكثر جاذبية ظهروا في مواسم لاحقة. 

وتابعنا ما سبق بدراسة مختلفة عملت على معاينة درجات الطلاب على مدى 10 سنوات في 991 مقرراً دراسياً قدمه نفس الأساتذة على عدة فصول دراسية. وكما هي الحال مع محكّمي مسابقة الرقص، مع كل فصل إضافي يقوم فيه الأستاذ بالتدريس، يزيد ارتفاع الدرجة التي يقدمها. ومن جديد، تساءلنا عما إذا كانت هناك عوامل أخرى يمكنها أن تتسبب بهذه النتائج مثل احتمال تحسّن الطلاب مع مرور الزمن، وارتفاع درجات كل المقررات إجمالاً، واحتمال تقديم المقررات التي تمنح درجات أعلى بتواتر أكثر من البقية، وفيما إذا كان تدريس الأساتذة نفسه قد تحسّن مع مرور الزمن. وعلى الرغم من ضبطنا لكل تلك الاحتمالات، وجدنا نفس النتائج والتي أشارت إلى ميل الأساتذة إعطاء درجات أعلى في حال كانوا يدرسون نفس المقرر مرات عديدة. 

ولاستبعاد التفسيرات البديلة، اختبرنا أيضاً هذا النمط في تجربة مضبوطة عمل خلالها أفراد المجموعة على تقييم قصص قصيرة، حيث طلبنا من 168 طالباً جامعياً على مدار 10 أيام تقييم قصة قصيرة واحدة كل يوم. وبحلول نهاية الدراسة، كان جميع المشاركين قد وضعوا تقييمهم لنفس القصص العشر، إنما وفق ترتيب عشوائي مختلف بين طالب وآخر. وسمح لنا التوزيع العشوائي باستبعاد تأثير الترتيب (أي اليوم الأول واليوم الثاني وما إلى ذلك) على التقييمات. بمعنى آخر، هل إجراء تقييمات أكثر، بغض النظر عما يقيّمه الأشخاص، يجعل تلك التقييمات ترتفع؟ وكما حدث من قبل، وجدنا أنه كلما زاد عدد القصص التي يقوم بتقييمها ذاك الشخص، ارتفعت الدرجات التي يعطيها. ونتيجة لذلك، تم إعطاء درجة أعلى للقصة العاشرة مقارنة بالأولى. 

ووجدنا النتيجة نفسها في كل المجالات. 

كثرة التقييم تعطي شعوراً بسهولة العملية 

لماذا قد ترتفع التقييمات مع مرور الوقت؟

لقد تساءلنا عما إذا كانت عملية التقييم نفسها تعطي شعوراً بأنها أسهل مع كثرة قيامك بها، وهو ما قد يؤثر على مدى قابليتك لتقييم شيء ما إيجابياً. وفي دراسة متابَعة، طلبنا من 362 شخصاً في مناقشة جماعية عبر الإنترنت تقييم قصة واحدة اُختيرت عشوائياً بشكل يومي ولمدة 10 أيام. كما طرحنا عليهم أسئلة يومية على غرار: ما مدى سهولة تقييم كل قصة؟ ومع مرور الأيام، قال المشاركون إنهم وجدوا أن تقييم القصص بات أسهل وأكثر متعة. وأدت هذه المشاعر بدورها إلى إعطاء القصص تقييمات أعلى مع مرور الوقت.

تشير النتائج إلى أن التقييمات المتحيزة جاءت نتيجة خلاصة غير صحيحة عملياً وهي أن الناس يعتقدون بأن الشيء يجب أن يكون أفضل في حال كان يسهل تقييمه. بمعنى آخر، يخلطون بين مشاعرهم الخاصة تجاه التقييم (إجراء التقييم سهل) وبين التقييم الواقعي للغرض مثار التقييم (يجب أن يستحق هذا الشيء درجة أعلى). وتم البرهان عن صحة ذلك على الرغم من عشوائية ترتيب القصص بين مقيّم وآخر.

وعندما سألنا المشاركين إن كانوا يظنون بأن تقديراتهم ارتفعت مع مرور الوقت، أجابوا بالنفي. وتشير تلك النتائج إلى عدم إدراك معظم الناس لوجود هكذا تحيّز وتأثيره على أحكامهم. 

تقييم المنتجات والترقيات وملاحظات الأداء: ما مدى موثوقيتها؟

ما سبب أهمية نتائجنا للمدراء والمؤسسات؟ يخاطب أحد الآثار العملية لدراستنا المؤسسات التي تسعى للحصول على مراجعات العملاء. ففي دراسة تكميلية، وجدنا أنه كلما زاد عدد المرات التي يقوم فيها المراجعون بالتقييم على أمازون، كانت الدرجات الممنوحة من قبلهم أعلى. على سبيل المثال، يكون التقييم الأول أو الثاني لأحد الأشخاص أقل، بغض النظر عن المنتج، من تقييمه العشرين. وإذا كانت المؤسسة تعتمد بشكل رئيس على المعلومات المقدمة من العملاء ضمن نموذج عملها وكطريقة لمعرفة أذواق المستهلكين، سيكون من المهم لقادة الأعمال والمستهلكين الاطلاع على هذه التحيزات وإدراكهم لها. 

تطرح نتائجنا الأخيرة أيضاً سؤالاً مهماً ومفتوحاً للمدراء: كيف يمكن أن يؤثر هذا التحيز في التقييمات على التعيينات والترقيات ومراجعات الأداء؟ توحي نتائجنا بأنه وعلى الرغم من محاولات إجراء تقييمات دقيقة وعادلة، سيحصل المرشحون الذين ستجري مقابلتهم على يد مسؤول توظيف يجري عمليات التقييم لفترات زمنية أطول على أفضلية أكبر. وسنقوم بدراسة هذا الأمر لاحقاً ونبحث عن مؤسسات للعمل معها على هذا.  

كما أننا مهتمون بمعرفة ما إذا كان ذلك ينطبق أيضاً على قرارات الترقية وملاحظات تقرير الأداء بطريقة 360 درجة. وفي حال ثبتت صحة ذلك، فقد يكون تأثير هذه التحيزات واسعاً وله تأثير على جزء كبير من القوى العاملة الحالية والمستقبلية.

ونتطلع بدورنا أيضاً إلى العثور على طرق للتخفيف من هذا التحيز على قضايا مثل تقييمات التوظيف ومراجعات الأداء والترقيات لتكون أكثر دقة، إذ لاحظنا في دراساتنا أن معظم الناس بدوا غير مدركين لاحتمالية تحيّز قرارتهم مع مرور الوقت. وأحد العلاجات الممكنة اطلاع الناس ببساطة على هذا التأثير المحتمل على قراراتهم. وهناك متغيرات ظرفية أخرى نعمل أيضاً على فهمها بشكل أفضل.

ولكن هناك أيضاً بعض القيود على دراستنا جديرة بالذكر. على الرغم من التحيز الذي وجدناه في جميع السياقات التي درسناها، هناك عوامل أخرى متعددة تسهم في قرارات التقييم والتحيز الإيجابي الزمني هو إحداها فقط. أما الأمر الآخر فهو أنه هناك أدلة على أن التقييمات قد تصبح أكثر سلبية مع مرور الوقت وفي ظل ظروف معينة، ولكن لا يوجد حتى الآن تفسير بشأن العوامل والظروف التي تحدد متى تصبح تلك التقييمات أكثر إيجابية أو سلبية.

ربما في المرة القادمة التي تنشر فيها تقييماً على موقع "يالب" أو تقضي وقتاً في إجراء مقابلات مع المرشحين، ستأخذ في الاعتبار عدد التقييمات التي أكملتها بالفعل ومدى تأثير ذلك على تقييمك الإيجابي الحالي، الأمر الذي قد يساعدك على إجراء تقييم أكثر دقة.

وفي المقابل، وعندما تعتمد على تقييمات الآخرين على شبكة الإنترنت، ضع في اعتبارك أن التصنيف قد يعكس جودة المنتج الحقيقية وقد يكون أعلى أيضاً بسبب قيام المراجع بالكثير من المراجعات.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!