منذ مئة وخمسين عاماً، وصفت الشاعرة إميلي ديكنسون الشعور بالوحدة بأنه "الرعب من ألّا تكون مرئيّاً، بل أن تُهمل وتُترك في الظلام". لو كانت تُدير شركة حديثة لربّما فكّرت بطريقة مختلفة. يجب أن تكون حالة الوحدة أو الانعزال موضوعاً مهماً بالنسبة إلى المديرين، ومسؤولي القسم المالي، والرؤساء التنفيذيين، مثلما هي مهمة بالنسبة إلى المعالجين. أظهرت الأبحاث التي أُجريت في السنوات الخمس الماضية أن الوحدة لا تهدّد صحتنا البدنية وسعادتنا فحسب، بل تهدّد أرزاقنا أيضاً. تشير الأبحاث إلى أن تأثير الوحدة يشابه التأثير الذي تُحدثه 15 سيجارة يوميّاً، من حيث النتائج وتكاليف الرعاية الصحية. ومع ذلك؛ فإننا غالباً ما نكون غير مبصرين لهذه الحالة الخفيّة، التي تستنزف الصحة والإيرادات. يؤدي الموظفون الذين يُعانون الوحدة عملهم أداء ضعيفاً، وغالباً ما ينسحبون من عملهم، كما أنهم يشعرون برضاً أقل عن وظائفهم؛ وهو ما يكلّف أرباب العمل في المملكة المتحدة فقط ما يقارب 2.5 مليار جنيه إسترلينيّ (3.5 مليار دولار أميركيّ). وجدت المملكة المتحدة أن موضوع الشعور بالوحدة هو قضيةٌ تحتاج إلى المتابعة؛ لذا عيّنت وزيراً للوحدة لترؤس المهمة الشاقة؛ المتمثلة باكتشاف الحلول لشعور الوحدة التي كان يصفها الجرّاح الأميركي السابق فيفيك ميرثي بـ "أكثر الأمراض شيوعاً"؛ إذ إن 40% من الأميركيين أشاروا إلى أنهم يشعرون بالوحدة.

عندما يستوعب أرباب العمل تأثير هذا الوباء في العمل، يصبحون متعطّشين للحصول على معرفة تفصيلية عن الأشخاص المعرَّضين إلى خطر الشعور بالوحدة، وما يمكن أن يفعلوه للمساعدة، ومع ذلك فثمّة القليل من البيانات المتعلقة بهذا الموضوع؛ وهو ما يجعلهم يتبعون حدسهم وتخميناتهم؛ ومن ثَمّ استخدمنا مختبر شركة بيتر أب (BetterUp) لجمع بيانات حول موضوع الوحدة في مكان العمل، وذلك في خضمّ البحث عن بيانات يصعب إيجادها، ويمكن أن تؤدي إلى نهج قائم على الأدلة تهتدي به الشركات.

تتألف أهدافنا في الاستبيان الذي أجريناه على 1,624 موظفاً يعمل بدوام كامل، وقد كان ضمن دراسة طولية تشمل 4,000 عامل أميركيّ، تتألف من شقّين: الأول: تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإحساس بالوحدة في العمل، والثاني: تحديد العوامل الرئيسة التي تزيد، إلى الحدّ الأقصى، فوائد التماسك الاجتماعي المتزايد بين الموظفين. قدّم المشاركون تفاصيل حول درجات الشعور بالوحدة، والدعم الاجتماعي الذي تلقّوه على أساس يوميّ، في داخل مكان العمل وفي خارجه.

ظهر في تحليل الاستبيان وجود مجموعات مختلفة، تتوزع على كلا طرفَيِ النقيض من حيث الوحدة، أمّا الطرفان فهما: أكثر الأشخاص وحدة، ونظراؤهم الأكثر حظاً؛ أي النظراء "غير المنعزلين". وأنتجت بياناتنا رؤىً ملموسة لطرق معالجة الوحدة في مكان العمل؛ تؤدي إلى مساعدة موظفيك المنتمين إلى كلا الطرفين، ولصافي المبيعات لشركتك.

مظاهر الوحدة

أشار الموظفون الذين شاركوا في دراستنا، إلى العديد من الآثار الجانبية المؤرقة التي تنجم عن الوحدة، علماً أنها آثار لاحظها آخرون سابقاً؛ إذ أشار الموظفون الأكثر وحدةً إلى انخفاض مستوى الرضا الوظيفي لديهم، وحصولهم على عدد أقل من الترقيات، وتغييرهم وظائفهم بتكرار أكثر، ووجود احتمال أكبر للانسحاب من وظائفهم الحالية في الأشهر الستة المقبلة. وتَرافق الشعور بعدم وجود دعم اجتماعي في مكان العمل مع نتائج سلبية مماثلة في العمل، بل إن التأثير الاقتصادي للوحدة هائل حقاً.

شملت تحليلاتنا لمظاهر الوحدة، مجموعة واسعة من العوامل الديموغرافية والمتغيرات المرتبطة بالعمل؛ محاولة لتحديد مجموعات من الموظفين المعرَّضين بخاصّة إلى خطر الشعور بالوحدة. واستخدمنا هذه العوامل لتحديد الموظفين الأكثر عرضة إلى خطر الوصول إلى مرحلة "الموظف الأكثر وحدة".

ما لا يؤثّر

يبدو أن بعض العوامل الديموغرافية التي يُعتقَد أنها تُسهم في الوحدة ليست بمهمة كثيراً. على سبيل المثال، لم ترتبط الوحدة والدعم الاجتماعي بالموقع الجغرافي. ثم إن البقاء في الوظيفة نفسها فترة أطول لم يق الموظفين من الشعور بالوحدة؛ إذ لاحظنا انخفاضاً صغيراً في الشعور بالوحدة فقط، إثر التثبيت الوظيفي. وأمّا النوع أو العرق فلم تكن مؤشرات جيدة لكشف الوحدة.

في حين أن الراتب كان مؤشراً أفضل بعض الشيء، ولكنه بالكاد كان مؤشراً: أظهر العمال الذين يجنون 80,000 دولار في السنة، تحسّناً في موضوع الشعور بالوحدة والدعم الاجتماعي فقط، بنسبة 10% أكثر من نظرائهم الذين يجنون نصف هذا المبلغ.

مكان عملك يؤثّر

أظهر تحليل لمعدلات الوحدة والدعم الاجتماعي، بحسب المهنة، أن وظائف المجال القانوني هي أكثر الوظائف التي تُشعر بالوحدة، يليها مجالا الهندسة والعلوم، قد لا يكون هذا مفاجئاً؛ نظراً إلى الانتشار الكبير للاكتئاب بين المحامين، وهو أمر لا يخفى. أمّا في الطرف الآخر فنجد المهن التي تضمن الكثير من التفاعل الاجتماعي: العمل الاجتماعي والتسويق والمبيعات.

أشار المستجيبون الذين عملوا في شركةٍ تهدف للربح، إلى أنهم يشعرون بأقل نسبة من الوحدة وأكثر نسبة من الدعم، مقارنة بجميع قطاعات التوظيف. وفي المقابل؛ يشعر موظفو الحكومة بالوحدة أكثر من الموظفين الذين يعملون في شركات ربحية وغير ربحية، كما ذكروا تلقّيهم دعماً اجتماعيّاً في أثناء العمل أقل بعض الشيء. قد تساعد هذه الحقيقة على تفسير النتائج الأخيرة، المتعلقة بالرضا الوظيفي المنخفض بين الموظفين الفيدراليين.

ما أنت عليه خارج العمل يؤثّر أيضاً

ظهر أكبر الاختلافات في موضوع الوحدة في ملامح ديموغرافية محددة؛ فقد وجدنا أنه كلما ازداد عدد الأشخاص في حياتك الخاصة، استطعت درء شبح الوحدة عنك. وعلى النقيض من ذلك، أشار المستجيبون الذين أفادوا بأنهم عزّاب أو منفصلون عن الشريك أو مطلقون، أشاروا إلى شعورهم بمستوى أعلى من الوحدة، وإلى انخفاض الدعم الاجتماعي في مكان عملهم، مقارنة بالأشخاص المرتبطين بعلاقةٍ عاطفية حاليّاً، (كان العزّاب أكثرهم وحدة). وقد أفاد الموظفون الذين لم يُرزَقوا بأولاد بشعورهم بمستوى أعلى من الوحدة، مقارنة بالموظفين الذين رُزِقوا بأولاد، كما أنّ الملحدين، كانوا يشعرون بالوحدة أكثر من أولئك الذين يملكون انتماء عقائدياً.

يبدو أن وحدة البرج العاجي ظاهرة حقيقية أيضاً؛ فقد أشار حاملو شهادات الدراسات العليا في عيّنة بحثنا، إلى شعورهم بمستوياتٍ أعلى من الوحدة، وتلقّيهم دعماً أقل في مكان العمل، مقارنة بالمستجيبين الذين لم يحصلوا إلّا على شهادات البكالوريوس أو الثانوية العامة. واحتلت الدرجات الاحترافية (في مجالَيِ القانون والطب) الدرجة الأعلى في موضوع الشعور بالوحدة حتى الآن؛ إذ كان مستوى الوحدة لديهم أكثر بـ 25% من حملة درجات البكالوريوس، وأكثر بـ 20% من حملة شهادات الدكتوراة.

دفعات اجتماعية

صورة الوحدة التي انبثقت عن هذه الدراسة تدق ناقوس الخطر؛ فموظفو الولايات المتحدة الأكثر وحدة هم عزّاب وليس لديهم أطفال، وهم متعلمون جيّداً؛ فهم أطباء ومحامون يشعرون بالوحدة أكثر من الجميع، هم يعملون غالباً في المؤسسات الحكومية. 

ومع ذلك، فمعرفة الفئات الأكثر تعرضاً إلى خطر الشعور بالوحدة، لا تؤدي بالضرورة إلى معرفة ما يجب فعله حيال ذلك؛ على سبيل المثال، يستكشف كتاب "الإمكانات الكبيرة" (Big Potential) الدور المهم للدعم الاجتماعي الإيجابي في تطوير النجاح المهني. وقد تُحدث التعديلات البسيطة على الروتين اليومي للعمال فرقاً كبيراً؛ وعلى سبيل المثال، الذهاب لتناول الغداء مع شخص تعرفت عليه حديثاً، بدلاً من الذهاب وحدك. وقد يكون فتح محادثة تتضمن بعض المديح القائم على علاقة الزملاء، كافياً لتكوين علاقة اجتماعية دائمة. وبمرور الوقت، يمكن أن تُرشد هذه الدفعات الإيجابية أجواء مكان العمل نحو الاتجاه الصحيح؛ وهو ما يخلق ثقافة صحية وداعمة أكثر.

عندما تصبح أماكن العمل أكثر دعماً، يتحسن أداء الموظفين، وتزيد احتمالية حفاظ الشركة على موظفيها. وجدت دراستنا أن الموظفين الذين تلقّوا في مكان العمل دعماً اجتماعيّاً أعلى من المستويات المتوسطة، حصلوا لاحقاً على مكافأة الزيادة في الراتب أكثر من غيرهم في وقتٍ ما، وذلك في أثناء الأشهر الستة الماضية، كما كانوا أقل عرضةً إلى التفكير في الانسحاب من وظائفهم، في الأشهر الستة المقبلة. أمّا وجود شبكة دعمٍ قويةٍ في مكان العمل فليس أمراً رائعاً فحسب، بل أصبح ضرورة حتمية.

مشاركة المغزى من عوامل التعظيم

ولكن، ليس جميع أشكال الدعم الاجتماعي مؤثّراً بالقدر نفسه؛ إذ يُبرز كتاب "الإمكانات الكبيرة" قيمة "ابدأ بالقيادة من كل مقعد غداء". وتستلزم القيادة تحديد المغزى ومشاركته، بصرف النظر عن دور الفرد في المؤسسة. إن مساعدة الآخرين في العثور على المغزى في عملهم، تُعظّم قيمة هذا المغزى الذي يختبره الفرد شخصيّاً.

بيّن الاستبيان الذي أجريناه، أن هذا النهج يؤدي إلى تحسينات واضحة في مقاييس الموارد البشرية الرئيسة. وفي حين أن الدعم الاجتماعي كان مرتبطاً بإيجابية بالزيادات في الرواتب، والانخفاض في معدل استبدال موظفين آخرين بهم، أظهر الموظفون الذين أبلغوا عن شعورهم بنوع من تشارك المغزى وزملاء العمل، أظهروا تحقيق مكاسبَ أكبر في كلا المقياسَين.

والأكثر من ذلك، أن المعنى المتشارك لكلمة "تعزيز" أصبح أكثر قوة في بيئات العمل الداعمة. رأى الموظفون الذين شاركوا في دراستنا، والذين أفادوا بتمتّعهم بمستويات عالية من الدعم الاجتماعي، وتوجُّه قويّ نحو تشارك المغزى مع الزملاء، رأوا أن احتمال ترقيتهم هو أكثر بنسبة 30% من غيرهم، واحتمال تركهم وظائفهم هو أقل بنسبة 24%، بعبارة أخرى؛ يبدو أن الشعور بالمغزى المتشارك يزيد من التأثير الإيجابي للدعم الاجتماعي.

كيف يمكن للمدراء والزملاء المساعدة؟

يُعتبر الزملاء والمدراء المقرَّبون في المؤسسات الكبيرة، أفضل الأشخاص لتحديد العاملين الذين يعانون الشعور بالوحدة. قد تكون الإشارات غامضة – انسحاب اجتماعي، وحالة مزاجية متعكرة – لذلك من المفيد معرفة عوامل خطر الشعور بالوحدة، التي ذكرناها هنا؛ فهذه الفئات تحديداً معرَّضةٌ إلى خطر العزلة وعدم الرضا، وإلى خطر أن يُستبدَل بهم موظفون آخرون أيضاً.

إذا اتضح أن أحد زملاء العمل يعاني الشعور بالوحدة، فما الذي يمكن المديرين وزملاء العمل أن يفعلوه لدعمه؟

تقترح دراستنا أن السلوك القيادي الأكثر تأثيراً، الذي يمكنك اتباعه لمواجهة شعور الموظف بالوحدة، هو أن تخلق له فرصاً لبناء مغزى مشترك مع زملائه. قُم بمعرفة الأشياء التي تجعل عملهم بالنسبة إليهم ذا مغزى، ثم قُم بربط ذلك بالشيء الذي يجعله ذا معنىً بالنسبة إليك. ضع إطاراً للجهود المبذولة في مشروع تعاوني، من ناحية تطويرهم الجماعي لمهمة شركتك، وذلك بدلاً من التعثر بالنتائج الفردية واعتبارها أهدافاً. استخدم الانتصارات الجماعية لتكون فرصة للاحتفال بالفريق كاملاً؛ يعزز هذا الفعل التماسك الاجتماعي؛ من خلال الإحساس المشترك بأنهم أنجزوا، ويتجنّب ترك البعض خارج الفريق.

اختتمت ديكنسون قصيدتها من خلال التلميح إلى حقيقة وجود طريقتين للتعامل مع الوحدة: يستطيع المرء إمّا أن يُظهرها ويوضّحها وإمّا أن يُبعدها عنه. بعد عقود عدّة من اختيار الاستراتيجية الأخيرة، جاء العلماء ورؤساء الموارد البشرية على حدّ سواء – متجاهلين بأدب هذا الموضوع المحظور – جاؤوا لرؤية الحكمة الموجودة في استخدام الاستراتيجية الأولى. نحن نحتاج إلى مزيد من البيانات، وليس أقل؛ من أجل توجيه استراتيجياتنا للتدخّل لمساعدة موظفينا، ولجعل أعمالنا تزدهر.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!