ما هي أفضل طريقة لتعزيز القدرة على الإبداع في فريقك؟ في الحقيقة، لا توجد إجابة بسيطة على هذا السؤال. حتى أنّ البحوث منقسمة حول أفضل نهج يمكن اتباعه.

أحد وجهات النظر تقول أن مفتاح تحقيق الإنجازات الإبداعية يكمن في القدرة على الجمع بين مختلف مجالات الخبرة وتعزيزها. وعلى أي حال، فإن كل ابتكار يعيد بطريقة أو بأخرى جمع أو بلورة الأشياء الموجودة بالفعل.

لقد خلصت العديد من الدراسات إلى أن أفضل الأفكار هي التي تنبع من خلال الجمع بين أفكار المجالات التي لا تبدو ذات صلة. على سبيل المثال، اختراع تشارلز باباج للآلات الحسابية التي تعمل بالبطاقات المثقبة، الذي وضع الأساس لأجهزة الكمبيوتر الحديثة، استوحاه من معرفته بصناعة غزل الحرير، والتي تستخدم بطاقات بها فتحات لعمل الرسومات في نسيج الحرير. وبالمثل، فقد استلهم هنري فورد فكرته الثورية لخط تصنيع وتجميع السيارات من آلات سنجر  التي تدخل في مجال الخياطة ومصانع تعليب اللحوم.

استناداً إلى هذا التفكير، بوسعك أن تجعل فريقك أكثر إبداعاً من خلال تشجيع الموظفين على استكشاف مجالات جديدة أو عن طريق توظيف المزيد من الأشخاص ذوي الخبرة العامة، أو الأشخاص الذين لديهم مجموعة متنوعة من الخبرات. فبإمكان هؤلاء توصيل النقاط التي لا يرى الآخرون لها رابطاً.

لكن الدراسات الأخرى وجدت أن هناك مجموعة تكاليف للخبرة العامة. وكما يقول المثل، صاحب الصنائع السبع لا يتقن أي صنعة. ويزعم هذا الاتجاه في البحث أنه بفضل فهمهم العميق للمواضيع، يتمكن المتخصصون من تحديد الفرص الناشئة والاستفادة منها بشكل أفضل. على سبيل المثال، وجد الباحثان سارة كابلان وكيفان فاكلي أن إعادة تجميع الأفكار من مجال تخصصي واحد، بدلاً من المجالات المتعددة، قد أدى إلى ابتكارات جديدة أكثر في مجال الأنابيب النانوية. بل إن المتخصصين قد يجدون سهولة في إيجاد الوقت للتعاون، لأنه سيكون من الأوضح كيفية تقسيم العمل بينهم.

تشير تلك النقاط إلى أنه من الأفضل الاستعانة بموظفين لديهم خبرة كبيرة جداً في مجال هام أو تشجيع موظفيك على أن يصبحوا أخصائيين حقيقيين في كل ما يفعلونه.

هناك أدلة كبيرة تدعم كلا الجانبين، لذلك نحن نعتقد أن كلاهما على حق. ولكن، يجب أن تكون هناك ظروف معينة يلمع فيها نجم الخبراء ذوي الخبرة العامة وأخرى يتفوق فيها المتخصصون. لقد درسنا ما هي تلك الظروف في ورقة بحثية لمجلة "العلوم الإدارية الفصلية" (Administrative Science Quarterly).

لقد وضعنا نظرية مفادها أن فوائد الخبراء ذوي الخبرة العامة هي الأقوى في المجالات التي تعد وتيرة التغيير فيها أبطأ. في هذه المجالات (النفط والغاز والتعدين، كما أعتقد)، قد يكون من الصعب على المتخصصين التوصل إلى أفكار مبتكرة وتحديد الفرص الجديدة، في حين قد يتمكن الخبراء ذوي الخبرة العامة من استلهام الأفكار من مجالات أخرى. لقد افترضنا أيضاً أن الوضع ينعكس في المجالات التي تتغير بوتيرة أسرع. في هذه الحالة (في المجالات سريعة التطور مثل الحواسيب الكمية وتعديل الجينات)، قد يعاني الخبراء ذوي الخبرة العامة من أجل اللحاق بآخر المستجدات، في حين يمكن للمتخصصين فهم التطورات والفرص التقنية الجديدة بسهولة عند ظهورها.

لاختبار ذلك، كنا بحاجة إلى دراسة مجال شهدت بعض التخصصات فيه تغيراً مفاجئاً من حيث السرعة بينما ظلت باقي التخصصات الأخرى مستقرة. هذا هو بالضبط ما حدث في الرياضيات النظرية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. في الثمانينيات كان علماء الرياضيات السوفييت متقدمين إلى حد كبير على زملائهم الغربيين في بعض تخصصات الرياضيات النظرية (على سبيل المثال، المعادلات التكاملية)، لكنهم لم يتفوقوا في تخصصات أخرى (مثل الحلقات التبديلية والجبر). ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، أتيح مخزون كبير من التقدم العلمي فجأة لعلماء الرياضيات الغربيين. وزاد ذلك من وتيرة التغيير في التخصصات التي كان الاتحاد السوفييتي متقدماً فيها على الغرب.

الرياضيات النظرية هي أيضاً مجال يسمح لنا بالتمييز بين المتخصصين والخبراء ذوي الخبرة العامة. على سبيل المثال، يشتهر إنريكو بومبيري، الفائز بميدالية فيلدز الإيطالية، بجمع الأفكار من مختلف تخصصات الرياضيات. في المقابل، قضى لوران شوارتز، الحائز على ميدالية فيلدز الفرنسية، معظم حياته المهنية في العمل على توزيع الرياضيات.

لقد قارنا علماء الرياضيات الذين يعملون في المجالات التي شهدت تغيراً سريعاً (وبشكل أساسي التخصصات الفرعية للتحليل الرياضي مثل المعادلات التكاملية والمعادلات التفاضلية الجزئية وتحليل فورير) مع أولئك الذين يعملون في مجالات أقل تأثراً (وخاصة التخصصات الفرعية للجبر والهندسة، مثل الحلقات والجبر والتركيبات). ثم قمنا بعد ذلك بتتبع أداء أكثر من 4,000 من علماء الرياضيات خلال الفترة من عام 1980 إلى عام 2000 – أي قبل 10 سنوات وبعد 10 سنوات من انهيار الاتحاد السوفيتي – باستخدام مجموعة واسعة من بيانات النشر والاقتباس المقدمة من الجمعية الرياضية الأميركية.

وقمنا بقياس مستوى التخصص لعلماء الرياضيات على أساس منشوراتهم الأكاديمية. ثم حددنا المتخصصين من الباحثين الذين نشروا في مجال واحد فقط من الرياضيات النظرية والخبراء ذوي الخبرة العامة من الباحثين الذين نشروا في العديد من المجالات. كما قسنا التغيرات في الإنتاج الإبداعي للخبراء ذوي الخبرة العامة والمتخصصين في التخصصات ذات الوتيرة الأسرع والأقل من حيث التغيير، من خلال عدد الأوراق الأكاديمية التي نشروها. وبما أن المنشورات تختلف من حيث الجودة، فقد عدّلنا أيضاً عدد منشورات الاستشهادات التي تلقيناها في وقت لاحق.

وبالطبع ، فإن الرياضيات النظرية هي بيئة فريدة من نوعها، ولكنها سمحت لنا أن نقيس بدقة كيف تؤثر الزيادة في وتيرة التغيير على الأداء الإبداعي للمتخصصين والخبراء ذوي الخبرة العامة. ونتائج تحليلاتنا تؤكد على نظريتنا.

لقد غيّر انهيار الاتحاد السوفياتي من وتيرة التغيير بشكل مختلف في شتى تخصصات الرياضيات النظرية. أما في التخصصات التي لم تتغير كثيراً (التخصصات ذات الوتيرة الأبطأ)، فقد كان المتخصصون أقل إنتاجية من الخبراء ذوي الخبرة العامة، ولكن هذه الفجوة اتسعت بشدة بعد الانهيار. سجل تحليل الارتباط الذي أجريناه انخفاضاً سنوياً بنسبة 22% في إصدارات المتخصصين باستشهادات موزونة، مقارنة بالخبراء ذوي الخبرة العامة في نفس التخصصات التي تسير بخطوات بطيئة. (يشير هذا الرقم إلى متوسط ​​التغير في فجوة الإنتاجية بين العقد السابق والعقد التالي للانهيار السوفييتي، والذي نحصل عليه بعد التحكم في تغييرات اتجاهات النشر بمرور الوقت والخصائص الفردية المختلفة مثل العمر والنوع والتعليم).

في التخصصات الأكثر تأثراً (التخصصات ذات الوتيرة السريعة)، حدث العكس. في حين كان المتخصصون قبل الانهيار أكثر إنتاجية من الخبراء ذوي الخبرة العامة بقليل، إلا أنه بعد الانهيار اتسعت هذه الفجوة، لأن إنتاجية المتخصصين ازدادت بينما انخفضت إنتاجية الخبراء ذوي الخبرة العامة. وبشكل أكثر تحديداً، يقدر تحليل الارتباط الذي أجريناه أن المتخصصين انتهوا من نشر أبحاث الاستشهادات الموزونة بنسبة 83% أكثر من الخبراء ذوي الخبرة العامة في السنوات العشر التي تلت الانهيار، مقارنة بالسنوات العشر السابقة له.

لم يقتصر الأمر على سوء أداء الخبراء ذوي الخبرة العامة بالنسبة للمتخصصين في المجالات التي تتغير بوتيرة أسرع، بل إنهم قدموا أيضاً أداء أسوأ من الخبراء ذوي الخبرة العامة في المجالات التي تتغير بوتيرة أبطأ. قبل الانهيار، كانت إنتاجية الخبراء ذوي الخبرة العامة في المجالين متشابهة للغاية. بعد الانهيار، خفض الخبراء ذوي الخبرة العامة من إنتاجيتهم في المجالات التي تسير بوتيرة أسرع ونَشروا عدداً أقل من أبحاث الاستشهادات الموزونة بنسبة 37% مقارنة بالأبحاث في المجالات التي تسير بوتيرة أبطأ.

بعبارة أخرى، يبدو أن الخبراء ذوي الخبرة العامة ناجحون نسبياً طالما أن وتيرة التغيير ليست سريعة جداً، لكن إنتاجيتهم تقل عندما تزداد وتيرة التغيير. في الوقت نفسه، يبدو أن المتخصصين يقدمون أداء أفضل عندما تتسارع وتيرة التغيير.

تقترح دراستنا أن بإمكان نوعين من القدرات تحسين الأداء الإبداعي. النوعية الأولى هي القدرة على توصيل الأفكار عبر المجالات الموضوعية. وهذا ليس بالأمر السهل، نظراً لأن الأفكار الناجحة في مجال ما قد لا تنجح في مجال آخر، ولكن يمكن أن تحقق نجاحاً خاصة إذا كان المجال الذي تعمل فيه راكداً نسبياً. النوعية الأخرى هي القدرة على البناء بشكل فعال على ما حدث من تقدم في مجال عملك واغتنام الفرص الناشئة على الحدود القصوى للمجال، والتي قد تكون ذات قيمة خاصة عندما تسير الأمور بسرعة.

لا توجد استراتيجية واحدة لتعزيز الإبداع تناسب الجميع. لكن دراستنا تشير إلى أنه ينبغي على القادة تقييم عدد المتخصصين والخبراء ذوي الخبرة العامة التابعين لهم في فرقهم. إذا كانت وتيرة التغيير بطيئة، فستستفيد الفرق على الأرجح من توظيف الخبراء ذوي الخبرة العامة الذين يمكنهم تحدي افتراضات الصناعة المسلم بها والتوصل إلى أفكار جديدة. أما إذا كانت وتيرة التغيير سريعة، فستستفيد الفرق من المتخصصين الذين سيساعدون الفريق على الابتكار.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!