يحظى لبنان بالكفاءات ورأس المال البشري اللازمين لبيئة العمل المتكاملة لريادة الأعمال. بيد أنّ هذا البلد يفتقر إلى التمويل والبنية التحتية والتشريعات القانونية في هذا المجال. وبالتالي، قررت الحكومة اللبنانية اتخاذ خطوة كبيرة في سبيل تطوير ريادة الأعمال في لبنان. وأخذ مصرف لبنان (BDL) على عاتقه المبادرة وعرض تعميماً بالرقم 331 في آب/أغسطس من العام 2013. وشهد لبنان تغييرات بارزة في تطوير ريادة الأعمال منذ صدور هذا التعميم.

وفيما خلا التعميم رقم 331، يتبنى لبنان في الوقت الحالي النموذج القائم على حرية المبادرة. ويؤثر افتقار البلاد إلى إطار تنظيمي يدعم ريادة الأعمال تأثيراً سلبياً على التفاعلات بين الجهات الفاعلة الثلاث، وهي الحكومة والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية، والمعروفة باسم الأطراف الثلاثية. وتواجه بيئة الأعمال المتكاملة لريادة الأعمال اللبنانية تحديات مختلفة تعوّق فاعلية التعميم رقم 331 والتطور العام للشركات الناشئة.

وقد أظهرت الدراسات أنّ ريادة الأعمال تتحقق على الأرجح عندما تنخرط وجهات نظر مختلفة مع بعضها البعض. إذ تكون ريادة الأعمال أكثر ازدهاراً عندما يبلغ التفاعل بين الأطراف الثلاثة المعنية (أي الحكومة والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية) أقصى قدر ممكن. وبالنظر إلى أنّ معظم الأبحاث تركز على دور المؤسسات والصناعات العامة في تعزيز ريادة الأعمال، فإنّ الهدف من هذه الورقة هو فهم دور الأوساط الأكاديمية في بيئة العمل المتكاملة لريادة الأعمال اللبنانية.

استثمار الجامعات في بيئة ريادة الأعمال

نظراً لأنّ الجامعات تمثل المصدر الرئيس للمعرفة، فهي تعمل باعتبارها قطاعاً مؤسسياً أساسياً في بيئة العمل المتكاملة لريادة الأعمال من خلال أداء ثلاثة أدوار رئيسة. أولاً، من الأهمية بمكان أن تعمل الجامعات على البحث للتوصل إلى اكتشافات جديدة يمكن تسويقها وتعود بالفائدة على المجتمع. ثانياً، يجب على الجامعات دمج الأساليب النظرية مع التطبيقات العملية للأبحاث. وتتطلب هذه العملية دمج الآليات المؤسسية لمساعدة الشركات على التأقلم مع عصر التقنية الفائقة. وأخيراً، لكي تزدهر بيئة العمل المتكاملة لريادة الأعمال، يجب أن توسّع الأوساط الأكاديمية نطاق الدورات الدراسية في مناهجها فيما يتعلق بهذا المجال. وإنّ إنشاء المجمعات العلمية والمؤسسات الحاضنة ومسرعات الأعمال يعد أمراً بالغ الأهمية لتوفير هذه الخصائص الجديدة، لأنه يتيح للجامعات استحداث التقنيات ونقلها بشكل قانوني بدلاً من الاعتماد فحسب على النقل غير الرسمي للتقنية.

وعلى الرغم من أنّ الجامعات لا تعد بعد ذات طبيعة ريادية، إلا أنّ المؤسسات الأكاديمية في لبنان تحاول بناء عقلية ريادة الأعمال لدى الطلاب. وهي تفعل ذلك عن طريق إنشاء مراكز مبتكرة وتنظيم مسابقات وعقد مؤتمرات وتقديم دورات تدريبية في ريادة الأعمال. وعلى سبيل المثال، فقد أنشأت الجامعة الأميركية في بيروت مركز دروزة (Darwazah Center) لإدارة الابتكار وريادة الأعمال، الموجه صوب تعزيز الأنشطة المبتكرة في البيئة المتكاملة للأعمال. وعلاوة على ذلك، تقدم مدرسة العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت دورات تدريبية في مجال الابتكار وريادة الأعمال. وفضلاً عن  الجامعة الأميركية في بيروت، أسست جامعة القديس يوسف (USJ) في عام 2002، مؤسسة بيريتيك (Berytech)، التي تعمل كحاضنة للشركات الناشئة، حيث توفر بيئة دينامية لبناء مهارات ريادة الأعمال وتطويرها من خلال تبني البحوث والتقنية والابتكار. وبالمثل، بدأت جامعات أخرى في العامين الماضيين مبادرات مماثلة.

وما يمكن استخلاصه من هذه المبادرات الأكاديمية هو الأهمية البالغة للجامعات في تشكيل بيئة العمل المتكاملة لريادة الأعمال. فهي بمثابة الأساس المتين لتطوير ريادة الأعمال والشركات الناشئة.

وعلى الرغم من أنّ الجامعات اللبنانية تبذل جهوداً لتعزيز البحث والابتكار، لا تزال هناك فجوة في البحث الأكاديمي في هذا المجال. ويمكن للمرء، في الواقع، ملاحظة أنّ الأوساط الأكاديمية في لبنان لا تنتج الشركات المشتقة، بل تقوم بالقليل من البحث والتطوير والقليل من التضافر بين الأوساط الأكاديمية والحكومة والقطاع الخاص. على سبيل المثال، يُعد النموذج الياباني مثالاً يحتذى، حيث يُظهر أهمية دور الأوساط الأكاديمية في تكوين بيئة ملائمة لريادة الأعمال. فمنذ أوائل التسعينيات، عززت الدولة هناك برامج البحث والتطوير للتعاون بين الجامعات والدوائر الصناعية. ولتعزيز روح المبادرة، حوّلت السلطات الداخلية التقنيات المتقدمة إلى الجامعات والشركات اليابانية. كما منحت أموالاً طائلة للجامعات تشجيعاً للبحث واستخدام المعلومات الجديدة. وعلاوة على ذلك، شجعت الحكومة اليابانية الأوساط الأكاديمية على إصدار تراخيص لحقوق الملكية الفكرية الخاصة بها عن طريق إنشاء إدارة مختصة لحماية الحقوق التقنية وإصدار قانون مؤسسة الجامعة الوطنية (National University Corporation law) في عام 2004. وفي عام 2000، حثت الحكومة اليابانية الجامعات على إقامة مشاريع تجارية مدعومة بقانون تعزيز التقنية الصناعية (Industrial Technology Enhancement Act)، إلى جانب خطة هيرانوما – وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة – التي أسفرت عن إنشاء الجامعات 1,000 مشروع تجاري في فترة ثلاث سنوات. وبعد عام واحد، سُمح لهذه المشاريع بالاستفادة من المرافق التقنية داخل الجامعات. وهكذا، يمكن للجامعات الاستثمار في الشركات الكبيرة.

الجهات الفاعلة

أُجريت مقابلات شبه منتظمة مع أفراد من الأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص والجهات الفاعلة الحكومية. إذ تضمنت المجموعة المستهدفة من البحث ممثلين عن الجهات الفاعلة في هذه الأطراف الثلاثة، حيث أُجريت مقابلات مع 9 مشاركين من أصل 10 مشاركين. فمن القطاع الأكاديمي، تم اختيار الجامعات التي لديها مراكز للابتكار، التي شملت: الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية الأميركية (LAU) وجامعة الروح القُدُس (USEK). كما تم اختيار مصرف لبنان وشركة كفالات (Kafalat) وممثل قانوني بصفتهم ممثلين للقطاع الحكومي. ومن القطاع الخاص، أُجريت مقابلات مع مدراء المؤسسات الحاضنة ومسرعات الأعمال ومختبرات التصنيع.

تطوير مفهوم ريادة الأعمال أكاديمياً

إنّ الأوساط الأكاديمية مسؤولة عن تطوير مجموعة شاملة من المهارات والبحث والتطوير وتطوير الشركات المشتقة، بصفتها المحرك لريادة الأعمال. أولاً، يُعد تحديث المناهج الدراسية خطوة أساسية يلزم أن تتخذها الأوساط الأكاديمية. على سبيل المثال، يمكن للأوساط الأكاديمية تطوير منهج استراتيجي تجاه التعليم الابتكاري، وتعليم مقررات ريادة الأعمال باعتبارها مقررات مطلوبة في المراحل التمهيدية، وتطوير فهم واضح لمفهوم ريادة الأعمال.

ثانياً، يُعد تغيير الأوساط الأكاديمية نهجها في التعامل مع القطاع الخاص أحد القرارات الحاسمة التي يمكن أن تتخذها. وهذا يعني الحصول على المعرفة بشأن متطلبات القطاع الخاص وعقليته. إذ إنّه من الجيد التعاون مع القطاع الخاص لمعرفة احتياجات السوق والمهارات التي يستلزمها. لذا، يمكن أن تكون الأوساط الأكاديمية قادرة على تطوير نهج تعليمي ابتكاري قابل للتطبيق وبناء المهارات الملائمة لتناسب السوق.

ثالثًا، يمكن للأوساط الأكاديمية تحفيز الطلاب والأساتذة ليصبحوا رواد أعمال، حيث من الأهمية بمكان أن يمتلك الطلاب أفكارهم ومشاريعهم الابتكارية الخاصة بهم. ويمكن للأوساط الأكاديمية، كذلك، توفير الأموال للبحوث التي يُجريها هؤلاء الطلاب. إذ إنّ من شأن توفر الأموال تشجيع الطلاب على التوصل ليس فقط إلى أفكار إبداعية، بل أيضاً إلى منتجات وخدمات ذات جدوى من الناحية التجارية.

وختاماً، يقع دور الأوساط الأكاديمية في ريادة الأعمال على عاتق البحث والتطوير والشركات المشتقة في المقام الأول. إذ تغدو الأفكار والأبحاث أعمالاً تجارية في حال بدأت الأوساط الأكاديمية بالبحث وانتهت بالتطوير. ولتحقيق ذلك، يجب على الأوساط الأكاديمية الاهتمام بتعزيز ثقافة البحث والتعاون بين أعضاء هيئة التدريس فيها والانفتاح تجاه الدوائر الصناعية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!