"لا ترشح لي أحداً لمقابلته إلا إذا تخرج من جامعة كذا أو كذا، فهؤلاء هم الأفضل. أما الباقي، لا أحتاج إليهم، ليذهبوا إلى غيري". هي كلمات سمعتها ومضامين فهمتها مراراً وتكراراً من أكثر من مدير في أكثر من مؤسسة، وعلى الرغم مما تحمله من "تمييز" تجاه خريجي بعض المؤسسات التعليمية إلا أنها تعكس في ذات الوقت تفوق بعض الجامعات في التسويق لذاتها وقدرات خريجيها، وذلك عبر مخاطبة سوق العمل بلسانه ونسج العلاقات مع الأطراف الفاعلة فيه.

اشترك رقمياً اليوم ونحن نضمن لك تحقيق الفائدة، وإن لم تحقق الاستفادة المرجوة من اشتراكك، يمكن إلغاؤه في أي وقت واستعادة المبلغ للمدة المتبقية من الاشتراك.

لكن ما العمل إذا كانت "صفوة الجامعات" هذه تمثل القلة القليلة في أي بلد حتى في الولايات المتحدة الأميركية التي يزيد عدد مؤسسات التعليم العالي فيها عن أربعة آلاف، ثم لا نسمع من أسماء جامعاتها المرموقة إلا ما هو أقل من واحد بالمئة من الرقم المذكور؟

زِد على ذلك الموانع الكثيرة التي قد تحول دون الالتحاق بالجامعات ذات الصيت، مثل الإمكانات المادية، أو مكان الإقامة، أو شروط دخول بلد الجامعة (الفيزا)، أو معدل درجات الثانوية العامة، أو امتحان القَبول الخاص بالجامعة وغير ذلك من الشروط والمعايير التي تضعها كل مؤسسة تعليمية لمن يرغب في الانتساب إليها.

وإذا ما يمّمنا وجوهنا شطر البلاد العربية، فسنجد أننا في منطقة تندر فيها الجامعات المتميزة أو التي تحظى بمكان في تصنيفات أول 500 جامعة في العالم. إذ يتراوح عدد الجامعات العربية المدرجة ما بين العشرة والخمسة عشر من عام لآخر بحسب تصنيف "كيو إس" الشهير (QS World University)، تتصدرها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن عند المرتبة 189 بحسب إحصاءات عام 2019. ثم يأتي تصنيف آخر يقلّ الحديث عنه – على أهميته وحساسية موضوعه – يتناول رغبة أصحاب العمل والشركات في توظيف خريجي جامعات بعينها (Graduate Employability Rankings)، إذ لا يتجاوز عدد الجامعات العربية فيه العشرة أيضاً تتصدرها الجامعة الأميركية في بيروت عند المرتبة 45 بحسب إحصاءات عام 2019.

فهل يعني ذلك أننا أمام حائط مسدود وأنه ليس على الأكثرية ممن لم تتح لهم تلك الفرصة الذهبية سوى الاستسلام لتيار البطالة المتراكم والقبول بالواقع المرير؟ بالطبع الأمر ليس كذلك، فالاعتماد على الجامعة وحدها لتحصيل المكاسب لا يقول به عاقل حتى لو تخرج من أفضل الجامعات طُرّاً، كما أن الناظر في سيرة العديد من كبار الناجحين في أعمالهم يدرك أنك لست بحاجة لارتياد أعرق الجامعات لتصيب قدراً مقبولاً من النجاح والتوفيق.

إنما ينبغي عليك العمل بجد واجتهاد لجبر نقص السمعة أو قصور الأدوات التعليمية أو ضعف شبكة العلاقات المتاحة في جامعتك، ولسوف ترى أثر ذلك واضحاً أمامك في غضون سنوات قليلة إذا أوليت الأمور التالية حقها من الاهتمام.

تعرف على النواقص التي يعيبونها في جامعتك، واحرص على التمكن منها. قد توصم جامعتك بأن خريجيها ضعاف في اللغة الإنجليزية أو أن خبراتهم العملية متواضعة. فليكن هذا دافعاً لك لتعلم اللغة الإنجليزية في المراكز المحيطة بمكان سكناك أو عبر الإنترنت، ولا تتردد في التطوع للعمل مجاناً بعد ساعات الدراسة أو خلال الصيف في بعض المؤسسات لتكتسب مزيداً من الخبرات وتدعم سيرتك الذاتية، لتتخلص من أي تشكيك في قدراتك.

ثابر في دراستك ولا تتكاسل فيها مهما يكن. اعمل على تعزيز فهمك للمساقات التي تشعر بضعف شخصي فيها أو عدم كفاية أساتذتها من خلال الانخراط بما يقابلها في المنصات التي تقدم مساقات تعليمية مفتوحة للجمهور مثل كورسيرا وإيديكس وإدراك وما شابهها. فهذه المنصات تضم عدداً من أشهر جامعات العالم التي تقدم موادها التعليمية بأسلوب غاية في التميز لكل مهتم بصورة مجانية أو شبه مجانية، ولا يحتاج المشترك للاستفادة منها سوى إلى تسجيل بياناته ثم مشاهدة الفيديوهات وقراءة المقالات ومشاركة التعليقات وأداء الاختبارات ضمن جدول عالي المرونة على الأغلب.

اسعَ للحصول على شهادات أو دبلومات تطبيقية من مؤسسات عالمية أو مبادرات إقليمية ناجحة في مجال دراستك لدعم شهادتك الجامعية واكتساب ما يلزم من مهارات. إذ يخدم هذا الأمر هدفين في وقت واحد، فهو من جهة يتيح لك الاستفادة من صيت المؤسسات المشهورة التي تحصل على شهادات منها، كما يعطي من جهة أخرى مصداقية عالية للتدريب التطبيقي الذي اكتسبته حول بعض المنتجات أو الأدوات أو المنهجيات شائعة الاستخدام في السوق.

ويحضرني في مجال تخصصي الأصلي الشهادات الجمة التي تقدمها مايكروسوفت في مجال هندسة النظم وتلك التي تقدمها سيسكو في مجال الشبكات. كما تبرز إقليمياً مبادرة مليون مبرمج عربي التي أطلقها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في دولة الإمارات كمشروع عالمي يصل إلى كل عربي يرغب في تطوير مهاراته الرقمية، وهناك مبادرة أس إي فاكتوري (SE Factory) في لبنان التي تستقبل خريجي كليات الحاسوب وتدمجهم على مدار ثلاثة أشهر في برنامج مكثف جداً وقائم على المشاريع ليخوضوا بعدها سوق العمل بمهارات استطاعت أن توفر عروض عمل حقيقية لأكثر من 90% من منتسبي المبادرة في غضون بضعة أسابيع من إتمام البرنامج.

أكمل دراستك العليا في جامعة أفضل وذات صيت. قد يكون من الصعب الدخول إلى جامعة مرموقة أول الأمر، لكن الأمر مختلف في الدراسات العليا من حيث القدرة في الحصول على المنحة ومستوى التنافس، خاصة إذا كان معدلك مرتفعاً ومستواك اللغوي متقدماً. إذ يغيب عن أذهان كثير من الطلاب وذويهم أن اختلاف طبيعة الدراسات العليا وإسهامها الفعلي في تقدم البلاد الصناعية يدفع بتلك الدول إلى عرض العديد من المنح على الطلاب المتفوقين سواء على المستوى الحكومي أو من خلال الجامعات أو بعض المؤسسات الخاصة المعنية بالعملية التعليمية، وهو ما يفتح الباب واسعاً لتحقيق ما عجزت عنه خلال المرحلة الجامعية الأولى.

على سبيل المثال، يقدم صندوق أوبك للتنمية الدولية (OPEC Fund for International Development OFID) سنوياً منحاً دراسية للشباب المتفوقين من الدول النامية الراغبين في إكمال دراساتهم العليا في أحد مجالات التنمية، وتغطي المنح المقدمة كافة الرسوم الدراسية والتأمين الصحي مع مصروف شهري، وهي مخصصة للطلبة الحاصلين على قبول دراسي لبرنامج ماجستير مدته عام من أي جامعة في العالم وتحديداً الذين تتراوح أعمارهم بين 23 و32 عاماً. أما منحة فولبرايت للطلاب الأجانب (Fulbright Foreign Student Program) فهو برنامج منح دراسية برعاية وزارة الخارجية الأميركية لتمكين الطلبة من الالتحاق ببرامج الماجستير المعروضة في الجامعات الأميركية في تخصصات محددة، حيث يحصل الفائزون بالمنحة على تغطية للرسوم الدراسية وتكلفة المواد التعليمية، ومصروف شهري لتغطية تكاليف الإقامة والطعام.

إذا تأملت فيما سبق، فسوف تكتشف أن عدم امتلاك الثروة المالية أو العيش في بلد غير متقدم لم يعد حائلاً دون الحصول على تعليم متميز أو البروز في سوق العمل، وأن هناك مسارات موازية لتعويض أي نقص قد يعتري الشهادة التي حصلتها من جامعتك طالما توفر العزم والإرادة الحقيقية.

ولعل البشرى السارة في مقالنا هذا تأتي عقب إعلان عدد من كبريات الشركات أن الدرجة الجامعية لم تعد هي المعيار الأساس لتقييم طالبي العمل لديها، وهو ما يُنبئ بأن الاقتصاد الجديد يتجه نحو إعطاء وزن أكبر للمهارات والخبرات العملية على حساب الدرجات الجامعية، على الرغم من التوقعات بأن الطريق ليس مفروشاً بالورود أمام هذا التغيير الجوهري.

إذ يبين المفكر المستقبلي اللامع ثوماس فراي أن البرامج الجامعية التقليدية لم تعد قادرة على اللحاق بالتطورات التقنية المتلاحقة، وباتت في متطلباتها (زمناً ومالاً ومحتوى) أشبه ما يكون بالديناصور الكبير الذي يدخل السباق في محاولة منه للتفوق على الغزال السريع الذي يتكيف مع المنعطفات ويقفز فوق الحواجز وينحني تحت العراقيل التي تواجهه. وهو ما جعل الشهادات المركزة أو المصغرة تكتسب زخماً كبيراً بما تقدمه من تجديد معرفي يواكب العصر ويمكّن الدارس من إثبات جدارته دونما حاجة لأن يترك عمله أو يستثمر مبلغاً طائلاً من المال الذي تعب في تحصيله.

كل ذلك دفع 15 شركة إلى اتخاذ تلك الخطوة الجريئة بإسقاط متطلب الدرجة الجامعية وتوظيف أفراد لم يحوزوا شهادات السنوات الأربع من أي جامعة شرط امتلاكهم للمهارات المطلوبة. إذ صرح تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة آبل أن نصف من تم توظيفهم العام الماضي في الولايات المتحدة لم يحملوا درجة جامعية، أما نائب الرئيس لشؤون المواهب في شركة آي بي إم، جوانا دايلي، فقد صرحت أن 15% من موظفي الشركة في الولايات المتحدة كذلك لا يحملون شهادات جامعية.

فهل نسمع قريباً عن شركات عربية حذت حذو الشركات العالمية في هذا المضمار؟

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!