هناك الكثير من النصائح الموجهة للنساء اللواتي لديهنّ طموحات قيادية حول كيفية الوصول إلى مستويات القيادة العليا، فمن خلال تعلم فن التفكير القيادي ومهارات التحدث والتفاوض والتفويض وعشرات السلوكيات الأخرى، تقوم النساء أينما كُنّ بإطلاق العنان لأنفسهن واختراق الحواجز في المؤسسات التي يعملن فيها، والحصول على الوظائف في المراكز القيادية العليا أو ما هو قريب منها.

لكن ماذا يحدث بعد الترقية؟ فبينما تكون مسؤوليات الإدارة العليا صعبة على الجميع، تواجه النساء تحديات إضافية عند الانتقال إليها، وتُعد بعض هذه التحديات نفسيّة؛ وتتعلق بالاختلافات بين الرجل والمرأة من ناحية تحمّل المخاطر والثقة بالنفس. وبعضها الآخر بنيوية، تتعلق بالأمومة على سبيل المثال؛ حيث لا تزال المرأة تتحمل مسؤولية رعاية الأطفال والواجبات المنزلية أكثر من الرجل. وبينما تؤثر هذه الحواجز على النساء في جميع المستويات الوظيفية، إلا أنها أكثر وضوحاً في بيئة العمل الضاغطة ضمن مراكز القيادة العليا، ما يضع النساء في موقف صعب.

إنّ التعامل مع هذا التحدي هو أمر أدركه تماماً، فأنا حاصلة على شهادة في علم النفس التنظيمي ودرجة دكتوراه في اقتصاديات الأعمال، وعملت على مدى الأعوام السبعة عشر الماضية مدربة تنفيذية لمئات من النساء في مواقع الإدارة العليا، إذ يعمل الكثير منهنّ ضمن بيئات يسيطر عليها الرجال مثل المصارف والجيش وقوات الشرطة. لقد ألهمني عملي بعض الأفكار حول إمكانية القيادات النسائية تعزيز فرص نجاحهن عند وصولهنّ إلى تلك المراكز.

يتمحور الأمر في قدرتك على إدارة طاقتك الذهنية: كيفية استجماعها، والحفاظ عليها، والعمل على الحد من استنزافها. إليك في ما يلي ثلاثة تكتيكات قامت المتدربات لدي باتباعها لتحقيق النجاح ضمن بيئة معينة خاصة بالعمل في مستويات إدارية عليا وهي: معرفة معززات الطاقة الخاصة بك، وإيجاد حليف لك في العمل، وخفض مستويات القلق لديك.

تعرفي على أكثر ما يعزز طاقتك النفسية

شئنا أم أبينا، فإنّ فكرة الحفاظ على التوازن بين العمل والحياة الشخصية في مواقع الإدارة العليا هي ببساطة فكرة لا يمكن تحقيقها؛ وذلك في جميع المؤسسات؛ ما عدا المؤسسات الأكثر تطوراً منها، وكما قالت لي ألكسندرا، وهي شريك في صندوق تحوط في الولايات المتحدة: "إن كنت تريدين تحقيق التوازن، فعليك أن تعملي مدربة يوغا نيدرا". وقد كان فريق آخر من الإداريات رفيعات المستوى ممن عملت معهنّ يحملنّ شعار "النجاح أو الموت"، لم يكن لدي الكثير من الشك حول موقع بند "وقتي الخاص" في قائمة أولويات ذلك الفريق بالذات. في ظل هذا الواقع القاسي؛ وإلى جانب الأعباء العائلية الزائدة المفروضة على العديد من النساء، كيف يمكن للنساء في مواقع الإدارة العليا إعادة استجماع طاقتهنّ؟

يكمن جزء من الإجابة في إدراك أنه ليست كل مصادر الطاقة متساوية، ولأوضّح ذلك أكثر؛ فإنّ بعض الأنشطة هي ما أسميها "مزودات الطاقة النفسية الأكثر فاعلية" – أي الأنشطة التي تعزز مستوى الطاقة لديك أكثر بكثير من غيرها، كما وتختلف طبيعة مزودات الطاقة هذه من شخص إلى آخر. إذ لطالما وَجدت النساء الأكثر نجاحاً اللواتي عملت معهنّ أين تكمن تلك المزودات وحرصن على الاستفادة منها بانتظام، إليك هنا بعض الأمثلة:

عند بحثك عن مزودات الطاقة الخاصة بك، حاولي أن تضعي في اعتبارك أمرين: أولاً، تخلي عن الأفكار الموروثة حول ما يفترض أو لا يفترض على النساء أن تكتسب الطاقة منه (إليك ماذا يعني هذا: قضاء الوقت مع الأطفال لا يساهم دائماً في تعزيز مخزونك الذهني)؛ ابحثي عوضاً عن ذلك عن الأمور الأكثر فاعلية. فمثلاً، حصلت إحدى المتدربات لدي على دعم نفسي من خلال ملء نموذج رسم رموز الماندالا؛ حيث كان ذلك نشاطاً شبه تأملي بالنسبة لها. وَوجدت أخرى أنّ تصفح برامج تعليم مهارات الإدارة التنفيذية التي يمكن أن تستفيد منها يعطيها الكثير من النشاط؛ كما لو كانت تقصد قضاء عطلة فكرية، فكما أخبرتني، "استجمع قواي من الأمور التي تجعلني أشعر بأنّ العالم أكثر اتساعاً"، ووجدت ثالثة أنّ ما يعزز طاقتها هو الأدب والاطلاع على التطورات الجديدة في مجال مختلف تماماً عن مجالات اهتمامها.

ثانياً، تساهلي مع نفسك الميالة للمتعة، بالنظر إلى اختبارات الشخصية التي استخدمها؛ فإنّ العديد من القيادات النسائية اللواتي أعمل على تدريبهنّ تسجلنّ درجات منخفضة جداً بشأن التدابير المتعلقة بالتمتع بالحياة. إنهن أناس لديهنّ حس عال بالمسؤولية، وهذه تعتبر ميزة ساهمت بوصولهنّ إلى المراتب العليا، لكن لديهن في المقابل ميل لنسيان قضاء أوقات ممتعة والاستمتاع بالحياة، وربما لهذا السبب، فإنّ مزودات الطاقة لديهنّ لا تتعلق كثيراً بالقليل من الإنفاق السخي. يرافق المناصب القيادية العليا عادة كسب أجور كبيرة – وبينما قد يقودك حدسك إلى ادخار المال؛ لا تغفلي عن أنّ التسامح مع النفس من وقت إلى آخر قد يكون استثماراً جيداً أيضاً.

ابحثي عن حليف لك في العمل

لا تُعتبر حياتك الخاصة المصدر الوحيد للطاقة؛ ففي ظل الظروف الصحيحة، يمكن لعملك أيضاً أن يساهم في تعزيز مخزونك الذهني. وهذا صحيح تماماً خاصة إذا كان فريقك يتصف بالسلامة النفسية، كما تسميه إيمي إدموندسون: وهي محاضرة في كلية هارفارد للأعمال، بمعنى؛ الشعور بأنّ أعضاء فريقك يساندونك وأنه من الآمن ارتكاب الأخطاء أو قول شيء ساذج بحضور الفريق.

تكمن المشكلة في أنّ تلك الظروف غير متاحة عموماً ضمن فرق القيادات العليا، التي غالباً ما تكون سياسية؛ حيث يكون للفشل عواقب أكبر. وفي حين أنّ الوقت والجهد يمكن أن يخلقا إحساساً حقيقياً بروح الفريق في أوساط القيادات العليا، إلا أنه نادراً ما يُعوّل على أعضاء الفريق الجدد في تمكنهم من الانخراط فيه قبل أن يثبتوا أنفسهم. إذاً، ما الذي يمكن فعله لخلق بيئة عمل داعمة نفسياً تساعدك على الحفاظ على طاقتك؟

وجدت أنّ الإجابة تكمن في التخلي عن فكرة أنّ فريقك بأكمله يمكن أن يكون بمثابة ملاذ آمن لك، عوضاً عن ذلك، اعملي على كسب حليف مقرب واحد؛ شخص ما في فريقك لا تترددين في مناقشة الأمور معه من وراء الكواليس، واللجوء إليه عند شعورك بالإحباط الذي حتماً سوف يرافق طبيعة عملك. يمكن للنساء الناجحات في مستويات القيادة العليا اللواتي عملت معهن الإجابة فوراً عن سؤال حول: "من الذي يمكنك التحدث إليه بحرية؟" – وهنّ في المناسبة، يتعمدن رعاية مثل هذه العلاقات واستخدامها لصالح الحفاظ على طاقتهنّ من يوم إلى آخر.

إذا كان الحظ يحالفك؛ فقد يكون لديك بالفعل حليف في عمل، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهناك طرق يمكنك من خلالها تسريع عملية خلق مثل هذه العلاقة. أولاً، لا تركزي بالضرورة على كون الحليف امرأة أو رجل، قد يبدو من الطبيعي أن تحاولي التحالف مع امرأة أخرى (في حال وجودها ضمن الفريق)، لكن ما هو أكثر أهمية من ذلك هو القيم المشتركة: إذ أنّ ذلك الشخص هو من يمكنك أن تتواصلي معه على مستوى أعمق؛ شخص لا تترددي في مشاركة دعابة معه. إنّ التحالفات من هذا النوع تشبه الصداقات إلى حد كبير، حيث تشير إليها بعض المتدربات لدي بأنها "زيجات العمل" – وغالباً ما يتجاوز تشكيلها السمات المشتركة السطحية.

ثانياً، اجعلي شغفك الخاص معروفاً للآخرين، كان لدى ألكسندرا، الشريك في صندوق التحوط، زملاء يحبون كرة القدم الأميركية، لكن؛ وكما قالت لي: "أنا لا أتحدث أبداً عن الرياضة، إذ أنها لا تعنيني"، وعوضاً عن ذلك، فإنها تتقصد إبراز الأمور التي تجذب اهتمامها وتبحث عن الأفراد الذين يستجيبون لها، وتبني علاقاتها على أساس القواسم المشتركة الأصيلة.

أخيراً، اخلقي فرصاً للتحدث مع الأشخاص بشكل انفرادي وخارج مكان العمل المعتاد، إذ أنّ البعض يستقلون السيارة معاً ويقومون بالتنزه، أو أنهم يتعمدون الجلوس جنباً إلى جنب أثناء رحلة طويلة. كما يمكن للروتين اليومي أن يساعد في ذلك أيضاً: حيث قامت بعض المتدربات ببناء تحالفات من خلال ممارسة التمارين الرياضية معاً أو استقلال السيارة ذاتها في طريقهم من وإلى العمل، واستغلال ذلك الوقت لمناقشة الأفكار الجديدة أو فهم كيفية التعامل مع اللعبة السياسية المحيطة بهم. هنالك ما يميز أوقات "ما وراء الكواليس" التي تشجع على الانفتاح وتجعل الظروف مهيأة لإنشاء روابط أقوى.

تغلبي على القلق عن طريق احتذاء قيمك الخاصة

تعتبر سياسة تحمل المخاطر جزءاً لا يتجزأ من الحياة المهنية في المؤسسات، وقلة ممن تبوؤا أعلى المناصب، سواء كانوا رجالاً أو نساء، لم يقوموا بمغامرة شجاعة أو اثنتين خلال مسيرتهم المهنية. لكن في المستويات العليا، تتغير طبيعة المخاطرة بشكل كبير، فهنالك الكثير من الأمور على المحك؛ الكثير من عدم اليقين حول الخيارات التي عليك اتخاذها، وقرارات قد تتطلب منك أن تقفي بمفردك، ومواجهة معارضة فريق آخر موحد من الأشخاص ذوي الأقدمية في هذا الدور.

أجد من واقع تجربتي أنّ النساء تكافح مع هذا الانتقال أكثر من الرجال، لدرجة أنّ القلق يصبح عاطفة طاغية عليهن خلال تأدية عملهن الجديد، وهذا ما يخلق عائقاً مزدوجاً. ذلك القلق المرافق يستنزف الكثير من طاقتك ويهدر فائض مخزونك الذهني. في الوقت نفسه، عندما يكون مستوى القلق لديك مرتفعاً، من الصعب أن تغامري باتباع أساليب جديدة، أو حتى رؤية ما يدور حولك بوضوح. إذاً، كيف للقائدات أن يجدن الشجاعة للتغلب على المشاكل اليومية، أو اتخاذ قرارات صعبة، أو الوقوف بمفردهن في قضية ما – في الوقت الذي لا يُسمح فيه لضغط العمل بأن يَهدر طاقتهنّ؟

كل ذلك تجدينه مترسخاً في دافعك الأكبر: هل تركزين على حياتك المهنية، وتهدفينّ الحفاظ أو حتى تحسين وضعك أو موقفك السياسي في الفريق؟ أو هل تبحثين أكثر عن إحداث تغييرات؟ ومن الغريب أنني أجد النساء اللواتي يركزن على حياتهن المهنية كهدف رئيسي أقل قدرة على التأثير الحقيقي بكونهنّ قائدات. عندما يكون هدفك الأكبر هو تجنب الإخفاقات الملموسة، فإنّ إغراء المكوث على الجانب الآمن يمكن أن يؤدي إلى اتباع نهج يسيطر عليه القلق الدائم، وميل قاتل إلى الابتعاد عن النداءات القاسية والمصيرية.

في المقابل، كانت النساء الناجحات في مستويات الإدارة العليا اللواتي كنت أعمل على تدريبهن على دراية كبيرة بحياتهن المهنية، لكنهنّ لم ينظرن إليها كهدف نهائي. عوضاً عن ذلك، ارتأينّ فيها أداة لتحقيق النتائج والإنجازات وإحداث تغييرات حول الأشياء التي تمثل لهنّ الأهمية الحقيقية. وقد أدى سعيهنّ للقيام بما هو صحيح إلى تحصين أنفسهنّ ضد الوصول إلى حدود القلق القصوى، ما يسمح لهنّ بالاحتفاظ بالهدوء تحت ضغط العمل وتوفير طاقتهنّ لحينما تشتد الحاجة إليها.

لهذا السبب، اسألي نفسك: ما الذي يمكن أن أحسم الأمر بشأنه؟ إنّ القدرة على التحلي بالشجاعة لاحتذاء قناعاتك الخاصة والجرأة على انتهاج مسار معين أمر أساسي – ليس لأنها الطريقة الأسهل والأكثر متعة، ولكن لأنها تمثل الحل الأمثل عندما تكون الأمور معقدة؛ حتى في أعنف المواقف، هنالك هدوء تشعرين به إذ ما حافظت على قناعاتك.

وإذا قمت بدمج التكتيكات الثلاثة التي ذكرتها هنا يمكن لذلك أن يُحدث الفرق الحقيقي في ما يتعلق بإدارة طاقتك وتحقيق النجاح في مواقع القيادة العليا، ويعتبر ذلك أمراً في غاية الأهمية لأكثر من سبب؛ وأحد تلك الأسباب هي أنّ الكثير من الأمور في الميزان، سواء كان ذلك يتسم بالعدل أو لا؛ إذ تواجه النساء اللواتي ينخرطن اليوم في الإدارة العليا عبئاً إضافياً متمثلاً في إثبات قدرتهنّ على أداء أعمالهن بطريقة جيدة أو حتى بأسلوب أفضل من أقرانهنّ الذكور. لا يكفينا تحطيم الحواجز؛ بل علينا التأكد من أنها سوف تبقى محطمة، ولتحقيق هذه الغاية، نحتاج للعمل على كيفية جعل المزيد من النساء تصلنّ إلى المراتب العليا، وعلى فهم كيفية تمكنهنّ من تقديم أفضل ما يملكنّ فور وصولهنّ.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!