أجرت هارفارد بزنس ريفيو مقابلة في أحد برامجها الصوتية (بودكاست) مع آشلي ويلانز، وهي أستاذة في كلية هارفارد للأعمال، حيث تُجري أبحاثاً في مجال المقايضة بين المال والوقت. وويلانز هي مؤلّفة مقالة "الوقت من أجل السعادة" (Time for Happiness) على موقع هارفارد.

ننقل إليكم مقتطفات من هذه المقابلة:

تقول آشلي ويلانر إنّ المزيد من الأشخاص سيكونون أكثر سعادة إذا أنفقوا المزيد من المال لإبعاد أنفسهم عن التجارب السلبية. يُظهر بحثها أنّ دفع المال للاستعانة بخدمات أشخاص آخرين للقيام بالأعمال المنزلية أو للاستمتاع بوقت أقصر للتنقل إلى العمل ومنه يمكن أن يترك تأثيراً كبيراً على السعادة والعلاقات.

كيرت نيكيش: مرحباً بكم في برنامج "آيديا كاست" المقدم من هارفارد بزنس ريفيو، معكم كيرت نيكيش.

أفكّر باستمرار في شيء قاله أحد الضيوف مؤخراً في البرنامج.

تيريزا آمابيل: نعيش منذ عدة عقود وكأنّنا مستأجرون في بنية الحياة التي أنشأتها لنا مؤسساتنا. نعرف أين سنذهب في التاسعة صباحاً من الأحد حتى الخميس، وتتمحور عطلاتنا الأسبوعية أيضاً حول هذا الموضوع لأننا نعرف أننا سنستغل يوماً كاملاً أو نصف يوم من أجل إتمام الأعمال التي لم تكن لدينا فرصة للقيام بها.

كيرت نيكيش: هذا ما قالته تيريزا آمابيل في الحلقة 665. قالت ذلك في معرض الإشارة إلى بحثها حول التقاعد، ولكن ما أدهشني كانت تلك الفكرة التي تقول إنّ وظيفتك تدلّ على كيفية قضائك لأيام الإجازة.

ولهذا أشعر بالحماس لحلقة اليوم، فضيفتنا اليوم تؤمن بأنّ الناس يمكن أن يكونوا أكثر سعادة إذا أنفقوا المزيد من المال الذي يكسبونه في العمل للاستفادة من الوقت الذي لا يعملون فيه.

تجري آشلي ويلانز بحثاً حول المقايضة بين الوقت والمال – وتقول إنّنا غالباً ما نخطئ في هذه المقايضة. ترى أنّه علينا إنفاق المزيد من المال على الأشياء التي نحبّها وأيضاً من أجل الابتعاد عن الأمور التي لا تسعدنا، مثل العمل في الحديقة، والطهي، والتنقّل.

آشلي، شكراً لك على المشاركة في هذه المقابلة.

آشلي ويلانز: شكراً جزيلاً على استضافتي.

كيرت نيكيش: توصّل بحثك إلى أنّ الناس السعداء يستخدمون أموالهم لشراء الوقت. ولكن ثمة مقولة تفيد بأن المال لا يمكنه شراء السعادة، غير أنك في الواقع تقولين إنه إذا استخدم المزيد من الناس أموالهم لشراء الوقت فيمكنهم الاستفادة من ذلك الوقت ليكونوا أكثر سعادة.

آشلي ويلانز: نعم، نرغب بشدة في عكس القول المأثور لبنجامين فرانكلين رأساً على عقب لنقول: "حسناً، إذا كان الوقت هو المال، يمكننا التفكير أيضاً بأن المال يمكنه شراء الأوقات السعيدة". يركّز البحث الذي أجريه على استخدام المال لإبعاد أنفسنا عن التجارب السلبية، مثل إلغاء الدقائق السلبية من أيامنا، وإلغاء الوقت الذي نقضيه عالقين في زحمة السير، وإلغاء ساعات العمل الإضافية التي نقضيها في تضييع الوقت، ويجب أن نتوجّه فعلاً إلى المنزل ونلغي ساعات العمل في تنظيف البيوت.

في الواقع، مهما كانت الطريقة التي ننفق فيها المال من أجل توفير الوقت – مثل الحصول على تجارب إيجابية لأنفسنا – فإنّ لها تأثيرات موثوقة وإيجابية على سعادتنا في الأيام والأسابيع والشهور والحياة التي نعيشها.

كيرت نيكيش: على الرغم من أنّ الناس يشعرون أنّ الحياة باتت تشغلنا كثيراً، كما تعلمين، فأنت تشيرين في بحثك إلى أنّ المواطن الأميركي، على سبيل المثال، بات لديه وقت فراغ أكثر مما كان عليه قبل 40 عاماً. ويبدو كما لو أنك تقولين إنّ الناس في هذا الوقت يمتلكون وقتاً أكثر، ولكنهم يقضونه في جني المال أو العمل في وظائف تجعلهم أكثر انشغالاً بدلاً من أن يستخدموا هذا الوقت.

آشلي ويلانز: نعم، أظن أنّه من المثير للاهتمام أنّ ساعات العمل قد انخفضت غير أنّ الناس يشعرون بمزيد من التوتر. وأعتقد بالضبط أننا نظن أنّ الانشغال هو رمز على المكانة الاجتماعية. نركّز على المضي قدماً وخصوصاً في ثقافة أميركا الشمالية، لذلك أعتقد بوجود العنصر التالي: على الرغم من أنّ لدينا الكثير من وقت الفراغ فإننا قد نملؤه أكثر بالعمل أو التنقل لأماكن بعيدة لأننا نرغب في أن يكون لدينا هذا المنزل الجميل والذي لن نتمكن من قضاء أي وقت من أوقاتنا فيه. نحن لا نستمتع بوقتنا لأننا دائماً ما نقضي وقتاً طويلاً في التنقل إلى العمل ومنه ولمسافات بعيدة حقاً.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الاتصال الدائم بالإنترنت وفي كل مكان يعني أيضاً أنّنا نختبر ما يطلق عليه بعض الباحثون تسمية "قصاصات الوقت (time confetti) (وهي تعني مقدار الوقت الذي نقضيه في أداء مهام صغيرة طوال اليوم). وبالتالي، ربما نكون نحاول ملء وقتنا بمزيد من العمل وأن نكون أكثر إنتاجية، ولكن وقتنا أيضاً أصبح مجزأ أكثر. لقد أصبحنا مشتتي الذهن أكثر، وهذا يساهم أيضاً في زيادة مشاعر القلق المرتبطة بالوقت.

في المقابل، من الصعب تتبع الوقت، كما أنه حتى لو كان لدينا الكثير من الوقت فإنّنا نضيعه. من الأمور اللافتة، في إحدى الدراسات التي أجريتها مع بعض الزملاء وجدنا أنّ شراء الوقت أو إنفاق المال على الخدمات الموفرة للوقت ينبئ بسعادة أكبر ويقلّل من الإجهاد، وهذا ما لا يحصل بسبب مقدار الوقت المرغوب الذي وفّرناه.

يبدو أنّ مجرد التفكير في إنفاق المال للحصول على وقت فراغ إضافي يدفع الناس إلى تحسين إدارة وقتهم قليلاً. فإذا كنت سأتكبد هذه الكلفة للحصول على وقت الفراغ هذا، سأحرص على الاستمتاع بوقت الفراغ الذي لدي.

كيرت نيكيش: ما رأيك بالحجة القائلة أنّ المستقبل لا يمكن التنبؤ به، وكذلك لا يمكن غالباً التنبؤ بالأمان المالي أو المستقبل المالي. وما رأيك ببعض الطرق التي تعلّمنا فيها كيفية التفكير بالوقت مقابل المال، مثل إذا كان لديك وقت الآن ويمكنك جني المال عليك الادخار لكي يكون لديك مال تنفقه في المستقبل في حال كنت بلا عمل.

آشلي ويلانز: أجل، وأعني أنّ الناس الذين يشعرون بعدم اليقين حيال مستقبلهم المالي يُرجح أنهم يقدرون المال أكثر ويشعرون بالرضا أكثر بوجود هذه القيمة، وهذا منطقي للغاية. إذا كنت غير متأكد كيف ستكون عليه سنواتك الخمس أو الست أو السبع المقبلة يجب أن يكون هدفك الأساسي في الحياة هو تقدير المال لكي تشعر أنّ مستقبلك مؤمن وآمن – مثلما كنت تقول إلى حد كبير. وأنا لا أجادل في هذا.

هذا لا يعني أنّه لا ينبغي لنا التفكير خارج الهوامش سواء ضمن سلّة دخلنا المتبقية المتاحة – أو ضمن مجموعة الأموال التي ننفقها للاستمتاع بحياتنا – وأنّه لا ينبغي التفكير في توفير الوقت. ولهذا السبب أوضح هذه النقطة، فزملائي وأنا كثيراً ما نجادل بأنّه في في كل مرة نفتح فيها محفظتنا لشراء شيء ما، (الشراء بدخل متاح)، نحتاج إلى التفكير بما يلي: هل يغيّر هذا المال الطريقة التي أقضي فيها وقتي؟

كيرت نيكيش: هلّا أخبرتنا بإحدى الطرق التي درّبت فيها نفسك على إنفاق المال على أمور أخرى حيث كان هذا الإنفاق ربما بديهياً في البداية ثم بدا منطقياً عندما قدّرت وقتك بطريقة صحيحة؟

آشلي ويلانز: عندما تكون في الجامعة لا يكون لديك الوقت ولا المال وتحاول جاهداً توفير المال قدر الإمكان. وكذلك من الأمور التي فعلتها خلال دراستي في الجامعة كنت أعيش بعيداً عن المكان الذي أعمل فيه. كنت أقضي ساعات في الحافلة كل يوم لخمس سنوات لأنها أقل تكلفة، بينما كان يمكن لي العيش مع شريكي في شقة أكبر قليلاً وأوفر المال بهذه الطريقة.

وهكذا عندما انتقلت إلى وظيفتي كان لدي هذا الحدس، هذا الشعور القوي بأنّه ينبغي عليّ فعل الشيء نفسه، أي أنه يجب عليّ أن أعيش في المكان الأرخص حتى لو كان بعيداً بعض الشيء. كما توجب علي أن أواجه كل حدس كان يقول: "ولكن فكّري في قدر المال الذي يمكنك توفيره عن طريق الإيجار!".

كتبت هذه الأطروحة الهائلة حول حقيقة أنه يجب علينا تقدير الوقت أكثر من المال، ولكننا نخطئ دائماً عند اتخاذ قرارات رئيسية وثانوية في الحياة. كنت أفكر بطرق مثل: "حسناً آشلي، يمكنك فعل ذلك، يمكن دفع الكثير من المال لإيجار الشقة والعيش بالقرب من مكان العمل بحيث تستطيعين المشي هناك، ستكونين إنسانة جديدة. ولكن هذا الأمر سيكون مرهقاً لأن لديك الكثير من الأمور التي ينبغي القيام بها". لقد فعلت هذا الأمر مؤخراً وأعتقد أنه أضاف الكثير من السعادة لحياتي وخفف التوتر بالفعل. أمشي إلى المكتب سيراً على الأقدام، وكل شيء بات يمكن الوصول إليه مشياً من منزلي.

كيرت نيكيش: أشعر وكأن الكثير من تصرفاتي مبني على طريقة عيشي في الجامعة، حيث كان لديّ وقت أكثر من المال واعتدت على فعل كلّ شيء بنفسي. وثمة أيضاً ذلك النوع الأميركي من الاعتماد على الذات، حيث يهتم المرء بالأعمال المنزلية وينجز الأمور من دون الحاجة إلى الاستعانة بشخص ما لفعلها مقابل أجر.

آشلي ويلانز: نعم، وأعتقد أنّ هذا أحد الأسباب التي تجعلنا نرى الواقع كما نراه. ولهذا نعمل على خطّ جديد ضمن البحث مع لورا بارك في جامعة بوفالو، ونبحث في التجارب التي مرّ بها الشخص في طفولته مثل مقدار المال الذي كان لديه ونسبة عدم المساواة في الدخل في المكان الذي نشأ فيه، وذلك لمعرفة تأثير هذه التجارب على تشكيل طريقة تفكير الكبار بشأن مواردهم المالية واتخاذ القرارات بعد 15 أو 20 سنة.

كما نرى أنّ النشوء في بيئة مالية غير مستقرة يستمر حتى سن الرشد. ينطوي الأمر على القليل من إعادة التدريب. أريد حقاً أن أعود مرة أخرى إلى الفكرة القائلة أنّ الأمر يتعلق باتخاذ إجراءات صغيرة – لا تفعل أي شيء مبالغ فيه، ولكن تريّث قليلاً وفكّر في إمكانية الاستعانة بأشخاص آخرين لإنجاز شيء لا يعجبك ويوترك كثيراً وتستطيع تحمل تكاليفه.

وإذا كان هناك أي شيء يومي تكون إجابته عن هذا السؤال هي "نعم"، فيجب عليك تجربته. حاول إنفاق بعض دخلك المتاح بهذه الطريقة. هل هناك طرق يمكنني فيها أن أكون أكثر فعالية بحيث أستطيع التخلي عن بعض المال للحصول على مزيد من الوقت؟ رحلات مباشرة، توصيل البقالة إلى المنزل – ليس طوال الوقت، لا تستعن بمصادر أخرى وأشخاص آخرين لكلّ شيء.

نظهر من خلال بياناتنا أنّ الأشخاص الذين يكثرون من الاستعانة بمصادر وأشخاص آخرين لإنجاز بعض الأعمال كانت مستويات السعادة لديهم منخفضة. وربما يعود ذلك في جزء منه إلى أنهم يشعرون أنّ حياتهم ستخرج عن السيطرة إذا لم يتمكنوا من إجراء عملية غسل ثياب واحدة في عطلة نهاية الأسبوع. لذلك أعتقد أنّك أثَرت نقطة مهمة نجدها في بياناتنا: نريد أن نبدو مكتفين ذاتياً.

يكمن أحد الأسباب في أننا لا نطلب المساعدة بما يكفي، ولا نستعين بمصادر خارجية بما يكفي، وحتى عندما ندفع المال الذي جنيناه بشق الأنفس لشخص آخر مقابل وقته نريد أن نشعر أننا نستطيع فعل كل شيء. في ثقافة أميركا الشمالية على وجه الخصوص، لدينا فكرة الشعور بالفشل إذا لم نستطع بشكل أو بآخر تأمين أفضل حياة منزلية وأن نكون ناجحين في العمل. وجدت في دراستي أنّ الناس يشعرون بالذنب تجاه الاستعانة بأشخاص آخرين حتى لو كانوا يتخلّون عن المال مقابل الحصول على وقت أكبر.

كيرت نيكيش: ثمة ضغط اجتماعي هنا، مثل – لا أعرف، يمكن أن تشعر أنك مبذر إذا استعنت بخدمات توصيل البقالة إلى المنزل. لقد عشت في منطقة قد تبدين فيها مضكة في حال استعنت بجرافة لتسوية الأرض، حيث يُتوقع من الجميع تشذيب العشب في أرضه. قد تشعرين بالذنب لفعل شيء مثل الاستعانة بأشخاص آخرين لتنفيذ الأعمال عوضاً عنك. أتساءل عما إذا كان ذلك من الأمور الكبيرة التي تمنع الناس من فعل ذلك، وكيف يمكنهم تخطّيه أيضاً؟

آشلي ويلانز: لدينا ورقة بحثية تبين ما تتحدّث عنه بالضبط، إذ يشعر الناس بالذنب للاستعانة بأشخاص آخرين لتنفيذ مهامهم. لدينا أيضاً بعض البيانات الجديدة التي تُظهر أنّ العملاء مستعدون للدفع مقابل خدمات سرية. _لا نريد الوصول_ إلى هذا النقطة التي نشعر فيها بالضغط، لا نريد أن نبدو وكأننا لا نستطيع الحفاظ على فناء منزلنا، وبالتالي نشعر بضغط اجتماعي يمنعنا من الاستعانة بأشخاص آخرين لإنجاز مهامنا حتى لو كان الاقتصاد يجعل من الأمر سهلاً جداً.

ومن الطرق التي أعتقد أنّها تساهم في تغيير هذا الشعور بالذنب، التفكير في الأشياء التي سنفعلها في هذا الوقت، من لقاءات مع الأصدقاء والعائلة والمزيد من الوقت لأنفسنا. قد لا يكون باستطاعتك تغيير عدد الساعات التي تعمل فيها أسبوعياً، ولكن قد يكون بإمكانك تغيير عدد الساعات التي تمضيها في ترتيب فناء منزلك.

لذلك، عليك التركيز على ما كان سيحققه لك الوقت وليس على نظرة الناس إليك. كما ينبغي لك التفكير أيضاً في المنافع التي يعود بها هذا العمل على مقدم الخدمة، فقد وجدنا أنّ المستهلكين يميلون للاستعانة بأشخاص آخرين عندما يركزون على المنافع التي يحصل عليها مقدم الخدمة عندما يطلبونها من شركات توفر لموظفيها أجوراً جيدة.

وأعتقد أيضاً أنّ ثمة ما ينبغي لمزودي الخدمات أو الشركات فعله من أجل جعل الخدمة سرية في حال كان هذا ما يريده العميل، نظراً إلى وجود الكثير من الضغوط الخارجية لكي نبدو وكأننا نواكب كل متطلبات العمل والحياة.

كيرت نيكيش: هل يمكن اعتبار التوصل إلى قيمة لوقتك، مثل تقييم كل ساعة بدولار واحد، من الطرق الجيدة؟ أعلم أنّ هذا من الأمور التي يخبرها على سبيل المثال المستثمرون المغامرون الذين يستثمرون في الشركات الناشئة لمؤسسي هذه الشركات. ويقولون: "أي شيء يمكنك إنجازه بأقل من كذا دولار في الساعة فعليك توكيل شخص آخر به ولا تفعله بنفسك". هذ هذه إحدى الطرق لفعل ذلك – أي لتقييم الوقت بالمال؟

آشلي ويلانز: سأخبرك؛ ما قد يساعدك في ذلك هو تخطي الذنب الذي قد تشعر به حيال التخلي عن المال للحصول على المزيد من وقت الفراغ – وأن تقيّم وقتك بالدولار وتقول: "حسناً إن لم يعجبني ذلك فقد يسبب لي التوتر، ووقتي يساوي أكثر مما تكلفي الاستعانة بمصادر خارجية وأشخاص آخرين، ولكن علي فعل ذلك. أنا أتخذ قراراً غير مثالي".

ومع ذلك، على الجانب الآخر، أظهر بحثي، البحث الذي عمل عليه ستانفورد ديفو وجيف فايفير، أنّ مجرد التفكير بالوقت على أنه مال يقلل من استمتاع الناس بوقت فراغهم، ويدفعهم لأن يكونوا اجتماعيين بنسبة أقل، وأن يكون سلوكهم الاجتماعي الإيجابي أقل أيضاً، كما يرفع لديهم هرمون الكورتيزول الذي يُعتبر مسؤولاً عن التوتر. لذلك علينا أن نكون حذرين بعض الشيء، فتقييم وقتنا بالدولار يمكن أن يدفعنا إلى الاستعانة بأشخاص آخرين على الأرجح، ولكنه قد يقوض قدرتنا على الاستمتاع بوقت الفراغ الذي اشتريناه للتو.

كيرت نيكيش: أقدّر ذلك أيضاً، ولقد سمعت هذا كثيراً من أشخاص يعملون بدوام حر، على سبيل المثال، أو لنقول من سائق سيارة شركة أوبر ولديه بضع ساعات فراغ يوم السبت. وإذا فعلت شيئاً وأنفقت المال على شيء ما، ستجرين حسابات في رأسك وتقولين أنا لا أجني الكثير من المال الآن لأنني لا أعمل. وهذا قد يصعب عليك كثيراً الاستمتاع بوقت فراغك لأنك غالباً ما تفكرين في تكلفة الفرصة البديلة في كل وقت إذا قيمته بالدولار.

آشلي ويلانز: من الأمور التي أجريناها في التجارب كانت مساعدة الناس على توليد تكاليف هذه الفرصة، وذلك لأن الناس لا يجيدون توليد تكاليف الفرصة تلقائياً، خصوصاً بالنسبة للوقت. لذلك في حال لم نكن قادرين على التفكير بشكل جيد، (يمكن الأخذ بعين الاعتبار الفكرة التالية): "حسناً، إذا قضيت ثلاث ساعات في غسيل الثياب، فهذه ثلاث ساعات يمكن أن أقضيها في فعل شيء آخر".

وبالتالي، كان أحد الأمور التي فعلناها هو التخلص من التفكير القائم على أنّ "الوقت هو المال"، وكذلك مساعدة الناس على إدراك أنّ لكل قرار تكلفة. نحن نعمل على تذكير الناس بأنه إذا كان لديك عطلة نهاية أسبوع مزدحمة ولديك أربع أو خمس ساعات للقيام بالأعمال المنزلية، فهذا يعني أنك ستخسر أربع أو خمس ساعات كان يمكن أن تقضيها بأي طريقة أخرى يمكنها أن تفرحك وأن تكون ذات معنى لك.

وفي الواقع، مجرد مساعدة الناس على تذكر أنّ أي قرار صغير بكلفة تتمثل في القدرة على فعل شيء آخر، يبدو أنّه يدفع الناس نحو إجراء عمليات شراء موفرة للوقت. وبالنسبة إلى حديثنا، لا يحتمل لهذا القرار أن يجعل لا يستمتعون بوقت فراغهم لأنّهم يحسبون وقتهم بالمال.

لذا، مجرد التفكير بأنه "إذا قضيت فترة بعد ظهر يوم سبت في جولات غير مرغوب بها، فماذا قد يفوتني؟". هذا السؤال فقط يمكن أن يساعد الناس على تركيز سلوكهم أكثر على الوقت، حتى لو كان على حساب المال.

كيرت نيكيش: ثمة حجة اقتصادية، وهي نوع من الميزة النسبية، تفيد بأنه بدلاً من قضاء وقتك في الغسيل أو إنجاز بعض المهام في عطلة نهاية الأسبوع، يجب أن تسهري الليالي وأن تعملي لساعات إضافية للحصول على ما يكفي من المال لدفع مقابل القدر نفسه من العمل وتوظيف شخص لإنجازه. ومن ثمّ تشعرين وكأن ذلك لم يكلّفك شيئاً – هل هذه خطوة وسطية جيدة، أو هل تشعرين أنّ هذه فكرة خاطئة لأنك ما زلت تقضين الوقت من دون أن تستمتعي به؟

آشلي ويلانز: تعجبني هذه الفرضية، على الرغم من أنّنا نعرف من خلال الكثير من أبحاث الاقتصاد السلوكي أنّ الناس لا يتصرّفون بعقلانية. وبالتالي، من سيقول أنّك لن تعمل بضع ساعات إضافية ومن ثمّ تقرر أن تعمل بضع ساعات أخرى بسبب الشعور بالذنب وبسبب المعايير الثقافية، وأنك لن تستعين بمصادر خارجية على أي حال؟

أعتقد في الواقع أنّ ما يسهم في هذا الفخ في المقام الأوّل هو أن نفكر بهذا: "إذا كنت أجني مالاً أكثر بقليل، فيمكنني الاستعانة بشخص آخر يمكنه إنجاز المهام التي لا أحبها، ولكن فقط في حال كسبت أكثر من المال". ولكننا نرى أنه حتى أغنى الناس في العالم – كالأشخاص الذين يمتلكون ودائع في البنك تصل إلى 3 ملايين يورو – فإنّ نسبة الذين يستعينون بأشخاص آخرين لإنجاز المهام غير المرغوب بها تصل فقط إلى 48 أو 50%.

لذلك أعتقد أنّ الحجة قوية، ولكنني لم أقابل بعد في دراستي أشخاصاً يتصرفون بطريقة تتسق مع هذا النموذج الاقتصادي العقلاني: "إذا كنت أجني مبلغاً معيناً وأعمل لبضع ساعات إضافية، يمكنني استخدام الفائض الذي أحققه في وقت الفراغ هذا في الاستعانة بأشخاص آخرين لإنجاز مهامي غير المرغوب بها".

كيرت نيكيش: ماذا عن الطرف الآخر من الطيف الاقتصادي؟ تتحدثين عن الافتقار للوقت هنا، ولكن ماذا لو كنت تفتقرين إلى المال ولا تمتلكين 3 ملايين يورو في البنك؟ هل ينطبق هذا المفهوم على أشخاص في الطرف الآخر من الطيف الاجتماعي-الاقتصادي؟

آشلي ويلانز: نعم، ما نراه في بياناتنا يبيّن أنّ الناس الذين يكونون من مستويات اجتماعية واقتصادية أدنى – والذين يجرون عمليات شرائية موفرة للوقت عمداً – يستفيدون أكثر من عمليات الشراء هذه مقارنة بالأشخاص الذين يكونون في المستويين الأوسط والأعلى من سلّم الدخل.

ونعتقد أنّ ما يجري هنا يمكن تفسيره في أنّ الأشخاص ذوي الإمكانيات المادية المحدودة يرجح أن يفتقروا إلى الوقت أيضاً. قد يكونون يعملون في عدة وظائف، وقد يكون معيل العائلة أم عزباء أو أب أعزب، وقد يكون عليهم التنقل لمسافات بعيدة لأن المكان الوحيد الذي يمكنهم العيش فيه هو مكان بعيد جداً عن مكان عملهم.

وكذلك زميلي كولن ويست وأنا نعمل على تجربة ميدانية واسعة في كينيا، في أكبر الأحياء الفقيرة فيها الذي يُعتبر من أكبر الأحياء الفقيرة في أفريقيا. ندفع للنساء مقابل 10 ساعات و15 ساعة من العمل غير المأجور أسبوعياً لمعرفة ما إذا كان عبء العمل غير المأجور يقع على عاتق النساء – وخصوصاً على النساء في البلدان النامية اللواتي غالباً ما يتحملن عبء معظم هذه التكاليف الإدارية.

نهتم الآن في النظر في عمليات الشراء الموفرة للوقت، مثل تخلّص النساء من طهي الطعام وغسيل الثياب في هذه الحالة، وهو ما يأخذ منهن وقتاً طويلاً، لأنّ النساء هنا (في كينيا) يغسلن الثياب يدوياً ثمّ يراقبنها لكي تجف كيلا يسرقها أحد.

نبحث فيما إذا كنا سنرى تأثيرات أقوى على النساء اللواتي يعشن على خط الفقر أو تحته، وذلك لأنّ الأشخاص الذين يكسبون مبالغ أقل من المال غالباً ما يكونون الأكثر افتقاراً للوقت.

كيرت نيكيش: إذاً دعينا نتحدث عن بعض الأمور السهلة أو أفضل ما يمكن للناس البدء به، وهذا ما أعتقد أنّه ورد كثيراً في حديثنا لأنك تحدثت عن غسيل الثياب وطهي الطعام والأعمال المنزلية والتنقل. هل تُعتبر هذه من أفضل ما يمكن البدء به إذا كنّا نبحث عن شراء الوقت؟

آشلي ويلانز: نعم، أعتقد أنّ هذه الطرق هي الأسهل: بعض الأمور مثل دفع المال لأحد الأشخاص من أجل تنظيف المنزل أو الاستعانة بأشخاص آخرين من أجل طهي الطعام – والأمور التي يتعين علينا القيام بها كل يوم مثل التنقل والعمل في فناء المنزل. هذا نوع من الطرق للبدء بذلك. أعتقد أنّ الأمر الأهم وربما الأكثر صعوبة هو التفكير من أين يمكننا أن نعمل بقدر أقل، والاستغناء عن بعض ما لدينا من مال للحصول على مزيد من الوقت بطريقة جوهرية.

أعمل على دراسة جديدة تظهر أنّ طلاب الجامعات الذين يقدرون المال أكثر من الوقت يعانون من انخفاض في مستويات السعادة خلال الأعوام المقبلة مقارنة بالطلاب الذين يقدرون الوقت. فالطلاب الذين يقدرون الوقت يُرجح أن يتخذوا خيارات وظيفية تتيح لهم المزيد من وقت الفراغ ولكن مع دوافع جوهرية أكثر.

وبالتالي يشعرون بسعادة أكبر لبضع سنوات أكثر من الطلاب الذين يتخذون قراراتهم المهنية بناء على المال. والأمر الأصعب من أجل تحقيق السعادة، وربما الأكثر أهمية، هو التفكير أيضاً في كيفية اتخاذ قرارات حياتية مهمة تمكّننا من الحصول على وقت فراغ أكثر.

كيرت نيكيش: إذاً، هذه قرارات حياتية كبيرة مثل الوظيفة والحياة المهنية. ولكن حتى الأمور مثل أي وظيفة أختار؟ هل الوظيفة التي تجعلني أقود السيارة لمسافة أطول مع ساعات إجازة أقل، أم الوظيفة التي قد لا تكون متطلباتها كثيرة وأقرب إلى المكان الذي أعيش فيه وتمنحني المزيد من الإجازات؟ هذه خيارات كبيرة، حتى لو كنا عالقين في مهننا ولا يمكننا تغييرها حالاً. فإذا كنت أعمل في مجال المالية، قد يكون من الصعب تغيير مهنتي من أجل السعادة فقط.

آشلي ويلانز: ولكن ربما تفكر أيضاً فيما إذا كنت تريد القبول بهذا الأمر أم لا وفقاً لمقدار وقت الفراغ الذي ترغب به. إذا كنت تخطط لتأسيس عائلة، ستفكر في الأمر وتتحدث عنه مع نفسك وأيضاً مع شريكك. وبالتالي يمكنك التفكير في الوقت كمورد تتشاركه مع شريكك إذا كنتما تعيشان معاً، وكذلك التفكير في إمكانية زيادة كفاءة المقايضة بين الوقت والمال من أجل نفسك ومن أجل شريكك وعائلتك أيضاً.

وربّما قد يعني ذلك أنّ أحدكما يضحي أكثر من الآخر، وربما يحاول كل منكما تقديم بعض هذه التضحيات سوياً من أجل الحصول على مزيد من الوقت معاً كعائلة.

كيرت نيكيش: وهذا يشمل الحديث عن الأمر واتخاذ قرار بشأنه أيضاً.

آشلي ويلانز: نحن في الواقع نجري بعض الأبحاث على هذا الأمر في الوقت الحالي – كيف تتحدث عن القرارات المتعلقة بالوقت والمال مع شريكك؟ لا يوجد الكثير من البيانات حول هذا السؤال مع أنّها مهمة للغاية. لقد أنهينا للتو دراسة كبيرة حول الأزواج الراشدين العاملين حيث أحضرناهم إلى المختبر وطلبنا منهم التحدّث عن هدف مالي أو هدف يتعلّق بالوقت، وذلك من أجل الحديث عن مقايضات المال والوقت.

كما نريد أن نعرف – بينما نحلّل البيانات – أيّ الأزواج يشعرون بسعادة أكبر، وكيف يجب أن يجري الحديث عن هذه المسائل. لذلك آمل أن نتوصل إلى بعض الرؤى في غضون أشهر.

كيرت نيكيش: أخيراً، أتساءل عن مقدار تأثير العمل في المصانع وتسجيل الدخول والخروج وقياس الأمور بالساعة. نحن نفكّر بهذه الطريقة حتى لو كنا عمالاً بأجر. ما مدى تأثير الطريقة التي يعمل بها الناس على هذا الأمر؟

آشلي ويلانز: أعتقد أنّ الكثير من التفكير القائم على أنّ "الوقت هو المال" والتركيز على هذه النتائج الإنتاجية، سببهما من الثورة الصناعية واعتيادنا على قياس مدخلاتنا كمياً عن طريق الوقت ومقدار ما أنتجناه.

ولكنّنا الآن نعلم أنّ أماكن العمل قد تغيّرت كثيراً، وأصبحت نسبة كبيرة من القوى العاملة تتألف من عمال يتمتعون بمهارات معرفية مع ساعات عمل مرنة، حيث يتعين عليهم إنجاز أعمال إبداعية. وثمة الكثير من الأبحاث التي تشير إلى أنّ أحد أهم الأمور للإبداع والإنتاجية في هذه المجالات النوعية التي ليس لها نتائج ثابتة بالضرورة، أو للكثير منها، هو الوقت.

كلما ازداد شعورنا بالتوتر عملنا أكثر، ويأتي هذا في الواقع على حساب إنتاجيتنا وإبداعنا في سوق العمل في هذه الأيام. لذلك أعتقد أنك محقّ تماماً فيما يتعلّق بأنّ الكثير من هذا التفكير قد ورثناه من الماضي، لكنني أعتقد أننا بحاجة إلى القيام بعمل أفضل كأفراد ومؤسسات ومدراء من أجل إنشاء مكان عمل والتوصّل إلى عملية تفكير حيال العمل يعكسان مطالب اليوم.

كيرت نيكيش: آشلي، لقد كان هذا مهماً للغاية وأعتقد أنّ هذه المشكلة موجودة لدى الكثير من الناس. أود أن أشكرك كثيراً لمشاركتنا بعض الرؤى من بحثك حول كيف نستطيع تحسين التحكم في الأمور التي يمكن التحكم بها، مثل الطريقة التي نقضي بها وقتنا وننفق بها أموالنا. لذلك شكراً جزيلاً لك.

آشلي ويلانز: شكراً لك.

كيرت نيكيش: كانت هذه آشلي ويلانز، أستاذة مساعدة في كلية هارفارد للأعمال، ومؤلّفة مقالة "الوقت من أجل السعادة" (Time for Happiness) على موقع هارفارد. لمعرفة المزيد عن المقايضة بين الوقت والمال ولإجراء اختبار حول سلوككم في قضاء الوقت وإنفاق المال، زوروا _HBR.org/time_.

أنتج هذه الحلقة ماري دوو، وتلقينا المساعدة التقنية من روب إيكهاردت، وكان معنا في إدارة إنتاج الصوت آدم باخهولز.

نشكركم على الاستماع إلى برنامج "آيديا كاست" المقدم من هارفارد بزنس ريفيو. كان معكم كيرت نيكيش.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!