تدّعي جميع شركات الطيران الجديرة بالاحترام أنها تضع سلامة ركابها قبل أي شيء آخر. وفي واقع الأمر، يجب على هذه الشركات أن توازن بين ضروريات الأمان والربحية المتضاربة أحياناً. فمن دون أدنى شك ستأتي لحظات لا يسأل فيها المسؤولون التنفيذيون عن "مستوى الأمان الذي يمكننا الوصول إليه؟" بل "ما هو مستوى الأمان الذي يجب علينا الوصول إليه؟" أو "ما هو مستوى الأمان الذي بوسعنا تحمل تكلفة الوصول إليه؟". وتعتبر هذه الأسئلة الصعبة والمزعجة حقيقة لا مفر منها عند مزاولة أعمال تجارية في قطاع يتمحور حول تكنولوجيا قد تنطوي على مخاطر.

نستعرض في مقالتنا المقبلة في مجلة "علم المؤسسات" (Organization Science) الأبحاث التي قمنا بها في مجال إدارة شركات الطيران لعمليات المفاضلة تلك، وتحديداً كيفية تأثير الأداء المالي على تركيز هذه الشركات على مستوى الأمان. عندما بدأنا بحثنا، كان افتراضنا هو أن شركات الطيران الأكثر نجاحاً (تلك التي تحقق أرباحاً مضمونة) ستكون في صدارة الشركات من حيث الأمان، وهي نفس النظرة العامة التي تدعمها الأبحاث السابقة. ولكن في عملنا، قمنا على وجه التحديد بالنظر في الوقت الذي قررت فيه شركات الطيران استبدال طائرات معينة. وفي هذا السياق بالذات اكتشفنا بدلاً من ذلك أن شركات الطيران الأقل ربحية كانت الأكثر ميلاً للاستثمار في طائرات جديدة بعد تحطم أحد الطرز من أسطولها، كما حدث مؤخراً مع الطائرات من طراز بوينغ 737 ماكس 8، حتى لو لم تشغل تلك الشركات هذه الطائرة بعد.

وتعد عملية تغيير بنية الأسطول، التي تتمثل في استبدال طُرز الطائرات القديمة التي تمتلك سجل حوادث "عادي" بطُرز تعتبر آمنة جداً، إحدى الطرق التي تمكِّن إدارة شركة الطيران الرفيعة من تعزيز مستوى الأمان لديها. وكما يتوقع البعض فإن هذه الصفقات تتضمن عادة بيع الطائرات بأسعار منخفضة وشراء أخرى بأثمان باهظة. وهذا يعني أن شركة الطيران تتكبد خسائر مالية في هذه الصفقات.

ولتقصي عمليات بيع الطائرات وشرائها، حصلنا على إحصائيات بنية الأساطيل من خلال موقع (www.airfleets.net)، الذي يقدم بيانات كاملة حول طائرات السفر في هذا القطاع بأكمله. ومن خلال نفس الموقع، دخلنا إلى سجلات الحوادث لجميع خطوط الطيران العالمية، وقمنا بتقليص نطاق البحث إلى حوادث جرى على إثرها اعتبار طائرة ما غير مؤهلة للتحليق نهائياً. يضم هذا التصنيف من الحوادث المؤسفة (المعنون بحوادث تلف هيكل الطائرة "hull loss accidents") حوادث تحطم أليمة، إلى جانب حرائق كهربية خطيرة وعمليات هبوط في الماء وغيرها من الحوادث التي تطلبت إصلاحات عقيمة أو مكلفة للغاية. قمنا أيضاً بتقييم مضمون التغطية الإعلامية لكل طرز الطائرات في عينة البحث، حيث افترضنا أنّ شهرة الطائرات تؤثر على قرارات إدارة الأسطول. يكون لحادث ضخم تم تغطيته على نحو واسع صدى كبير على الحسابات القائمة على الأمان لدى شركات الطيران.

ثم تتبعنا الروابط بين تغيير بنية أحد أساطيل الطائرات وثرواته التجارية (مع أننا اضطرننا قبل ذلك إلى إزالة الكثير من شركات الطيران الموجودة في البلدان النامية من عينة البحث نظراً لعدم إمكانية الحصول على بيانات موثوقة حول أدائها المالي).

ووجدنا أن شركات الطيران التي تتمتع بسجلات أمان بمستوى فوق المتوسط استجابت لتزايد معدلات الحوادث في طُرز أسطولها من خلال تغيير بنية الأسطول. غير أنّ الأمر المثير للاهتمام هو أن هذه النتيجة كانت أقوى لدى شركات الطيران ذات معدل الربحية الأقل. افترض أن شركتا طيران بدأتا بمستوى أمان متساو فوق المتوسط ولكن بمعدلات مختلفة من الربحية. إذا مرت كلتا الشركتين بنفس المستوى من الانخفاض في معدلات الأمان، ستزيد شركة الطيران الأقل ربحية في المتوسط مبيعاتها من الطائرات بنسبة 55% مقارنة مع شركة الطيران مرتفعة الربحية، التي ستقوم بزيادة مبيعاتها من الطائرات بنسبة 29% فقط. وبالنسبة لشركات الطيران ذات معدلات الحوادث المرتفعة نسبياً، كان للأداء المالي دوراً أكثر حسماً: قامت الشركات ذات الأداء المالي المتدني بالتخلص من الطائرات في مناقصات سعياً لتعزيز مستوى الأمان لديها، في حين لم تكترث الشركات المزدهرة بذلك. أما شركات الطيران التي تأتي أدنى كثيراً من متوسط سجل الأمان في هذا القطاع، فمن الأرجح أن تزيد نسبة بيعها الطائرات بمقدار 50% عندما تقل نسب تحقيها للأرباح مقارنة بالشركات مرتفعة الربحية.

وعلى هذا الأساس، لا تفاجئنا التقارير حول عزم شركة ليون إير (Lion Air) الإندونيسية إلغاء طلب شراء بقيمة 22 مليار دولار لطائرات من طراز "737 ماكس" واستبدالها بطائرات من طراز "إيرباص" على إثر حادثتي التحطم الأخيرتين سواء التي وقعت في أثيوبيا في مارس/آذار أو مأساة تحطم الطائرة التابعة للشركة الإندونيسية في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، حيث تحطمت إحدى طائراتها من طراز "ماكس" بعد دقائق من إقلاعها ليتسبب ذلك في مقتل جميع المسافرين مع الطاقم الذي على متنها.

وقد يبدو من الغريب أن الطائرات المتعثرة على الصعيد المالي هي الأكثر استعداداً لإنفاق المزيد على مستويات الأمان لديها، ولكننا نعتقد أن ذلك يعزى إلى طريقة تفكير المؤسسات في البقاء، يمكن لشركات الطيران التي تحقق أرباحاً كبيرة الصمود في وجه فضيحة ما، ويعلم مسؤولوها التنفيذيون ذلك. أما نظيراتها الأقل نجاحاً فقد تكون بالفعل في طريقها إلى الفشل ولا يسعها تحمل السخط الشعبي الذي قد تتسبب به إحدى الحوادث المفجعة.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن شراء وبيع الطائرات لدواعي الأمان يعزى في الغالب إلى معدلات الحوادث، ولكن مضمون ما يتم نشره على وسائل الإعلام كان عاملاً مهماً أيضاً. انظر إلى حجم التغطية الإعلامية السلبية حول الطائرات من طراز "بوينغ 787 دريملاينر" بعد سلسلة حرائق البطاريات في عامي 2013 و2014. فعلى الرغم من حدوث أسوأ الحرائق الأولية أثناء عمليات إعادة شحن الطائرات أثناء وجودها في مدرج الطائرات دون وجود أي مسافرين على متن هذه الطائرات إلا أن ضبابة من الشكوك تخيم على "دريملاينر" حتى يومنا هذا. وعلى نحو مماثل، وجدنا أن التغطية الإعلامية السلبية مارست تأثيرها على عمليات بيع الطائرات وشرائها، بمعزل عن المعدلات الحقيقية لتلف هياكل الطائرات. إذ تبدو الصورة العامة لمستويات الأمان وسجلات الأمان الحقيقية للطائرات كصندوقين منفصلين تشعر شركات النقل أنها مضطرة إلى وضع علامة صواب عليهما، خصوصاً في الأوقات الصعبة اقتصادياً.

إذاً، هل شركات النقل الرائدة أقل أماناً من غيرها؟ ليس تماماً. نعلم من الدراسات السابقة المذكورة آنفاً أن ثمة علاقة مباشرة بين ربحية شركات الطيران وسجل أمانها، حيث يتأثر جانب الأمان بعوامل أكثر من مجرد طريقة صناعة طائرات الأسطول وطُرزها، ويمكن القول أن ما يقوم به الموظفون على الأرض وأثناء التحليق هو الأكثر أهمية. ويفضي ضع الأمان على رأس سلم الأولويات إلى أسئلة مثل: هل يجري اتباع أفضل الممارسات بدقة؟ وهل يُمنح طاقم الطائرة وقتاً للقيام بعمليات فحص شاملة وكافية قبل الإقلاع؟ فعندما تنخفض الأرباح وتقل العلاوات على الرواتب، يمكن أن يكون الإغراء بالتقليل من الجودة كبيراً بما فيه الكفاية لتحييد الخطط الحكيمة التي يضعها كبار المسؤولين التنفيذيين. وسيبقى الأمان يمثل مشكلة ما لم يقم المدراء بالتعامل مع هذه المسائل، مهما بلغ عدد الطائرات المشبوهة التي تضعها شركات الطيران خارج الخدمة.

وتظهر نتائجنا أن الخيارات التي يتخذها المدراء لاجتياز مرحلة المفاضلة الصعبة مثل الأمان في مقابل الربحية ستتغير حسب السياق، بغض النظر عن تأثيرها، حيث يفضل صناع القرار الأمان على الربحية عندما تكون المخاطر عالية، سواء على الصعيد المالي أم البشري، من خلال اختيار البقاء المكلف على الخطر منخفض التكلفة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!