تستخدم صناعة المياه التقنيات الرقمية والتحليلات المحوسبة (analytics) لاستخلاص المزيد من القيمة من أصولها المادية. فهذا القطاع في أمس الحاجة إلى التغيير والتطوير: إذ تواجه المؤسسات العاملة على إدارة موارد المياه حول العالم مشاكل بالغة الخطورة، تتصدرها مشكلة ندرة المياه.

فقد تضاعف استهلاك الفرد من المياه على مدار القرن الماضي نتيجة التغيرات الحاصلة في أنماط حياتنا، من استهلاك متزايد للحبوب واللحوم والألبسة القطنية. ومع استمرار نمو الطلب، يشير تقرير صدر عام 2016 – عن برنامج الموارد الدولية الذي يستضيفه برنامج الأمم المتحدة للبيئة – بأن الطلب على المياه سيتجاوز الموارد المتاحة بنسبة 40% بحلول عام 2030. كما ينبه منتدى الاقتصاد العالمي أن ذات الفترة سيرافقها عجز مالي مهول في تمويل مرافق البنية التحتية الخاصة بالمياه يقدر بقيمة 26 تريليون دولار. وأنه إذا لم يتم التعامل مع هذه المعضلة، فإن ندرة المياه ستؤدي إلى تقليص سلاسل توريد الغذاء وإنتاج الطاقة، كما ستوقف عجلة النمو الاقتصادي.

وللمساعدة في حل هذه المشكلة، لجأت المؤسسات إلى التقنيات الرقمية والتحليل المحوسب للبيانات لتحسين اكتشاف تسرب المياه. إذ يقدر البنك الدولي نسبة فقد المياه الناتج عن التسرب والدفقات القوية بحوالي 25% – 35%، حيث تعادل قيمة هذا الماء المهدور – الذي تنتجه المرافق ثم يضيع هدراً – ما يساوي 14 مليار دولار. كما تستعمل المؤسسات هذه الأدوات لتحسين الصيانة، وتخطيط البنية التحتية، والمحافظة على المياه، وخدمة الزبون (بما في ذلك التسعير وزيادة فاعلية الإصلاحات).

وعلى الرغم من النجاح الذي أحرزته المؤسسات العاملة في صناعة المياه جراء استخدامها للتقنيات الرقمية والتحليلات المحوسبة، فقد واجهت تحديات فيما يتعلق بالتحول المطلوب في الأدوار الخاصة بموظفيها وتغيير ذهنياتهم، إضافة إلى التحول في عملياتها داخل المؤسسة وتلك المرتبطة بالتعامل المباشر مع الزبائن. غير أنّ أولئك الذين نجحوا في الدمج المتناسق بين التقدم التقني المستحدث وبين عنصرين آخرين أساسيين – هما الأفراد والعمليات – ظفروا بما هو أكثر من البيانات، ألا وهو القيمة التي صنعوها لمؤسساتهم وللمجتمع الذي يعملون فيه.

الأفراد: يدرك القادة الجيدون أن استخدام البيانات وتأويلها ليس مقصوراً على البحث عن رؤى، لكنه يتعلق بالقدر ذاته بانجذاب عقول وقلوب الأفراد الذين يقع على عاتقهم العمل بمقتضى هذه الرؤى.

إذ يكمن التحدي في تعوّد الموظفين على التعامل مع الأمور بأسلوب محدد، وبطئهم في تبني التغييرات المستجدة. على سبيل المثال، مع كل ما يحمله استخدام التحليلات التنبؤية لمنع التسرب من قيمة على الصعيد الاجتماعي والكفاءة، لا يزال العديد من مدراء المرافق يعدون أنفسهم من الأبطال حين يقومون بالاستجابة بعد وقوع حادثة التسرب. وكما عبر أحد التنفيذيين الأميركيين عن هذا الوضع قائلاً: "تعتمد معظم الممارسات السائدة مبدأ انتظار فشل الخدمة وتوقفها عن العمل لتقييم الأداء بعد ذلك بناء على الاستجابة لهذا الحدث، ذلك أنّ هذه المرافق لا ينظر أحد إليها بعين التقدير سواء من المشرعين أو الإعلام حين تمنع حوادث التسرب التي لا يعلم العامة عنها شيئاً".

وتزيد الحوافز التنظيمية الأمر سوءاً حين تعزز هذا النوع من السلوك. ففي أجزاء كثيرة من العالم، يتم تمرير التكاليف المتزايدة للتشغيل والبنى التحتية إلى المستهلكين مباشرة. أما في مناطق أخرى (مثل أستراليا والمملكة المتحدة)، فيلجأ المشرعون إلى فرض غرامات مرتفعة على تلك المرافق حين يبدر منها تقصير في كفاءة العمل. ولا غرابة بعد ذلك أن أصبح عدد من المرافق في هذه الدول في قائمة الصدارة في مجال استخدام الأدوات الرقمية.

لكن لا يخلو الأمر من التحديات، حتى مع وجود الحوافز المناسبة. على سبيل المثال، قامت العديد من المرافق في الولايات المتحدة بتركيب عدادات ذكية، وهو استثمار يمكن بسهولة أن يتجاوز 60 مليون دولار في المدن التي تحوي 150 ألف وصلة مياه، أي ما يقارب 15% من متوسط الإيرادات السنوية للمرفق وضرائب المياه. وبعد القيام بهذا الاستثمار وتحميل كلفته على المستهلكين، حدثت إنذارات تسرب كاذبة تسببت بإصلاحات مكلفة ومعالجة دعاوى (متعلقة بالتركيب). كما أن "قانون العواقب غير المقصودة" (law of unintended consequences) كان حاضراً بقوة خلال التشغيل: ذلك أن الفريق الميداني المختص بشبكات نقل المياه فقد ثقته بالبيانات التي يعرضها النظام نتيجة المشاكل التي حصلت أول الأمر – حتى بعد تشخيص المشكلة التقنية وإصلاحها – ما استدعى مزيداً من التدريب للتخفيف من شكوكهم.

ومن هنا تكمن أهمية تغيير الأدوار، وإسقاط الحواجز، وتبني أنظمة جديدة لدعم اتخاذ القرارات عند تطبيق تقنيات جديدة. وليس أدل على ذلك مما فعلته إحدى مؤسسات مصلحة المياه في أستراليا حين تبنت حلاً برمجياً لزيادة كفاءة الشبكة. إذ بدأ الفريق الإداري عمله بتأسيس مجموعة عمل تتكون من موظفين ينتمون إلى سائر القطاعات العاملة في المصلحة، من بيع التجزئة إلى إدارة الأصول والتخطيط وفرق الصيانة. ودأبت مجموعة العمل هذه على عقد لقاءات أسبوعية، ما مكنها من اكتشاف الإشارات الخاطئة التي يصدرها النظام والتركيز على جمع المعلومات (مثل أنواع المشاكل وحجمها ومواقعها… إلخ) لتصبح قادرة على أخذ قرارات أفضل في مجالات العمل الأخرى. ونتيجة لذلك، استطاعت مجموعة العمل هذه إنجاز إجراءات قلصت متوسط المدة اللازمة للإصلاح بمعدل 66% بما وفر الملايين من الدولارات سنوياً.

أما على المدى البعيد، فقد مكنت المعلومات التي تم جمعها فريق العمل من القيام باستثمارات مركزة بحسب أنواع المشاكل الحاصلة في كل منطقة ومعدل تكرارها، عدا عن القدرة على المقارنة بين مزودي الحلول ومناقشة شروط أفضل معهم بناء على الجودة والأداء.

العمليات: كما هو الحال في القطاعات الأخرى، تشهد مرافق المياه تحولاً في التعامل مع المستخدمين من مجرد كونهم "وصلات" تدفع الفواتير إلى النظر إليهم كزبائن لهم حاجات وعادات وآراء مؤثرة إذا سارت الأمور على غير ما يرام. إذ تمكن التحليلات المحوسبة للبيانات إدارات المرافق من تقديم استجابات أسرع وأكثر جدوى. ويخبرنا أحد التنفيذيين في إحدى مرافق المياه الرائدة في رومانيا عن هذا بقوله: "بوسعنا إجراء المقارنات من حيث كفاءة كل من القطاعات الستة التي تتكون منها شبكتنا وتقييم وقت الاستجابة اللازم لتقدير العطل المحتمل، ما يساعد في إجراء الإصلاحات بسرعة أكبر". ويضيف قائلاً: "تضمن الرؤى الأذكى ونظام إدارة الحوادث درجة أعلى من الانتباه على المستوى الإداري لمسألة التحسين المستمر في إجراءات التشغيل وخدمة العملاء، كما يساعدنا ذلك على تجنب الأضرار البالغة التي تسببها التسريبات الخافية عنا".

وقد تطلب الوصول إلى تلك الأهداف أن تقوم إدارة هذا المرفق الروماني بتغيير عملياتها المؤسساتية ومقاييس عملها. إذ أعادت صياغة مقاييس أهداف الشركة وأنشأت عمليات أسبوعية وشهرية لمراجعة مدى تحقيق الأداء للأهداف الموضوعة. كما وفر التطبيق البرمجي البيانات ذات الصلة، مثل بداية وقت حدوث التسرب ووقت إصلاحه بناء على المعلومات الواردة في الزمن الحقيقي وليس بناء على زمن تسليم التقرير. غير أن الذي صنع الفارق الفعلي وخلق حالة من التنافس الداخلي المحمود تمثل في العمليات المرتبطة بالتعامل مع الزبائن مثل تحديد أهداف دوريات الإصلاح وإجراء مقارنات "الأداء مقابل الأهداف" بين كل منطقة وأخرى، ما عزز السلوك الإنتاجي للعاملين في المؤسسة.

وهذه القضايا ليست محصورة في صناعة المياه، وإنما تنطبق على الشركات العاملة في قطاعات أخرى والتي تستخدم البيانات والأدوات الرقمية التي باتت متاحة بشكل أكبر.

على سبيل المثال، يبرز قطاع المبيعات كأبرز المرشحين لتحسينات كبيرة تطاله باستخدام أدوات جديدة تحسن توليد الفرص والتنبؤات واستهداف الزبائن. لكن الاستفادة المثلى من هذه الأدوات لن تحصل إذا لم تبادر المؤسسات العاملة في هذا القطاع إلى تغيير نظام الحوافز لديها، وعملياتها الداخلية والمهارات المطلوبة لموظفيها، وسوى ذلك مما له علاقة مباشرة بتبني تلك الأدوات.

وعلى العموم، وعى الرغم من غلبة ارتباط الحديث عن البيانات الضخمة بافتراض استبدال التقنيات الرقمية بالأصول المادية، إلا أن التوجه الأكبر والأبعد أثراً مرتبط باستخدام الأدوات المتاحة على شبكة الإنترنت لتحسين استخدام الأصول المادية في المجالات التجارية العاملة خارج نطاق الإنترنت، مثل صناعة المياه. ولن يكون دور البيانات في هذا السياق أن تجعل المدير يبدو تحليلياً في ممارساته، بل بأن تساعده في اتخاذ قرارات أفضل وتعظيم القيمة التي تكتسبها الشركة من خلال أعمالها. وليس باستطاعتك أن تنجز ذلك بالتقنية وحدها أو بالتحليلات المحوسبة، مهما بلغت جودتها وقوتها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!