في إحدى الأمسيات من شهر فبراير/شباط من العام 2016، التقت الكاتبة والمخرجة إيفا دوفيرني مع اثنين من كبار المدراء التنفيذيين في شركة ديزني للنقاش حول إمكانية إخراج فيلم مستوحى من الرواية الكلاسيكية "انحراف في الزمن" (A Wrinkle in Time) للكاتبة الأميركية مادلين لينجل. كانت إيفا، والتي بلغت من العمر 44 في ذلك الوقت، قد تغلبت على العديد من التحديات للوصول إلى تلك اللحظة، إذ أنها بدأت حياتها المهنية قبل 12 عاماً ولم يكن لديها أي معارف – قامت فقط بالتقاط الكاميرا وبدأت بإنتاج الأفلام بميزانية متواضعة، بما في ذلك فيلم موّلته من مدّخراتها الشخصية. وحققت تقدماً كبيراً في فيلم "سيلما" (Selma)، وهو أول فيلم تخرجه امرأة أميركية من أصل أفريقي يتم ترشيحه للحصول على جائزة مهرجان الأوسكار لأفضل فيلم.

وجدت إيفا أنّ الرجال استمروا في التشكيك بإمكانياتها القيادية وانتهاك مساحتها الشخصية حتى بعد أن انتقلت إلى مواقع تحمل فيها الكثير من المسؤولية، حيث كانت دائماً ترتدي القبعة والنظارات عندما تكون في مواقع التصوير؛ وذلك لتجنب "لمسات المواساة" من الآخرين، ولكي لا يُسيء الناس تفسير المشكلة في عدساتها اللاصقة على أنها بكاء. لاحظت أيضاً أنه عندما تأتي الصحافة لتغطية أعمالها، فإنهم يركزون دائماً على مدى غرابة أن تكون المرأة السوداء مخرجة، عوضاً عن التركيز على رؤيتها كمخرجة أفلام.

لكن شعرت إيفا بالثقة عندما التقت بالمسؤولين في شركة ديزني، حيث كانت قد نالت سمعة حسنة بالفعل بعد تنفيذها لأعمال ضخمة، وكانت تعلم أنّ هذين الشخصين يقدرون أعمالها، إذ قالت في مقابلة لها مع مجلة فايس (Vice magazine) "في تلك الغرفة بالذات، تمكنت من السير والحديث عن رؤيتي الخاصة، مثلما يفعل الرجل الأبيض، لم أكترث لتقييمات وآراء الآخرين".

وكما تشير تجارب إيفا، تواجه النساء اللواتي يسعين إلى تحقيق النجاح على مستوى عال في المجالات التي يسيطر عليها الرجال تحديات هائلة. ويُظهر بحث إلى أنه عندما نفكر في المدراء المميزين؛ عادة ما نفكر بالرجال، فنحن نميل إلى تصوّر الرجل على أنه أكثر كفاءة وقدرة على تحمل مسؤوليات القيادة من النساء، الأمر الذي يمكن أن يقود النساء إلى مواجهة الشكوك وردود فعل سلبية عندما يتقلدنّ مناصباً رفيعة المستوى في الشركات. وكثيراً ما يَتهم الرجال والنساء على حد سواء القيادات النسائية على أنهنّ متسلطات أو باردات أو وقحات أو أنهنّ يملنّ إلى العدائية – على خلاف سمات الصورة النمطية الأنثوية للمرأة باعتبارها عطوفة ودافئة وخاضعة. وبالمثل، عندما يُظهر الرجل غضبه في العمل، فإنه يحظى على المزيد من الاحترام والسلطة، بينما يتم النظر إلى المرأة الغاضبة على أنها غير جديرة ويتم معاملتها على هذا الأساس.

يمكن أن تُلحق مثل هذه التجارب الضرر بثقة النساء، حيث قام الأستاذ كلود ستيل المتخصص في علم النفس بتوثيق الظاهرة المعروفة باسم تهديد الصورة النمطية، أو الميل إلى "التعثّر" وتدني الأداء بسبب الخوف من التحيز. وبالنظر إلى الصورة النمطية الراسخة التي تقول أنّ الطالبات غير جديرات مثل الذكور في الرياضيات والعلوم، سجلت النساء، في إحدى الدراسات، اللواتي تم تذكيرهنّ بجنسهنّ قبل إجراء اختبار رياضيات درجات أقل من الرجال المتساوين في المؤهلات والذين أجروا نفس الاختبار، ووجد الباحثون أنّ أداء النساء قد تدنى بسبب خشيتهنّ من تأكيد الصور النمطية السلبية عن الإناث. من ناحية أخرى؛ عندما تم طمئنة النساء بأنهنّ لا يختلفن عن الرجال من حيث جدارتهنّ في الرياضيات، تطابق أداؤهنّ مع أداء الرجال.

بالنسبة إلى إيفا، فقد ساعدتها التوقعات العالية للمدراء التنفيذيين  في دخولها الاجتماع المقام بشأن فيلم "انحراف في الوقت" بثقة كاملة، ونظراً لإنجازات إيفا؛ فقد كانت هذه التوقعات مبررة. عندما تبدو توقعات الآخرين منخفضة بشأننا؛ كيف يمكننا – رجالاً ونساء – تجنب تهديد الصورة النمطية والتغلب على تلك التوقعات؟

يمكن للإجراءات الأربعة التالية أن تساعدنا في ذلك:

أولاً، عندما تتعامل مع موقف يتصف بأنه عالي المخاطرة – سواء كان مقابلة عمل، أو عرض تقديمي أمام مديرك في العمل، أو حتى موعد غرامي أول – حاول تأطير طاقتك العصبية على أنها حماسة عوضاً عن القول لنفسك بأنك يجب أن تكون هادئاً، يُظهر بحث أنّ هذه الاستراتيجية تساعد على تخفيض مستوى القلق وتحسين الأداء. لقد اختبرت ذلك بنفسي عندما قمت بتدريب فريق حول ثقافة الإدارة التنفيذية لأول مرة مع زملائي الذكور الذين كانوا أكبر سناً مني وأكثر خبرة مما كنت عليه؛ تمكنت من تعزيز ثقتي من خلال تركيزي على مدى الحماسة التي كنت أشعر بها وما يمكن أن أتعلمه من هذه التجربة، وانتهى الأمر بحصولي على تقييمات جيدة من المتدربين.

ثانياً، يمكننا التفكير في الصور النمطية التي سوف يتم تقييمنا على أساسها ونحاول النظر إلى صفات معينة على أنها إيجابيات بدلاً من كونها سلبيات. يشير بحث جديد إلى أنه عندما ترى النساء صفة "أنثوية" مثل الدفء على أنها ميزة عوضاً عن كونها صورة نمطية إشكالية، تصبحنّ أكثر مرونة وفاعلية في موقع القيادة، وهذا يتطلب تغييراً بسيطاً في أسلوب التفكير: ما الذي نقرر التركيز عليه عن قصد قبل أن نصل إلى عملنا.

ثالثاً، يمكن للنساء أن تطبق سياسة كسر القواعد، ففي استطلاع حديث لـ500 رجل وامرأة، أشار معظمهم إلى أنه من السهل على الرجال أن يخرقوا القواعد أو معارضة ما هو طبيعي أكثر من النساء؛ لكن يمكن للنساء أيضاً خرق تلك القواعد.

التقت باتريسيا فيلي كروشل مجموعة من المهندسين الذكور في وادي السيليكون، بعد أن أصبحت الرئيس التنفيذي لشركة ويب إم دي (WebMD)، وعندما سألوها عن مدى إلمامها في مجال الهندسة، قامت بتشكيل رقم صفر بأصابعها، وقالت: "هذا هو مقدار معرفتي في الهندسة، إلا أنني ماهرة في كيفية إدارة الأعمال، وآمل أن يكون بإمكانكم اطلاعي على الأمور التي يتوجب علي معرفتها في هذا المجال".

ولأسباب وجيهة، تفترض العديد من النساء في مواقع القيادة أنه يجب أن يتّصفن بالقسوة والحزم وألّا يُظهرن أي نقاط ضعف. لكن باتريسيا كسرت تلك القاعدة، وبذلك أربكت توقعات المهندسين، فمن خلال صراحتها واعترافها بما لم تكن تعرفه، عندما لم يتوقع المهندسون ذلك، كسبت احترامهم. وكما أظهر بحث لعقود من الزمن؛ عندما نكشف عن أشياء حول أنفسنا – بما في ذلك مواطن الضعف فينا – فإنّ الآخرين يثقون بنا ويحبوننا أكثر.

رابعاً، يمكنك وضع القواعد الخاصة بك. بكون إيفا صانعة أفلام واعدة، فقد كرّست الكثير من الوقت والطاقة لاكتشاف كيفية الدخول إلى هذا المجال، والبحث عن أشخاص يمكنهم تقديم النصح والدعم لها، في النهاية، وعلى الرغم من ذلك، بدأت تؤمن أنها ستكون أفضل حالاً إذا قامت بصناعة أفلامها الخاصة؛ بأفكارها وميزانيتها الخاصة، وقالت لمجلة تايم (Time magazine): "أعتقد أنّ هنالك صدوع في تلك الحواجز؛ قامت بتشكيلها النساء اللواتي اقتربنّ منها كفاية، لكنني غالباً أستمد قوتي من الأشخاص الذين يخلقون حواجزهم الخاصة".

يكافح المتمردون مثل إيفا في مواجهة المفاهيم والأدوار التي يفرضها المجتمع، ويغتنمون كل فرصة لإثبات خطأ هذه المفاهيم، إنهم ينظرون إلى ما وراء الصور النمطية نحو آفاق إمكانياتهم.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!