يستطيع علم البيانات أن يتيح قدرات جديدة ومبتكرة تماماً، وتستطيع هذه القدرات أن تُميز الشركة بالكامل. لكن، هذه القدرات المبتكرة لا يتم تصميمها أو تصورها، حيث يتم اكتشافها والإعلان عنها من خلال محاولات الحل التي يوجهها فضول علماء البيانات. لذلك قبل أن تقفز إلى عربة علم البيانات عليك أن تفكر قليلاً في الكيفية التي سيدعمك بها هذا العلم وينفذ مخططاتك، وأن تفكر أكثر في كيفية خلق البيئة التي تمكن علماء البيانات لديك من ابتكار أشياء لم تحلم بها أبداً.

أولاً، وفي هذا السياق، فإنني أشغل منصب مدير الخوارزميات الرئيسي في شركة ستيتش فيكس (Stitch Fix)، وهي شركة تقدم خدمة تصميمات مخصصة عبر الإنترنت لأكثر من 2.7 مليون عميل في الولايات المتحدة، وتهدف لدخول المملكة المتحدة في العام القادم. إنّ حداثة خدماتنا تمنحنا بيانات حصرية وغير مسبوقة بشروط مثالية للتعلم منها. فلدينا أكثر من 100 عالم بيانات يقومون بتسخير إمكانات الخوارزميات المستخدمة عبر الشركة. فلدينا خوارزميات لأنظمة التوصية وشراء البضائع وإدارة المخزون وإدارة العلاقات والخدمات اللوجستية والعمليات، بل لدينا خوارزميات لتصميم الملابس توفر كل منها عوائد مادية يمكن قياسها، ما يمكننا من تقديم خدمة أفضل لعملائنا، مع توفير حاجز وقائي ضد المنافسة. ومع ذلك، لم تُطلب أي من هذه القدرات بشكل فعلي من قبل المدراء التنفيذيين أو مدراء المنتجات أو خبراء المجال أو حتى من قبل مدير علم البيانات (وبالتأكيد ليس من قبلي). وبدلاً من ذلك، نشأت هذه القدرات بدافع الفضول ومحاولات الحل اللامنهجية من قبل علماء البيانات.

يعد علماء البيانات من المجموعات الغريبة خصوصاً أولئك الجيدين منهم. فهم يعملون على تحقيق أهداف واضحة ويركزون على تحقيق مقاييس أداء معينة ويخضعون للمساءلة ولكنهم أيضاً يتعرضون للتشتت على نحو ما. وأثناء قيامهم بعملهم يصادفون مختلف الأنماط والظواهر والمفارقات التي يتم اكتشافها أثناء التحري عن البيانات. وهذا يؤدي إلى إثارة فضول وتساؤلات عالم البيانات: "هل توجد طريقة أفضل يمكننا بها وصف نمط العميل؟". "إذا قمنا بتصميم الملابس بأطوال ومقاييس مناسبة، فهل يمكننا تحسين ملاحظات العملاء؟". "هل يمكن إعادة دمج الميزات الناجحة من الأنماط الحالية لإنشاء أفضل منها؟". وللإجابة عن هذه الأسئلة، يرجع عالم البيانات إلى البيانات القديمة ويبدأ في محاولات الحل دون استئذان.

في بعض الحالات، يمكن العثور على التفسيرات بسرعة، في غضون ساعات قليلة أو نحو ذلك. وفي أحيان أخرى، يستغرق الأمر وقتاً أطول لأن كل إجابة تثير أسئلة وافتراضات جديدة، ما يؤدي إلى المزيد من الاختبارات والتعلم. فهل يضيعون وقتهم؟ الإجابة لا، فعلم البيانات لا يتيح الاستكشاف السريع فحسب، بل إنه من الأسهل قياس قيمة هذا الاستكشاف مقارنة بالمجالات الأخرى. وتقوم المقاييس الإحصائية مثل المساحة تحت المنحنى (AUC) وخطأ الجذر التربيعي المتوسط (RMSE) والجذر التربيعي بتحديد مقدار القدرة التنبؤية التي يضيفها استكشاف عالم البيانات. إنّ الجمع بين تلك المقاييس والمعرفة بسياق الأعمال يسمح لعلماء البيانات بتقييم الجدوى والأثر المحتمل للحل الذي يعزز رؤاهم الجديدة. إذا لم يجدوا "الحل" هناك، فإنهم يتوقفون. ولكن عندما تكون هناك أدلة دامغة وإمكانات كبيرة، ينتقل عالم البيانات إلى أساليب أكثر صرامة مثل التجارب العشوائية الخاضعة للرقابة أو اختبارات A/B، والتي يمكن أن تقدم دليلاً على التأثير السببي. إنهم يريدون أن يروا كيف تعمل خوارزميتهم الجديدة في الحياة الواقعية، لذا فإنهم يعرضونها على عينة صغيرة من العملاء على سبيل التجربة. وهم يثقون بالفعل من أنها ستحسن تجربة العميل ومقاييس الأعمال، لكنهم بحاجة إلى معرفة مقدار ذلك التحسن. وإذا أسفرت التجربة عن مكسب كبير كاف، فسيتم طرحها لجميع العملاء. في بعض الحالات، قد يتطلب الأمر عملاً إضافياً لبناء قدرة قوية تتمحور حول الرؤى الجديدة. من المؤكد أن هذا سيتجاوز ما يمكن اعتباره "عملاً جانبياً" وسيتعين عليهم التعاون مع الآخرين لإجراء تغييرات تتعلق بالجوانب الهندسية وسير العملية.

والأساس هنا هو أنّ أحداً لم يطلب من علماء البيانات الإتيان بهذه الابتكارات، فقد رأوا ظاهرة غير مفسرة وكان لديهم حدس وبدأوا محاولاتهم لحلها. لم يكن عليهم طلب إذن للبدء في الاستكشاف لأنه من الرخص بمكان أن تدعهم يفعلون ذلك. ولو أنهم طلبوا إذناً، فقد يرفضه المدراء والجهات المعنية. لذلك، فإنّ التكلفة المنخفضة للاستكشاف والقدرة على قياس النتائج وضعت علم البيانات بمعزل عن وظائف الأعمال الأخرى. بالتأكيد توجد أيضاً إدارات أخرى تشعر بالفضول؛ قد يسأل أحد المسوقين "أتساءل عما إذا كان العملاء سيستجيبون بشكل أفضل لهذا النوع من الإبداع؟"، أو يستفسر مدير المنتج "هل ستكون واجهة المستخدم الجديدة أكثر بداهة؟". ولكن لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة باستخدام البيانات القديمة. استكشاف هذه الأفكار يتطلب بالفعل بناء شيء ما، وهو ما سيكون مكلفاً. وغالباً ما يكون تبرير التكلفة أمراً عسيراً نظراً لعدم وجود دليل يشير إلى أنّ الأفكار سوف تنجح. إن التكلفة المنخفضة لاستكشاف الأدلة ودليل تقليل المخاطر يُمكنان علم البيانات من تجربة المزيد من الأمور، ما يؤدي إلى المزيد من الابتكار.

يبدو هذا رائعاً أليس كذلك؟ بالفعل! لكن لا يمكنك كمؤسسة أن تُصرح فقط بأننا "سنفعل ذلك أيضاً"، فهذه طريقة مختلفة جداً للقيام بالأمور. وتحتاج إلى خلق بيئة يمكن أن تزدهر فيها.

أولاً، يجب عليك وضع علم البيانات ككيان مستقل بذاته. وعليك ألا تضعه كشعبة داخل قسم آخر مثل التسويق أو المنتجات أو الماليات وخلافه. بدلاً من ذلك، اجعل له قسماً خاصاً به يتبع المدير التنفيذي. في بعض الحالات، سيحتاج فريق علم البيانات إلى التعاون مع الأقسام الأخرى لتقديم الحلول. ولكنه سيقوم بذلك باعتباره شريكاً على قدم المساواة وليس كأحد الفرق الداعمة الذي يُنفذ فقط ما يُطلب منه. فبدلاً من تحديد وضع علم البيانات كفريق داعم في أحد خدمات الإدارات الأخرى، اجعله مسؤولاً عن أهداف الأعمال، ثم حمله مسؤولية تحقيق هذه الأهداف – لكن دع علماء البيانات يبتكرون الحلول.

بعد ذلك، تحتاج إلى تزويد علماء البيانات بكافة الموارد الفنية التي يحتاجونها حتى يكونوا مستقلين. سيحتاجون إلى الوصول الكامل إلى البيانات بالإضافة إلى مصادر الحساب للقيام بعمليات الاستكشاف، أما مطالبتهم بالتماس الإذن أو طلب المصادر سيفرض تكلفة وسيؤدي إلى قدر أقل من عمليات الاستكشاف. كما أوصي بالاستفادة من هندسة البنية السحابية، حيث تكون موارد الحوسبة مرنة وغير محدودة تقريباً. وسيحتاج علماء البيانات إلى المهارات اللازمة لتوفير المعالجات وإجراء الاستكشافات الخاصة بهم. وسيتعين عليهم أن يكونوا ذوي خبرة عامة هائلة. وتقسم معظم الشركات علماء البيانات التابعين لديها إلى فرق من المتخصصين، على سبيل المثال، مصممي النماذج ومهندسي التعلم الآلي ومهندسي البيانات ومحللي الاستدلال السببي، وما إلى ذلك من أجل مزيد من التركيز. لكن ذلك يتطلب المزيد من الأشخاص للمشاركة في تعقب أي استكشاف. وسرعان ما يصبح التنسيق بين أشخاص متعددين أمراً مكلفاً. بدلاً من ذلك، عليك تزويد علماء البيانات الأكفاء بجميع المهارات للقيام بجميع الوظائف. وسيؤدي هذا إلى خفض تكلفة إجراء التجارب على الأشياء، حيث قد تتطلب مبادرة واحدة لمحاولة الحل كافة وظائف علم البيانات التي ذكرتها. وبالطبع، لا يمكن أن يكون علماء البيانات خبراء في كل شيء. لذا، ستحتاج إلى توفير منصة للبيانات يمكنها المساعدة في تخليصهم من تعقيدات المعالجة الموزعة والتدرج التلقائي وخلافه. وبهذه الطريقة، يركز عالم البيانات بشكل أكبر على زيادة قيمة الأعمال من خلال الاختبارات والتعلم وبشكل أقل على التقنية.

أخيراً، تحتاج إلى ثقافة تدعم عملية مستقرة للتعلم وإجراء التجارب. وهذا يعني أنّ الشركة بأكملها يجب أن يكون لديها قيماً مشتركة لأشياء مثل التعلم عن طريق العمل وعدم الانزعاج من الغموض وتحقيق التوازن بين العوائد طويلة وقصيرة الأجل. ويجب مشاركة هذه القيم داخل المؤسسة بأكملها، ذلك أنها لا تستطيع البقاء وأقسامها في عزلة.

ولكن، قبل البدء في تنفيذ ذلك في شركتك، ينبغي أن تدرك أنه سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تنفيذ ذلك في شركة قديمة. لست متأكداً من إمكانية النجاح، حتى في شركة ستيتش فيكس، إذا لم نجعل علم البيانات مستقلاً منذ البداية. لقد عملت في ستيتش فيكس لمدة ست سنوات ونصف، وتقلدت منصباً على الطاولة التنفيذية، ولم نضطر أبداً إلى "إقحام" علم البيانات في الشركة.

في الواقع، كان علم البيانات مكوناً أصيلاً في سنوات التأسيس، وبالتالي، تعد طرق العمل الضرورية أكثر طبيعية بالنسبة لنا. ولا يعني هذا أن علم البيانات محكوم عليه بالفشل في الشركات القديمة الأكثر نضجاً، على الرغم من صعوبة البدء من نقطة الصفر بالتأكيد. فبعض الشركات تمكنت من إحداث تغييرات خارقة. ومن المهم جداً عدم المحاولة. ففوائد هذا النموذج هامة، وبالنسبة لأي شركة ترغب في جعل علم البيانات ميزة تنافسية، فإنه يجدر بها النظر في مدى ملائمة هذا النهج لها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!