قام مؤلف قصص الخيال العلمي آرثر كلارك برسم صورة عن الكيفية التي ستغير بها الحواسيب طريقة حياتنا بحلول العام 2001، وكان ذلك في مقابلة أجراها مع قناة أي بي سي نيوز عام 1974. وقد كانت إحدى توقعاته الصحيحة على نحو مذهل حين قال: "يستطيع أي رجل أعمال وأي مسؤول تنفيذي العيش تقريباً في أي مكان على سطح الكرة الأرضية مع مزاولة أعماله التجارية من خلال جهاز كهذا".

لم يصبح هذا التوقع عن العمل عن بعد مجرد شيء واقعي، إنما هو الآن بالنسبة لبعض الشركات أكثر فائدة من نموذج المكتب التقليدي. كانت جي إتش سمارت (ghSMART) منذ نشأتها عام 1955 شركة تمتلك فريقاً يعمل بشكل كامل عن بعد. ويتم إجراء 80% من عملنا على يد فرق من المستشارين والموظفين الذين يعملون خارج مكاتبهم المنزلية. إن الأمر ناجح لدينا، حيث شهدت الشركة نسبة رضا زادت عن 97% لدى عملائها في العقد الماضي، ونسبة استبقاء الفريق 93%، مع زيادة في معدل النمو السنوي بنسبة 20%. وقد قادت رحلتنا التي استمرت لأكثر من 20 عاماً إلى الكثير من النجاحات وتعلمنا منها دروساً قيّمة حول كيفية إنجاح ترتيباتنا عن بعد:

قم بتوظيف الأشخاص المناسبين. يتطلب امتلاك أعضاء فريق للعمل عن بعد أن نقوم بتوظيف أشخاص يمكنهم إحراز النتائج بشكل تقني بينما يعملون بشكل مستقل. وفي الوقت ذاته، فإن عدم حاجتنا إلى مكاتب يسمح لنا بدفع رواتب أعلى من الآخرين، كما يمكّننا من جذب أفضل المواهب. من خلال قضاء 42 ساعة في البحث وإجراء مقابلات مع مرشحين معينين، فإننا نراعي ضمان إيجاد الأشخاص المناسبين وتوظيفهم. ولا نتوقف عند مقابلة واختيار مرشحين جيدين، بل نقدم لهم أيضاً معلومات تفصيلية حول العمليات المالية في شركتنا واستراتيجيتها وأداء المستشارين والتأثيرات على الأجر ليتمكنوا من اتخاذ قرار مدروس حول رغبتهم في الانضمام إلينا. لقد تعلمنا أننا نحن والمرشحون الموهوبون نتخذ أفضل قرارات عندما نقدم لبعضنا كمية أكبر من المعلومات الجيدة.

ركّز على النتائج. بعد بذل كثير من الجهد كما نفعل في استقدام الأشخاص المناسبين إلى الشركة، فإننا نجد الأفضل لنا في إعطائهم حريتهم. ويعتبر وضع التوقعات الخطوة الأولى والأكثر أهمية في هذه العملية، حيث نخبر زملاءنا الجدد بماهية النتائج التي تهمنا بالضبط، ونقوم بمكافأتهم على تحقيق هذه النتائج وتجاوزها إلى ما هو أبعد من ذلك. نقوم بهذا الأمر من خلال سجل إنجاز نعطيه للمستشارين وأعضاء الكادر الوظيفي بما يتلاءم مع أدوارهم الفردية. وبصفتنا فريقاً قيادياً، نسعى لتحقيق الانسجام في النتائج لكل دور، حتى يعلم كل شخص مدى تقدمه في إحراز النتائج وبأن هذا التقدم لن يتغير دون جهد منه. وبمجرد تحديد النتائج ومراعاة انسجامها، تتحول النقاشات الإدارية من تمارين حول التفويض إلى جلسات حل للمشكلات. وتؤدي الإدارة التفصيلية القليلة إلى المزيد من الخيارات واتخاذ القرارات والحرية والمسؤولية على مستوى الفرد.

ساعد الموظفين في اختيار مغامراتهم الخاصة والتحلي بالمسؤولية تجاهها. نحن نضع خيار كمية بذل الجهد بين يدي المستشار من خلال تحديد الأرضية المناسبة وعدم وضع حدود للسقف، وبالدفع مقابل القيمة (عندما يتفوق المستشارون على النتائج المحددة لهم، يُدفع لهم عمولة تنسجم مع العمل الإضافي الذي يقدموه). فعلى سبيل المثال، يملك أعضاء فريقنا الحرية في أخذ أطفالهم إلى موعد مع الطبيب في منتصف الأسبوع أثناء القيام بعمل يخص تدريباً حول القيادة مع أحد الرؤساء التنفيذيين. إذ إنّ لكل مستشار الحرية في اختيار نوع العمل الذي يرغب به، والشخص الذي يعمل معه، والوقت الذي يؤدي فيه عمله. ونحن نقدم لجميع زملائنا معلومات حول الأعمال التي أتمها الزملاء الآخرون، وما يخططون لإنجازه في المستقبل، ليتمكنوا من اختيار الجانب الذي يريدون العمل فيه.

وبعيداً عن العمل لصالح عملائنا، فإننا نسمح لزملائنا بالاستثمار في جوانب أخرى، حتى أننا ندعمهم بالموارد عند الحاجة، حيث نعلن مثلاً في أغلب الأحيان عن ميزانية للابتكار وندعو لتقديم الطلبات لأفكار تجريبية. ونتيجة لذلك يقوم زملاؤنا طوعاً بتصميم جوانب ممارسة جديدة، وعقد أبحاث قيادة عصرية، وتأليف كتب. وقد لاحظنا أن أعضاء فريقنا يتمتعون بحس قوي من الالتزام تجاه المسؤوليات التي يأخذونها على عاتقهم ولا يتركونها عندما تصبح المهمة صعبة. فهم يشعرون بملكية حقيقية. ويتأكد فريق القيادة الخاص بنا من احترام هذا التوازن بين الخيار والالتزام وقيمة تملك النتائج، ويقوم بالاحتفاء به كميزة ثقافية.

تمركز بحذر. نحن نركز على ترك أعضاء فريقنا ليكونوا بمثابة "رؤساء تنفيذيين" على حياتهم المهنية، ولكننا تعلمنا مع الوقت أن ليس كل جانب من جوانب خياراتنا يضيف قيمة. على سبيل المثال، قمنا سابقاً بتمكين مستشارينا من اختيار مزودي خطة الرعاية الصحية الخاصة بهم، وجهزنا لهم مكاتبهم المنزلية بالطريقة التي يرغبون بها، ولكننا انتقلنا منذ ذلك الحين إلى خطة للشركة ككل وحزمة تكنولوجيا معلومات قياسية لإنشاء فريقنا. فهذا يجعل حياتهم أسهل دون حرمانهم من الخيارات المهمة. وبينما توجد الكثير من الأمثلة على مثل هذه المركزية، يحافظ فريق القيادة لدينا على سقف عال جداً لمثل هذه القرارات لأن الكثير من السيطرة من شأنها أن تعمل على زعزعة الثقة المشتركة.

لقد نجحت رؤية آرثر كلارك إلى حد كبير حول نشأة عالم جديد من العمل عن بعد. ففي استبانة أجريت في عام 2014 لآراء قادة في مجال الأعمال في قمة القيادة العالمية، قال 60% من القادة أن أكثر من نصف القوى العاملة لديهم ستعمل عن بعد بحلول عام 2020. في كل عام نتعلم أكثر حول فوائد العمل عن بعد، بما فيها زيادة الإنتاجية والقدرة على جذب عمال الجيل الجديد. لقد عشنا ميزات نموذج عمل عن بعد، فالتزامنا على مدى عقدين بحرية الفرد والمسؤولية ساعدنا في تحويل عملنا عن بعد، والذي لربما يراه البعض على أنه إحدى السلبيات، إلى دافع أساسي لنجاحنا. نحن نشجعكم على تجربة نماذج لا مركزية تعتمد على النتائج في محاولتكم للحصول على أكبر فائدة من فرقكم العاملة عن بعد. ربما وجدنا نموذجاً ناجحاً فقط في حالتنا، ولكننا نعتقد أنه يمكن أن ينجح معك أيضاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!